تجمع العائلة الكبيرة والوحدة يفسدان الاحتفالات بموسم الأعياد

كل فرد عليه أن يتبنى طريقته في الانعتاق من الضغوط النفسية التي يسببها موسم الأعياد أياً كانت الأسباب التي تجعلنا نضيق بها ذرعا، بتحفيز نقاط القوة لديه.
الأربعاء 2018/12/12
المستمتعون بالأعياد

تطرق كلمة أعياد مسامع بعض الناس، فيسرح خيالهم بالموائد العامرة، ومذاق الفرح، والحلوى، والأوقات السعيدة والاجتماع مع العائلة والأحباب والأصحاب في دفء المنازل، لكنّ للأعياد وقعا مختلفا على نفوس البعض الآخر حيث تأتيه في صورة وحدة وحزن وعزلة فظيعة.

تبدأ هذه المشاعر في الزحف إلى أرواح بعض الناس في الوقت الذي تتبدى فيه بوادر اللحظات المبكرة للتحضير للأعياد، بكل ما تحمله من معان إيجابية قد تمرّ بهم من دون أن تلاحظهم أو يلاحظوها، فتزداد عزلتهم وتستدعى ذكرياتهم الحزينة وتحلق فوق نهاراتهم مثل غيوم قاتمة، حتى يصعب عليهم تجاوزها أو تخطي حدودها من دون أن يعلقوا في شبكة أحزان يعاد تدويرها مراراً.

يقول أستاذ علم النفس الأميركي وصاحب مؤلفات شهيرة في مجال علم النفس الإيجابي والشخصية القوية رايان م. نيمييك؛ بأنه التقى في محيط عمله بالعديد من الأشخاص الذين يواجهون فترة الأعياد بمزاج داكن لا يتناسب مع روح التفاؤل التي تحيط بهم في محيطهم الاجتماعي.

وفي إحدى هذه المناسبات، كان يستمع لأحدهم وهو يقول “أشعر بالوحدة كل عام تقريباً خلال شهري ديسمبر ويناير، وهذا الأمر لا علاقة له بغياب الشمس وطول ساعات الظلام أو ضغوط فترة العطلة من العمل، ببساطة أنا أشعر بالخوف قليلاً فلا أملك العديد من الأصدقاء، كما أنني أعمل لساعات إضافية فأعود إلى المنزل منهكا لأقضي الوقت المتبقي في مشاهدة الأفلام (…)، وبالطبع أتجنب القصص التي تدور حول الطقوس الاجتماعية في الأعياد. أبتعد عن هذه الأجواء قدر الإمكان، وكأنها لا تمرّ عليّ لا أزعجها ولا أتركها تسبب لي الإزعاج”!

ووجد أحد طالبي النصيحة من نيمييك نقيض ذلك، إذ أقر بأن مسببات حزنه في هذا الوقت من السنة مختلفة تماماً عما هو شائع؛ فأكثر ما يؤرقه عندما تحلّ أيام العيد هو اجتماع أفراد العائلة الكبيرة، فهناك دائماً معركة جديدة بين طرفين أو أكثر ومشاعر حادة على وشك الانفجار، أحدهم يوجه الانتقادات اللاذعة للجميع، إحداهن تعبّر عن غضبها من موقف سخيف ثم يصرخ شخص ما بصورة مفاجئة أو يهرب من المكان في اللحظة الأخيرة. دائماً هناك شيء مزعج على وشك الحدوث، شيء خارج عن سيطرة الجميع، شيء قادر على إفساد النهاية.

يؤكد رايان نيمييك أن على كل فرد فينا أن يتبنى طريقته الخاصة في الانعتاق من الضغوط النفسية التي يسببها موسم الأعياد، أياً كانت الأسباب التي تجعلنا نضيق بها ذرعا. ولأن الأمر لا يبدو ببساطة هذه الكلمات، يتوجب علينا أن نحفز نقاط القوة في شخصياتنا والاستعانة بها في تخطي هذه المرحلة، وسواء أكنا نعيش في وحدة أم في عزلة اختيارية أم كنا نعيش في بحر من العلاقات الاجتماعية محاطين بأعداد كبيرة من الأصدقاء والمعارف والأهل، فإن الحفاظ على خصوصية لحظاتنا أمر حيوي والخصوصية هنا تمثل حريتنا الشخصية في اختيار قضاء أوقاتنا بالطريقة التي نراها مناسبة لأمزجتنا، بصرف النظر عن التقليد الاجتماعي المصاحب للأعياد.

الفصل بين الخصوصية والمشاركة يضمن التمتع بالأعياد
الفصل بين الخصوصية والمشاركة يضمن التمتع بالأعياد

ويمكننا مثلاً أن نشارك في مناسبة واحدة أو في حفل استقبال معين، إذ لا حاجة لنا إلى التخلي عن أشخاص نحبهم، على أن يكون هذا في مستوى معين ومحدود لا يفرض قوانينه على حريتنا وخصوصيتنا لننسحب في الوقت المناسب، فلا نضطر إلى المشاركة في نزاعات أو مفاجآت تتعلق في الغالب بهذا النوع من المناسبات العائلية. ثم نحصي بقية أيام العطلة لإهدارها فيما نراه مناسباً؛ كقضاء المزيد من الوقت مع أطفالنا أو صحبة صديق مفضل أو حتى كتاب وربما فترة استرخاء وهدوء مختارة بعيداً عن كل هؤلاء، وهي بالتأكيد فرصة سانحة لممارسة هوايات ونشاطات مؤجلة، وجدنا أخيراً الوقت المناسب لتحقيقها.

من جانبها، ترى د. ديان غراندي -طبيبة واستشارية نفسية أميركية تمتلك خبرة تقارب الـ25 عاماً في مجال العلاقات الأسرية- أن الضغط والتوتر النفسي من أهم سمات هذا الوقت من السنة تحديداً، فالأعياد تعني للبعض خططا للاحتفال، وفواتير شراء ضخمة، وتذبذبا في العلاقات الأسرية بسبب الإرهاق والقلق اللذين تسببهما التحضيرات، إضافة إلى تراكم مسؤوليات العمل والساعات الإضافية من الجهد في محاولة للحاق بالعطلة، ثم لا ننسى ما يتبع ذلك بعد أن تنتهي فترة الاحتفالات بقوائم استهلاك مبالغ فيها والديون المتراكمة والوزن الإضافي، الذي يكتسبه أغلب الناس بسبب تناول الحلويات وبقية أطعمة العيد الدسمة.

وتضيف أنها مع ذلك تجد “أن الناس مازالوا يستمتعون بحماس خاصة في الأيام التي تسبق العيد، وعلى الرغم من الجهد والتعب والقلق فإن الأمر من وجهة نظرهم يستحق ذلك، إذ أن للأعياد ذكرياتها الجميلة أيضاً وبدلاً من أن نتذمر ونشتكي يتوجب علينا تجاوز الذكريات الحزينة في كل الأحوال، والاستمتاع باللحظات الجميلة قدر الإمكان وتأجيل ما عدا ذلك”.

وفي العام الماضي، نشرت د. ديان مدونة بعنوان “سبع نصائح بسيطة للتغلب على ضغوط الإجازة”، وجاء أبرز ما فيها متعلقاً بأكثر المراحل التي تسبب لنا الإجهاد والقلق في هذه الفترة. وتنصح غراندي بضرورة التعامل مع مخططاتنا بطريقة مختلفة، ففيما يتعلق بالإنفاق مثلاً، يمكننا أن نضع قوائم مسبقة تضم الخيارات المهمة فقط إضافة إلى ترشيد الإنفاق في الشهر الذي يسبق التحضير للأعياد أو العمل لساعات إضافية من أجل توفير دخل أكبر لتغطية التكاليف.

ولعل من الأسباب التي تجعلنا قلقين في هذه الأوقات، رغبتنا في أن يسير كل شيء على ما يرام وأن تنال التحضيرات والهدايا رضا الجميع، لتجنب وقوع المفاجآت والمواقف المحرجة غير المرغوب فيها، فإذا حدث ما يزعجنا ولا يتناسب مع توقعاتنا، فإن ذلك سيكون تجربة مفيدة على الأقل لتجنب الوقوع في الأخطاء ذاتها مرة أخرى.

21