تجسيد الإبداع

السبت 2016/12/03

ما فتئت الأنماط الإبداعية المعاصرة توغل في الابتكار والتمرد، في محاولة مستمرة لما أسميته عصرنة الثقافة وتأهيل أنماطها الكلاسيكية المعروفة للتنافس والاستحواذ على انتباه الجمهور للنتاج الإبداعي الحقيقي في زمن التحديات التكنولوجية الجديدة، ومن أجل فن ونتاج إنساني مبدع قابل للحياة، تتجسد هذه الرؤية الجديدة انطلاقاً من حقيقة مفادها أن عرض الأعمال التشكيلية العظيمة في المتاحف وانتظار مجيء الجمهور لم يعودا كافيين في الحقيقة، ما لم يجرّ القائمون على تلك المتاحف المشاهد الراغب في تأمل تلك الأعمال جرّاً من ياقته لرؤيتها وتلمس كم الخلق والإبداع المتجسد فيها.

لقد أثارت انتباهي ودهشتي تجربة مثيرة ومبتكرة ورائدة إن شئت، أقدم عليها موظفو متحف رايك ميوزيوم الشهير في أمستردام الذي يحوي أبرز أعمال الرسام الهولندي الأشهر رامبرانت فان رايك، عندما قرروا تجسيد لوحة “الحارس الليلي” الشهيرة لرامبرانت على أرض الواقع من خلال تجسيد أشخاصها ومكوناتها وعناصرها بأزياء وأكسسوارات وخلفيات القرن السابع عشر الذي رسمت فيه، ضمن عرض موسيقي آسر جرى في أحد مراكز التسوق المعروفة، أذهل الجمهور وأثار فضوله ودفعه إلى تأمل مكونات اللوحة والتقاط الصور للموظفين-الممثلين بعد أن تجمدوا في المشهد الأخير داخل إطار عملاق بدا كما لو كان لوحة الحارس الليلي لكن بأجساد حيّة نابضة بالحياة وإتقان مذهل لوقفة الكابتن فرانز بانن كوك والملازم وليم فان رايتنبورخ وحولهما الستة عشر رجلاً من متطوعي الميليشيات الذين أخذوا على عاتقهم واجب الدفاع عن المدينة.

ويُعدّ الرسام الهولندي رامبرانت فان راين واحداً من أبرز رسامي القرن السابع عشر، أنتج في حياته الزاخرة المئات من الأعمال الفنية الكبيرة ومثلها من النقوش والتخطيطات والرسومات، لكن يبقى عمله الأكثر شهرة هو لوحة “الحارس الليلي” التي رسمها في عام 1642، وتكشف عن عبقريته الفذّة في تطويع عنصري الضوء والظلام في سمفونية لونية تحمل الكثير من التناقض والعناية بالتفصيلات الدقيقة لتقدّم للمشاهد تجربة عميقة في تكوين المشهد النابض بالحياة والحركة، لا سيما الظهور المبهر لوقفة الكابتن كوك والمرأة ذات الرداء الأصفر التي على يسار اللوحة في بقعة ضوئية غامضة بينما تكتنف الظلمة أو تكاد بقية الرجال من حولهما، وفي أماكن أخرى من اللوحة يبدو الطلاء غزيرا جداً ومغرقا في التفاصيل كما هو الأمر مع يد القبطان كوك على سبيل المثال، حسب ناقد ومنظّر الفنون صامويل فان هوخستراتين، الذي وصف اللوحة بـ”الخلابة في مفهوم لافت للنظر وأنيق وقوي”.

وهو الأمر الذي جعل مثل هذا العمل محتفظاً بتميزه وفرادته حتَّى بعد مرور قرون عدّة. لقد ضمنت هذه اللوحة تحديداً مكانة مرموقة لرامبرانت في عالم الفن ووضعته في الصف الأوّل بين رسامي العصور كافة وأكدت الطابع الإنساني لعصره الذي بدأ الإنسان فيه يعي ذاته وموقعه، على العكس تماماً من عصرنا الذي بات الإنسان فيه يعاني من الضياع الروحي وسط تحديات التكنولوجيا والسلوكيات المشينة التي نتجت عنها.

إنّ اتباع مثل هذا الأسلوب المبتكر للتأثير على الجمهور لهو تطبيق فعلي لما أسميته عصرنة الفن والثقافة وجعلهما في متناول الجمهور، من دون المساس بالقيمة الفنية الرفيعة للنتاجات الإبداعية وفق أساليب مبتكرة وشجاعة ومتمرّدة من أجل انتزاع الناس من براثن التقنيات الحديثة والهواتف الذكية وحثّهم على التأمل، وإن بدا الأمر أشبه بخوض غمار منافسة شرسة وتزاحم على كسب ود هؤلاء الناس وإغوائهم للدخول إلى صالات المتحف.

إن مثل تلك السلوكيات قد تشكل نمطاً معينا من أنماط الصراع القائم حالياً بين البعد التأملي للفنون والثقافة والبعد التقني السريع والسطحي والسهل الذي باتت توفره المبتكرات الجديدة بما يشكّله من تحديات للفنون.

كاتب من العراق

15