تجفيف الينابيع

الاثنين 2015/03/23

من سوء حظ المفاهيم أننا لا نستطيع أن نحميها من الشطط ومن سوء الاستعمال، ولا سبيل إلى ذلك، فهي ملك مشاع ومن حق الجميع استعمالها. لكن، قد تسوء سمعتها وتفسد دلالتها وتصاب بتشوهات فظيعة جرّاء الاستعمال السيئ من طرف بعض القوى التسلطية. وأحيانا، قد تتعرّض بعض المفاهيم لوابل من الشيطنة والتّدنيس، بحيث يحتاج الأمر إلى زمن طويل قبل أن تستعيد شيئا من براءتها وبريقها.

الأمثلة كثيرة، ومثلا مفهوم “تحسين النسل”، لقد أصبحنا نتكلم عنه اليوم بقليل من الحرج، لكن لم يكن الأمر كذلك قبل عقود ماضية. فمنذ صعود النازية، التي استعملت مفهوم “تحسين النسل” لأجل تبرير الإبادة والتعذيب والتجارب المخبرية الفظيعة على المساجين وتسويق نظرية التفوق العرقي، لم يعد بالإمكان استعمال ذلك المفهوم دون مواجهة تهمة تبني الفكر النازي، وهذا برغم الأهمية العلمية والأخلاقية لعلم تحسين النسل البشري. كان الخوف، دائما، من أن يقود استرجاع مفهوم “تحسين النسل” إلى إيقاظ أشباح النازية مجددا.

مفاهيم كثيرة على قدر كبير من الأهمية العلمية والعملية، قد نتحرج من استعمالها، بسبب سوء الاستعمال الذي تعرضت له في أوقات سابقة فأفسد سمعتها وشوّه صورتها. من بينها مفهوم “تجفيف الينابيع”، ونقصد على وجه التحديد تجفيف ينابيع التطرف والإرهاب، وهو المقصود في كل الأحوال.

لقد أصبح الحديث عن تجفيف ينابيع التطرف الديني والإرهاب الفكري قرينا بسوء استعماله من طرف أنظمة اختزلته في مظاهر الاستئصال الأمني. وهو الاستئصال الذي طال القوى الحداثية أكثر مما طال القوى الأصولية. والحال، بصرف النظر عن قصور المقاربة الأمنية كما نردد دائما، فإننا أحوج ما نكون إلى استرجاع مفهوم تجفيف الينابيع، بل لعله المفهوم الذي نحتاجه في مواجهة التطرف الديني أكثر من أي شيء آخر. بمعنى، إذا لم نتكلم عن تجفيف الينابيع فإننا لن نتقدم في معركة القضاء على التطرف الديني، طالما لذلك التطرف الديني روافد تغذيه، وللروافد منابع معلومة المصدر.

التطرف الديني ليس وليد صدفة أو حادثة عرضية في مسار التاريخ، لكنه نابع من ينابيع معلومة وقابلة للمعاينة والإدراك، إنها ينابيع موجودة في مناهج الدراسة، وفي خطب الجمعة، وفي المدارس القرآنية، والبرامج الإعلامية، إلخ.

وهنا نحتاج إلى ثلاثة مسارات إصلاحية متساوقة:

أولا، تحديث الخطاب الديني، لا سيما بالنسبة إلى خطب الجمعة والخطب المنبرية، وتخليصه من غرائز الحقد والكراهية والانتقام والتعصب، عبر ضمان تكوين جديد للأئمة وخطباء الجمعة، واستفادتهم من دورات تكوينية في قيم المساواة وحقوق الإنسان والمحافظة على البيئة واحترام الاختلاف والتنوع.

ثانيا، تحديث مناهج التعليم، سيما المواد الدينية، وتخليصها من كافة أشكال التمييز القائمة على أساس الدين أو الجنس أو العرق أو نحو ذلك. والملاحظ أن مناهج التعليم الديني في بعض الدول الإسلامية لا تتورع عن شحن الطفل واليافع بالتحريض على تكفير “أهل البدع” من الفلاسفة والصوفية والفرق الكلامية، فضلا عن النصارى واليهود والمجوس وغيرهم، وذلك على حساب تمجيد بل وتقديس بعض الشيوخ.

ثالثا، ترسيخ ثقافة احترام القانون، وخضوع الفتوى نفسها والرأي الديني والاجتهاد الديني لسلطة القانون، باعتبار القانون تعاقدا اجتماعيا يضمن العيش المشترك، بعيدا عن الاجتهادات الدينية التي تبقى أحكامها ترجيحية، ومعانيها حمالة أوجه، والاختلاف فيها رحمة للعلماء وللعالمين. هذا هو المقصود بمعركة تجفيف الينابيع. أو هكذا يجب أن نفهم المعركة.

كاتب مغربي

9