تجسيد الأنبياء بين الإبداع والتقييد

الثلاثاء 2014/03/18
هل يعد عرض الفيلم انتهاكا للشريعة الإسلامية

لقي فيلم “نوح” للنّجم راسل كرو، رفضا شديدا، وذلك عندما طرحت إمكانيّة عرضه في دور السينما المصرية. وأبَانَ الأزهر عن موقف واضح من هذه المسألة، من خلال التأكيد على أنه لا يجوز عرض الفيلم، لأنّ تجسيد الأنبياء أمر محرّم شرعا، ويمثّل انتهاكا صريحا لمبادئ الشريعة الإسلامية التي نصّ عليها الدستور، مضيفا أنّ مثل هذه الأعمال تتنافَى مع مقامات الأنبياء والرسل، وتمس الجانب العقدي وثوابت الشريعة الإسلامية، وتستفز مشاعر المؤمنين.

هذا الموقف أحدث جدلا واسعا في الساحة المصرية، واعتبر البعض منع عرض الفيلم يحدّ من العمل الإبداعي ويقيد الأعمال الفنية بمرجعيات دينية لم تقدم نصوصا واضحة في الموضوع.

ويذهب آخرون إلى أنّ مؤسسة الأزهر ستجدُ نفسها أمام عدة أعمال أخرى شبيهة بفيلم “نوح”، خاصة في هذه الفترة التي تركز فيها السينما الأميركية على إنتاج عدة أفلام عن حياة الأنبياء، مثل فيلم “ابن الإله” الذي سيبدأ عرضه العالمي يوم 28 مارس الجاري، ويتتبع العمل حياة “يسوع” بدءا من ولادته، مرورا بمراحل حياته، وبلوغا إلى صلبه وموته وقيامته، ويجسّد المُمثّل دياجو مورجادو دور النبيّ “عيسى”، والممثّلة روما دووني دور السيدة “مريم العذراء”.

ونعرض هنا موقفين من المسألة؛ الأول للناقد الفني طارق الشناوي الذي يذهب إلى أنّ الأزهر يجب أن يعيد النّظر في تحريمه لفيلم ” نوح “، والثاني للكاتب سمير الجمل الّذي يقف ضدّ تجسيد الأنبياء في الأعمال الدرامية.

طارق الشناوي: موقف الأزهر يعد غريبا إلا حد ما


الزمن تغير ويجب أن نغير أفكارنا

ذهب طارق الشناوي إلى أن موقف الأزهر الرافض لعرض فيلم “نوح”، يعد غريبا إلى حدّ ما، خاصّة أنّه تمّ عرض فيلم “آلام المسيح”، بما فيه من تجسيد لشخوص الأنبياء في عام 2004، ولم نر اعتراضا منن قبل الأزهر.

وطالب الشناوي الأزهر بأن يكون لديه نوع ما من المرونة في مسألة رفض تجسيد الأنبياء والصحابة والمبشرين بالجنة.

وأشار إلى أن الأفلام الأجنبية قادمة من مجتمع آخر له مقاييس مختلفة، لافتا إلى أن الشريعة المسيحية لا يوجد بها ما يُحرم تجسيد الأنبياء.

ورأى أن أي مسلم يحترم الأزهر ورجاله، فالأزهر مظلّة إسلامية لها كل التقدير، ولكن لابد له أن يعيد النظر في تحريم فيلم “نوح”.

وذهب إلى أنّ مثل هذه القرارات موجودة منذ عقود، فتجسيد الرسل والأنبياء والخلفاء الراشدين وأهل البيت والصحابة مُحرّم منذ مدّة، ولكن الزمان تغيّر، ويجب أن نغير من أفكارنا بما يتماشى مع هذا الوقت الراهن.

كما أشار الناقد الفني إلى أنّ ” فيلم الرسالة ” لمصطفى العقاد، والّذي تمّ عرضه في معظم الدول، كانت مصر هي الدولة الوحيدة التي منعت عرضه، بسبب ظهور شخصية تجسد شخص حمزة بن عبدالمطلب.

ولكن بعد ذلك، تم عرض الفيلم على التلفزيون المصري بموافقة من شيخ الأزهر، سيد طنطاوي، رحمه الله، بمطلب من سوزان حسن، رئيسة التلفزيون المصري السابق.

وتحدثت سوزان حسن وقتها مع الشيخ عن رغبتها في عرض فيلم ” الرسالة “، فسألها عمّا إذا كان يحتوي على عبارات تُعارض الإسلام، وعندما أجابته بالنفي، وافق على طلبها على الفور، وبالفعل عُرض الفيلم على شاشة التلفزيون المصري.

وأضاف الشناوي أن الفيلم خدم الرسالة المحمدية، فقد دخل الكثير في دين الإسلام نتيجة دور حمزة بن عبدالمطلب، الّذي تمّ تجسيده في الفيلم.

ورأى الناقد السينمائي، أن بطل مسلسل عمر بن الخطاب، لم يكن على درجة من الكفاءة والمهارة، ولكنّه لعب دورا هامّا في تصحيح بعض المعلومات لدى الكثيرين، وخاصّة أنه تُرجم لكثير من اللغات الأجنبية، واستفادت منه الأمة الإسلامية جمعاء.

وأوضح الشناوي أنّ الأزهر له أسبابه التي تقف وراء تحريم هذا الفيلم، ولكن هناك بعض الشيوخ الّذين وافقوا على عرضه، وهذا في حد ذاته مؤشّر جيّد، لأنّ الاختلاف رحمة ويجب أن يستفتي الشّخص قلبه.

ورأى الناقد أن الضّجّة التي وقعت حول عرض فيلم “نوح” في مصر، تدل على أن الأزهر في حاجة إلى ثورة في التّغيير، حيث أنه يقيم خطوط دفاع فقط، ودائرة المنع زادت عنده، كي لا يجسد أحد شخصيّة الرسول “محمد” في أيّ فيلم.

وأكد أن هناك العديد من الأفلام التي جسدت شخوص الأنبياء في مصر، لافتا إلى أنّ فيلم “نوح” ليس الأول من نوعه، فقد شهدت فترة الخمسينيات فيلما مدبلجا باللغة العربيّة عن السيد المسيح، وتم عرضه، وحقّق نجاحا جماهيريّا وقتها.

وأضاف أنه لا يرى أيّة مشكلة في تجسيد شخوص الأنبياء، مشيرا إلى أنّ الجمهور أصبح يفرّق بين الشّخصية السينمائيّة والممثل المؤدّي.

الجمل: الصحابة والأنبياء لهم مكانتهم

هذه الأعمال أخطر على أبنائنا من إسرائيل

وقف سمير الجمل ضد تجسيد الأنبياء والعشرة المبشرين بالجنة في أعمال درامية.

واعتبر أن هذه الأعمال أخطر على أبنائنا من إسرائيل، لأن الطفل الصغير الذي يشاهد العمل يرسخ في ذهنه أن هذا الممثل هو الرسول، ومع تقدُّمه في السّنّ يصعب عليه نزع تلك الصّورة من عقله.

ورأى أنّ هذا النوع من التعليم، والمعروف في العالم بـ”التعليم بالصورة الذهنية”، هو أكثر أنواع التعليم فاعليّة، لذلك من يقول إننا كبار ونعلم أنّ هذه ليست شخصيّة الرسول الحقيقيّة، وأنه مُجرّد تمثيل، فإنّ سمير الجمل يجيبه بـ”أنّ طفلك لا يعلم”.

وذهب إلى أنّ من بين أسباب رفضه لتجسيد الأنبياء كذلك، هو أنّ فتح الطريق أمام مثل هذه الأعمال، سوف يأخذنا إلى باب آخر لا نريد الوصول إليه، وهو تجسيد الله عز وجل.

وأضاف أنّ الصحابة والأنبياء لهم مكانتهم، وعلينا احترام كونهم عاصروا النبي “محمد”.

وأشار الجمل إلى أن الفرق بيننا وبين الغرب، يتمثل في أن الغرب ينظر إلى تلك الأمور من خلال مسمى حرية الإبداع، أما نحن فلدينا حرية إبداع ولكن لدينا مقدسات دينية لا يمكن التنازل عنها.

وأضاف أن ذلك ما جعله في كتابته لمسلسل “محمد”، يحاول جاهدا ألاّ ينزلق إلى ذاك الخطأ، حيث قام باستخدام “تكنيك” جديد في كتابة الأعمال الدينية.

ويتمثّل في ربطه سيرة الرسول الكريم وحياة المسلمين الأوائل بالعصر الحالي الّذي نعيشه، مستعينا بقصّة حقيقية لراهبة أيرلندية تسمّى كارين أرمسترونج، والتي ألفت كتابين عن الدين الإسلامي وعن سيرة الرسول “محمد” وتمّت ترجمتهما إلى العربية، دون أن تترك دينها وتعتنق الإسلام.

ورأى جمل أن ذلك يضفي على العمل مصداقية أكبر، حيث ابتدأ العمل بخروج كارين من الدير للدفاع عن الأديان السماوية الثلاثة، وقام بتغيير اسمها في المسلسل إلى “مريم”، وبعد ذلك يعود بالزمن إلى رحلة الصحابة إلى الحبشة، مستعرضا تسامح الدين الحنيف.

واستنكر الجمل إنتاج فيلم عالمي باللغة الأنكليزيّة عن النبي “محمد” ومن خلال مخرج أجنبي.

وقال: “لقد عكفت 3 سنوات على كتابة مسلسل “محمد”، وللأسف الشديد لم أجد من يقوم بإنتاجه، علما بأن التكلفة لن تزيد عن 15 مليون جنيه مصري، في حين يتم إنتاج فيلم ضخم، ومن إخراج مخرج أجنبي ليس له علاقة بالدين الإسلامي، فحتّى لو جلس مع مئات الشيوخ لتعليمه السيرة النبويّة، فإنه سيفتقد للروح التي تضفي على العمل حيوية تتناسب مع الموضوع المطــروح.

وأضاف أنه عرض العمل في وقت سابق على جماعة الإخوان المسلمين، ولكنهم فضلوا أن يقتلوا الأبرياء بهذه الأموال على أن يُنتجوا عملا دينيّا يتناول قصّة الرسول.

وذهب الجمل إلى أن فيلم “محمد” الذي قام بكتابته، سيكون عالميا، وسيتم تصويره في أكثر من بلد منها؛ القاهرة والسعودية وإسطنبول والبوسنة والهرسك ولندن.


الدراما وسيلة العصر للدفاع عن الأفكار والهوية


القاهرة - أثار منع الأزهر لفيلم “نوح” الكثير من الجدل، خاصة بعد الفتوى التي صدرت عنه، والّتي تحرّم عرض الفيلم.

واستند الأزهر، رغم عدم وجود نصوص دينية واضحة وصريحة تحرم تلك الأعمال، إلى جملة من القيم الاعتبارية الّتي تؤكّد المكانة الّتي يحظى بها الأنبياء والصّحابة.

ورأى محمد الشحات الجندي، أمين عام المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية بمصر، أنه لا يوجد نص في القرآن أو السنة يمنع ظهور الصحابة في الأعمال الدرامية، نظرا لأن هذه الأعمال والفنون من مستجدات العصر، لكن أيضا جاءت نصوص القرآن والسنة كلها تجل الصحابة وتؤكد أنّ لهم مكانة خاصّة لا أحد يستطيع من البشر المعاصرين أن يتبوَّأها.

لكن البعض الآخر رأى في فتوى الأزهر، نوعا من التجاوز لمهمة جهاز الرقابة المخوّل له الفصل في المصنّفات الفنية.

واعتبرت جبهة الإبداع الّتي تضم عشرات المؤلفين والمخرجين المصريين، في بيان لها، أن فكرة تحريم تصوير وتجسيد الأنبياء والصحابة في الأعمال الفنية لا تزال حتى الآن اجتهادا من قبل الشيوخ والفقهاء، ولا يوجد نص قرآني واحد أو حديث شريف ينهى عن ذلك بوضوح.

وأشارت جبهة الإبداع إلى أنه لا جدوى من منع الأفلام، لأنّها تُشاهد عبر الإنترنت، ولا يستطيع أحد أن يمنع مواطنا من مشاهدتها.

ويذهب مراقبون إلى أن الأعمال الدرامية يمكن لها أن تكون وسيلة ناجعة للوقوف ضد الهجمة التي يتعرض لها الإسلام وأهله، من خلال تقديم الصورة الحقيقية عنه.

ويدعو السيناريست محفوظ عبدالرحمن إلى ضرورة أن يضع الأزهر حدا لهذه المسألة ويعيد النظر فيها.

حيث قال “على الأزهر أن يسمح بتقديم هذه الأعمال، خاصة مع تلك الحملات التي تشوه صورة الإسلام والصحابة”.

وأكد “أن الأعمال الدرامية التي تتناول شخوص الصحابة وسيرهم، طالما أنّها لا تسىء إلى الإسلام ولا إلى شخصيات الصحابة، لا مانع من تجسيدها”.

وأوضح “أن تقديم الدراما الإسلامية بكافّة أشكالها، من شأنه الدفاع عن الإسلام والترويج له وتوضيح أفكار الدين بطريقة مبسطة للمشاهدين، شرط أن يكون العمل محترما وموثّقا”.

ويرى محلّلون أنّ القضيّة الّتي أُثيرت حول تجسيد الأنبياء والصّحابة في أعمال دراميّة، يجبُ أن تُنَاقَشَ بصفة جديّة، وأن تقع دراسة إيجابيّاتها وسلبياتها، وأن يتمّ تقديم تصوّر واضح للتّعامل معها.

كما يجبُ أن يتمّ تقريب وجهات النّظر، خاصّة بعد الإقرار بالدور المهم الذي من الممكن أن تلعبه تلك الأعمال الدرامية في الدفاع عن الأفكار والهويّة، وتوثيق مرحلة مهمّة من التّاريخ العربي والإسلامي.

يشار إلى أنّه سبق لعلماء الأزهر أن اعترضوا عندما قُدّم المسلسل السّوري “خالد بن الوليد” بسبب ظهور كلّ من؛ حمزة بن عبدالمطلب‏، خالد بن الوليد‏، أبو عبيدة بن الجراح‏، وعبدالله بن رواحة، لكنّ الأزهر لم يكن له سلطة على قنوات العرض في سوريا‏ أو القنوات الفضائية العربيّة، حيث تقف حدود سلطته داخل مصر‏.‏

12