تجمع الساحل والصحراء: دعم مغربي ودولي وتجاهل جزائري

تتصاعد جهود التنسيق الفرنسي-الأميركي لدعم قوة دول الساحل الأفريقي الخمس التي بدأت مؤخرا أولى مهماتها العسكرية “هاو بي” على الحدود بين النيجر ومالي وبوركينا فاسو لملاحقة التنظيمات الإرهابية. مقابل ذلك، تتجه القوى المغاربية أكثر نحو “الخصم المتبادل” بين أدوارها الإقليمية في الساحل والصحراء، عبر انتهاج سياسات متباينة من حيث الأهداف والتحركات، برغم ما تشكله المنطقة من امتداد جيوسياسي للمغرب العربي صار طارحا لتهديدات مشتركة كالإرهاب المتنقل والجريمة المنظمة وتهريب السلاح عبر الحدود الهشة.
الأربعاء 2017/11/15
انغماس فرنسي في منطقة الساحل والصحراء

منطقة الساحل باتت أكثر عرضة لانكشاف خارجي مع تغلغل القوى الغربية، وخاصة فرنسا والولايات المتحدة وصارت القوتان أكثر تنسيقا بين سياستيهما لتكريس النفوذ بالمنطقة.

فشل اتحاد المغرب العربي في توفير منصة مشتركة fلمواجهة التحديات بالمنطقة المغاربية، وبشكل أشمل الأفريقية. وأمست الدول المغاربية أكثر ارتباطا بتجمعات إقليمية فرعية في القارة.

ويبرز هذا التوجه أساسا من خلال سياسات المغرب والجزائر، فيما تبدو ليبيا اليوم غارقة في حربها منذ سقوط نظام معمر القذافي، وبالمثل تعيش تونس أزمتها الداخلية منذ سقوط نظام زين العابدين بن علي، بالإضافة إلى تداعيات الأزمة الليبية عليها. أما موريتانيا فتبدو متذبذبة في مواقفها.

أخذ الدور المغربي يتوسع بصورة أكبر في الساحل والصحراء، في سياق سياسة الاشتباك الإيجابي مع أفريقيا، إثر العودة للاتحاد الأفريقي في يناير الماضي. وتجاوزت الرباط عائق قضية الصحراء في تفاعلات القارة، دون التخلي عن موقفها من الحكم الذاتي.

الجزائر تركز في تحركاتها في الساحل والصحراء على عزل المغرب جيوسياسيا عن عمقه الأفريقي الممتد من ناحية الجنوب

استهدفت الرباط من ذلك عدم ترك مساحات شاغرة لمنافسيها الإقليميين وتوسيع الحضور الاقتصادي كون المغرب المستثمر الأفريقي الأول في غرب أفريقيا، والثاني في القارة ككل، بالإضافة إلى منع تمدد التنظيمات الإرهابية في الساحل إلى مناطق التماس المغربية مع كل من الجزائر وموريتانيا، أو الالتحام مع جبهة البوليساريو.

في المقابل، فإن الجزائر المنشغلة أكثر بأزماتها الداخلية لا تزال تركز في تحركاتها في الساحل والصحراء على عزل المغرب جيوسياسيا عن عمقه الأفريقي الممتد من ناحية الجنوب عبر التمسك بدعم البوليساريو وبناء محاور إقليمية مع موريتانيا.

وتخشى الجزائر من وتيرة التغيرات في موازين القوى الأفريقية لصالح المغرب، إثر حصول الأخير على موافقة مبدئية للانضمام لتجمع إيكواس الذي تمثل دوله قلب منطقة الساحل والصحراء في يونيو الماضي في قمة منروفيا، فيما ينتظر الموافقة النهائية في القمة القادمة للجماعة خلال الشهر القادم في توغو.

تتمسك الجزائر بالحد من تأثيرات تدخل القوى الغربية الكبرى خاصة باريس في الساحل والصحراء على أمنها الجنوبي إثر التدخل الفرنسي في شمال مالي 2013، ثم إطلاقه لعملية برخان لملاحقة الإرهابيين بالمنطقة.

وتتخذ الجزائر خطا ثباتا في سياستها الخارجية يقضي برفض المشاركة في الأطر الأمنية الدولية بالمنطقة. ورفضت مؤخرا طلبا أميركيا للمشاركة في ملاحقة تنظيمات إرهابية في النيجر بعد مقتل أربعة جنود أميركيين ومثلهم من جيش النيجر خلال الشهر الماضي في كمين نصبه لهم متشددون في هذا البلد.

تجمع الساحل والصحراء

مالت الرباط أكثر إلى تفعيل عضويتها في تجمع الساحل والصحراء كحاضنة إقليمية لدول المنطقة الـ28، بعد سقوط نظام القذافي في العام 2011، داعم هذا التجمع في عام 1998.

وسعت الرباط إلى ممارسة أدوار أمنية ذات طابع تدريبي وتنسيقي، وهو ما برز في اللقاء الأخير في الأول من نوفمبر الجاري بين وزير الخارجية المغربية ناصر بوريطة والأمين العام لتجمع دول الساحل والصحراء إبراهيم ساني، وبدا ذلك المسعى المغربي استمرارا للعودة للمنطقة، خاصة أن المملكة المغربية استضافت في العام 2013 مؤتمرا لتعزيز أمن الحدود بين منطقة الساحل والمغرب العربي.

أسر كثيرة تفقد الأمل في البقاء على قيد الحياة
الأزمة الإنسانية في الساحل الأفريقي توفر تربة خصبة لتكاثر المتطرفين
كيب تاون- حذرت اللجنة الدولية للصليب الأحمر من أن استمرار انعدام الأمن في منطقة الساحل الأفريقي يلقي بظلاله على أزمة إنسانية واسعة النطاق يتعرض لها 12 مليون شخص في خمسة بلدان.

وقالت اللجنة إن النزاع المسلح والجريمة العابرة للحدود الوطنية وتغير المناخ تتسبب في معاناة إنسانية هائلة ونزوح وتشريد داخل أفريقيا والهجرة إلى أوروبا.

وأشارت اللجنة إلى أن موريتانيا ومالي والنيجر وبوركينا فاسو وتشاد تتأثر بشكل خاص بالأزمة. وقال باتريك يوسف، نائب مدير اللجنة الدولية للصليب الأحمر في أفريقيا “ينصبّ التركيز في منطقة الساحل على القضايا الأمنية، ولكن هذا يخفي مأساة كبيرة، الملايين من الأسر تتضور من الجوع وتفقد الأمل في البقاء على قيد الحياة”.

وصرح يوسف، خلال المنتدى الدولي للسلام والأمن في أفريقيا، في العاصمة السنغالية داكار أن “العواقب ستكون خطيرة، بما في ذلك المزيد من النزوح”.

وأضاف أن “العديد من هذه المواقع تشكل بالفعل أرضا خصبة للتشدد والتطرف”.

وتعاني منطقة الساحل من صراعات مستمرة، بما في ذلك الهجمات التي تشنها جماعات إسلامية عديدة في منطقة بحيرة تشاد ومالي، والتي لها أيضا عواقب وخيمة على بوركينا فاسو وموريتانيا المجاورتين.

وفي حين أن فرص الحصول على الغذاء والعمل نادرة بالفعل، تتوقع الأمم المتحدة أن يشهد عدد سكان منطقة الساحل زيادة من 90 مليون نسمة إلى 240 مليون نسمة بحلول عام 2050.

ودعم المغرب مبادرة مجموعة دول الساحل الخمس (مالي، بوركينا فاسو، موريتانيا، تشاد، النيجر)، في ضوء ما أبداه وزير خارجيتها على هامش اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة خلال سبتمبر الماضي من استعداد بلاده لدعم المجموعة في مجال تدريب القوات وأمن الحدود، فضلا عن الخبرة المغربية في تدريب الأئمة ومكافحة التطرف.

ويعنى هذا الاتجاه المغربي أن ثمة ميلا للطروحات الفرنسية النشطة في مواجهة الإرهاب في الساحل الأفريقي، لأن الرئيس إيمانويل ماكرون كان وراء إحياء هذه القوة خلال اجتماع في يوليو الماضي مع مجموعة دول الساحل الخمس في مالي.

ولم تكن مصادفة أن يختار الرئيس ماكرون المغرب كأول محطة مغاربية لزيارتها في يونيو الماضي، ليكسر بذلك تقليدا اتبعه من قبل رؤساء فرنسيون سابقون بزيارة الجزائر أولا. ويبدو أن باريس تراهن أكثر على الدور المغربي المتصاعد الذي يمتلك أدوات متعددة ونافذة في منطقة الساحل والصحراء وأفريقيا ككل على الصعد الاقتصادية والدينية والثقافية.

رؤية جزائرية خاصة

بادرت الجزائر، التي ما تزال عازفة عن تجمع الساحل والصحراء، بتوسيع تعاونها الإقليمي مع دول الساحل الأفريقي من خلال رؤيتها الخاصة في صياغة محاور إقليمية، وهو ما أبرزته جولة وزير الخارجية عبد القادر مساهل في أكتوبر 2017، والتي شملت موريتانيا ومالي والنيجر وتشاد.

وبدا أبرز ملامحها في الاتفاق الجزائري-الموريتاني على بناء معبر حدودي يربط تندوف الجزائرية وأزويرات الموريتانية، وعد ذلك التحرك بمثابة رسالة جزائرية موريتانية ذات طابع جيوسياسي مضاد للمغرب بأن البلدين الداعمين لجبهة البوليساريو يسعيان لخلق بدائل تعاونية في مواجهة الصعود المغربي في مناطق الساحل والصحراء وخاصة الغرب الأفريقي. وتسعى الجزائر لتفعيل مبادرة دول الميدان، والتي قامت بتأسيسها من رؤساء أركان جيوش دول الساحل الأفريقي، خاصة مالي والنيجر وموريتانيا في العام 2010، بينما تم عزل المغرب عن تلك المبادرة، برغم ارتباطاتها الأساسية بالتهديدات القادمة من تلك المنطقة.

وتصدرت أجندة اجتماعات رؤساء أركان جيوش في أغسطس الماضي بنواكشوط قضايا مثل مكافحة الإرهاب والجريمة المنظمة. وتكمن معضلة تلك المبادرة الإقليمية أن بعض دولها (مالي والنيجر وموريتانيا) منخرطة أيضا في مجموعة دول الساحل المدعومة فرنسيا، والتي تكافح التهديدات ذاتها.

بخلاف أن دول الميدان -على أهميتها- ظلت كيانا تنسيقا للمعلومات والتنسيق الاستخباراتي، ولم تتطور إلى بناء قوة إقليمية مشتركة تستطيع فرض قواعد اللعبة في الساحل، برغم ما تملكه الجزائر من نفوذ سياسي وأمني، خاصة في شمال مالي المترابط مع جنوب البلاد، فضلا عن قدرات عسكرية يمكن أن توظّف لصالح مكافحة التهديدات الإرهابي على المستوى الإقليمي.

وتمدد التنافس المغاربي على الساحل والصحراء إلى المجالات الاقتصادية في الدول التي تنضوي تحتها هذه المنطقة. فمع استشعار الجزائر أن الرباط تسحب البساط الاقتصادي من تحت قدميها في أفريقيا جنوب الصحراء ككل ومنها الساحل والصحراء، اتجهت إلى إطلاق المنتدى الأفريقي الأول للاستثمار والأعمال في ديسمبر 2016، وربما يفسر ذلك حدة الاتهامات التي أطلقها وزير الخارجية الجزائري عبدالقادر مساهل للبنوك المغربية خلال شهر أكتوبر 2017 بتبييض أموال تجارة الحشيش عبر الاستثمار في أفريقيا، وهو ما اعتبره المغرب تصريحات غير مسؤولة.

وأخذ الصراع بين القوتين المغاربيتين أبعادا أكثر عمقا بالساحل والصحراء، مع سعى المغرب إلى الاستفادة من موقعه الجيوسياسي بين أوروبا وأفريقيا، للتحول كمركز إقليمي للطاقة عبر الاتفاق مع نيجيريا في مايو 2017 على مد خط للغاز بينهما، والذي سيمر في 12 دولة في غرب أفريقيا منها غانا وبنين وتوغو ليصل إلى المغرب ومنه إلى أسواق أوروبا.

وحال تجاوز عوائق تنفيذ هذا المشروع، فإن المغرب يؤكد أنه سوف يصوغ محاور إقليمية خاصة مع نيجيريا إحدى القوى الرئيسية في الساحل والصحراء الداعمة لجبهة البوليساريو بما يقلص المسعى الجزائري المضاد، والذي قام بدوره من قبل على مشروع مماثل مع نيجيريا منذ العام 2002، وسعى لإحيائه في العام 2009، ولكنه لم يوضع موضع التنفيذ.

الدور المغربي أخذ يتوسع بصورة أكبر في الساحل والصحراء، في سياق سياسة الاشتباك الإيجابي مع أفريقيا، إثر العودة للاتحاد الأفريقي في يناير الماضي

تدخلات خارجية

باتت منطقة الساحل والصحراء أكثر عرضة لانكشاف خارجي مع تغلغل القوى الغربية، وخاصة فرنسا والولايات المتحدة. وصارت القوتان أكثر تنسيقا بين سياستيهما لتكريس النفوذ بالمنطقة، مع صعود تنظيمات إرهابية تشكل خطرا عاما على المصالح الغربية.

ولعل إعلان ريكس تيلرسون، وزير الخارجية الأميركية، مؤخرا عن مساهمة واشنطن في تمويل قوة دول الساحل الخمس التي تتبناها باريس وتواجه عوائق التمويل بـ60 مليون دولار شكل مؤشرا على ذلك، برغم أن واشنطن ترفض بالأساس أن تكون هذه القوة مفوضة من الأمم المتحدة أو تتحمل تمويلها كاملا. كذلك، فإن الولايات المتحدة أمست أكثر حضورا في المجال الميداني العسكري في مالي والنيجر خلال العامين الماضيين بعد تعرض الدولتين، بالإضافة إلى بوركينا فاسو إلى هجمات من تنظيمات إرهابية في الساحل الأفريقي مثل، القاعدة في بلاد المغرب العربي وداعش في الصحراء الكبرى وغيرهما.

تضاف إلى ذلك الجهود الأميركية الراهنة لبناء قاعدة عسكرية أميركية في أغاديز شمال النيجر، حيث تشكل هذه القاعدة مركزا للتدريب والدعم اللوجيستي للعمليات العسكرية في منطقة الساحل ومنها العملية الفرنسية برخان، بخلاف دعم واشنطن أيضا للقوة متعددة الجنسيات في بحيرة تشاد (النيجر، تشاد، نيجيريا، بنين، الكاميرون)، والتي تطارد جماعة بوكو حرام التي تمددت من شمالي شرقي نيجيريا إلى الحدود مع النيجر والكاميرون.

ولا يعني التنسيق الأميركي-الفرنسي اتساق الأهداف والاستراتيجيات المتصارعة بينهما أو حتى مع قوى أخرى مثل الصين على موارد المنطقة النفطية والمعدنية وأسواقها الاقتصادية، لكن يشير في مضمونه إلى أن لغة المصالح والتهديدات المشتركة تفرض تغيير قواعد اللعبة الإقليمية والدولية في الساحل والصحراء، في وقت لا يزال الفرقاء المغاربة ماضين في نزاعات ”الخصم المتبادل”.

باحث في الشؤون الأفريقية

7