تجليات الوهم ووجوه المخلص

السبت 2016/04/09

يلتقي الإيمان بقدوم مخلِّص غيبيٍّ مع الإيمان بالأولياء الموصولين بالأنبياء والآلهة على نحو يمدهم بقدرات خارقة تجعلهم يتوافرون على اجتراح معجزات وخوارق أفعال، وكلا الإيمانين يلتقيان، جذوراً وامتدادا، مع الإيمان بآلهة الخصب الأسطورية القديمة. فالإله والولي والمُخلِّصُ، ليسوا سوى مُسمَّيات عديدة لكينونة تصوُّرية تخييلية واحدة تنبعُ من واقع متشابه، وتحمل دلالة واحدة.

لقد التمس الإنسان القديم خلاصا من ضغطِ الضَّرورات بواسطة قوى غيبيَّة خارقة، وآلهة خفية خلقها وقدسها وقدَّم لها القرابين، إرضاء واستجداء، وجعلها ظاهرة جلية إذ جسدها مشكّلا أقنعتها التي ارتداها ليرفع عن نفسه وقومه ضغوط تلك الضرورات، وليشبع ما أمسك به من حاجات حياتية وتطلعات وجودية وأشواق إنسانيَّة لا تُشبع إلا لتوليد ما لا يتناهى من الحاجات والتطلعات والأشواق.

ولئن كان الإنسان القديم قد التمس، عبر القوى الطوطمية والطبيعية والمتصورة، ثمّ عبر الآلهة الأسطورية ذات الأقنعة والأصنام والأنصاب والتماثيل، ثم عبر السّحرة والعرّافين والشّامانات والأولياء والقديسين وأضرابهم المسكونين بآلهة وأنبياء، الخلاص من واقع قهريٍّ ضاغطٍ، فإنَّ هذا الالتماس المقرون بسعي لاهب للخروج من حال معتم قائم إلى حال مُنير ممكن، قد تداخل وتشابك على نحو ضمن تداخل وسائل الخلاص الجديدة مع وسائله القديمة في سياق إدماج لا يُلغي ولا ينسخ، وذلك إلى الحدِّ الذي جعل الإنسان يلتمسُ خلاصه، في مراحل لاحقة، عبر ملوكٍ مؤلَّهين، قدسهم وقدم لهم القرابين.

ومع تحوُّل الإيمان بآلهة متعدِّدة ذات تخصُّص ومجالِ قدرةٍ ونفوذ، إلى الإيمان بإلهٍ واحد كليّ الحضور والقدرة وليس له من قرين أو شريك أو نظير ولا تأخذهُ سنة من نوم، صار “المسيح” بديلا موازيا لـ”تموز” و”أدونيس” أو غيرهما من آلهة الخصب، وبعد موت المسيح أو صعوده إلى السَّماء، صار “مارجريس”، أو أي من القديسين والأولياء متعدِّدي الأسماء، بديلا جديداً للإله الذي مات، أو الذي صعد إلى علوٍّ سماوي لا يُطال. وما ذلك إلا لأنَّ آلهة عصر ما هم قديسو العصر الذي يليه، ولأنَّ قِدِّيسِي هذا العصر هم دراويش العصر التَّالي، فتموز الأمس الأقدم، هو أدونيس الأمس الأقلَّ قدامة، وهو المسيح الذي عاش وارتحل ليواصل العيش، وهو مارجريس، وهو غيره وغيره وغيره، بحسب الثقافات والأرجاء ومنابع التَّصورات؛ وكأنَّ الإنسان لا يقوى على العيش بلا حائطٍ يتكئ على ما قد أُسِّس عليه، ورفع بنيانه، من أخيلة وخوارق أفعال ومعجزات.

لا يدور الإيمان بالآلهة الأسطورية والقديسين والأولياء والمخلِصين إلا على محور البحث عن خلاص وهميٍّ، وهو لا ينهض إلا بدور تعويضيِّ لا ينمُّ عن شيء سوى عجز الإنسان عن الخروج من واقع قائم قاهر ومعتم لا طاقة له باحتماله، إلى واقع ممكن يرتجيه ولا يجدُ في حوزته من الأدوات الوسائل ما قد يحمله إليه.

وهكذا لا يكون للإيمان بمنقذ يقفزُ من وراء السور، أو بمخلص يأتي محمولا على أجنحة الغيب، أنْ يُسهم، بأي قدرٍ من قسطٍ، في تغيير واقع قاهر لا يحتملُ ويُراد تغييره، بل لعلَّه لا يُسهمُ إلا في تأبيد حضور هذا الواقع عبر ترسيخ معتقدات وتصوُّرات وهمية تقيم بنيان وعي تخييلي زائف يهلك حامله عوضا عن حمله إلى حياة يحكمها واقع أفضل.

ولئن ارتبطت فكرة انتظار المُخلِّص بالأساطير والخرافات، ثمَّ بالأديان، سواء أكانت سماوية أم غير سماوية، فإنها لم تُفارق التجليات الثقافية والإبداعية المتنوِّعة في أغلب ثقافات العالم، بل لعلها تكونُ محورا رئيسا من المحاور التي دارت عليها، ولا تزال تدور، الفلسفة الصَّافية التي يزعمُ أصحابها أنها من صُنع العقل الإنسانيِّ الصَّافي المجرَّد من الأخيلة والأساطير وملابسات الشُّعور.

كاتب من فلسطين

16