تجنيد الأطفال سلاح فتاك بأيدي جماعات الإسلام السياسي

الاثنين 2014/09/01
المكان الأنسب للأطفال بالنسبة للمتطرفين هو معسكرات التدريب وساحات القتال الدموية وليست المدرسة أو العائلة

“نحن نقتل الكفار لأنهم يقتلون المسلمين” بهذه الكلمات المحملة بمعاني القتل والدماء، نطق طفل غر لم يتجاوز العشر سنوات كان بجانب والده المقاتل في صفوف “الدولة الإسلامية” يتفاخران بضرورة الجهاد والقتال لفرض دولة “الخلافة”.

الصور جاءت صادمة عندما قام موقع “فيس” الأميركي بإنجاز فيلم وثائقي من داخل الدولة الإسلامية في العراق والشام، تتمحور زواياه حول أصول العمل الجهادي، كاشفا عن سريان الفكر التكفيري الذي تحمله الجماعات المتشددة في شرايين جيل جديد من الأطفال الصغار، غُرر بهم ووقع اقتيادهم عنوة إلى دوامة العنف والتكفير ليقعوا في عُقال فكر جرّدهم من براءتهم وألبسهم قناع الدم.

تسعى التنظيمات المتشددة غالبا إلى استقطاب الأطفال الصغار الذين لا يحملون سوى نقاوة الفكر لتأجيج مشاعرهم وزرع حتمية الجهاد وقتال ما يسمونه “الكفار” في عقولهم، ليقع نقلهم فيما بعد إلى ساحات القتال وجعلهم كبريتا لمعاركهم التي يخوضونها.

وتأتي عملية الأدلجة بصيغ متعددة كثيرا ما يقع فيها استعمال النص الديني لتحفيز همم الأطفال وجعلهم ينضوون تحت لواء الفكر الجهادي دون سابق تفكير في عواقبه الوخيمة. وكثيرا ما يدفع الصغار ضريبة انسياقهم خلف بعض الدعاة الذين ينتهجون الفكر المتشدد. وتتأصل هذه النظرية طبعا في المقولات الفكرية والتنظيمية لجماعات الإخوان المسلمين ذات الانتشار العنقودي والتي تسمى “الأسر”.


الطريق إلى الموت


في تعاليم الجماعات المتشددة يخضع الأطفال قبل 16 سنة لتعليم ديني ومعسكرات تربوية، وبعد عمر الـ 16 سنة يمكنهم الاشتراك في المعسكرات التدريبية التي يتعلمون فيها طرق استعمال السلاح والتدرب على العيش في المغاور والمرتفعات الشائكة. وكثيرا ما يستخدم الأطفال كدروع بشرية في الصفوف الأولى في ساحات القتال.

يجد الإرهابيون في كتابات حسن البنا وسيد قطب المرجعيات النظرية في تجنيد الأطفال عبر ما يسمى بـ"نظام الأسر"

وهذه العملية تتم بحنكة كبيرة تتمثل في تجييشهم بقصص وملاحم وقعت إبان الفتوحات الإسلامية، أو عن طريق تغذيتهم بمفاهيم القيادة “الزائفة” ليكون مصيرهم الموت. بهذه الأساليب يقع جر جيل كامل من الأطفال إلى أتون الاقتتال وإبعادهم عن محيطهم الطبيعي المتمثل في الدراسة والمدرسة والفكر المستنير وأصول الدين الإسلامي الخالي من مظاهر الغلو والتشدد الديني.

وإذا كانت هناك فئة داخل الجماعات المتشددة تخير عملية غسل الأدمغة لتجنيد الأطفال الصغار، فإن هناك طرقا لا تقل خطورة عن الأولى وتحمل بعدا وحشيا، تتمثل في مقايضة الأطفال بقتلهم أو الالتحاق عنوة بمعسكرات القتال وكثير منهم يخيرون الالتحاق بالتنظيمات المتشددة ليس بقناعة الجهاد لكن خوفا من هول المذابح في حالة الرفض. فقد ارتكبت جرائم إبادة في حق أطفال لم يتجاوز سنهم الثلاث عشرة سنة في بعض المناطق في سوريا، حيث رفض الأطفال وأهاليهم الالتحاق بمعسكرات الإرهابيين فذبحوا في ساحات عامة.

ويرى مراقبون أنه بات من شبه الضروري التدخل فورا لحماية الأطفال وإبعادهم عن خطر الجماعات المتشددة خاصة أن هذه التنظيمات كلما استنزفت تلجأ إلى ضخ دفعة جديد من الصغار نحو “المحرقة” لتغذية الصراع الدائر. خاصة مع ارتفاع نسب الأطفال التي لحقت بصفوف الجهاديين في كل من سوريا والعراق.

وتشير عديد التقارير إلى أن المفجرين الانتحاريين التابعين لـ”الدولة الإسلامية” أغلبهم من المراهقين، ما يبين أن هؤلاء الأطفال لا يمثلون سوى أرقام متناثرة في عداد التنظيم المتشدد، مستغلين صغر سنهم وقلة معرفتهم في تصوير مشاهد كاذبة داخل عقولهم والرمي بهم إلى قنابل الموت الحارقة.


جنون التطرف


لا يمكن فصل أفكار تنظيم “الدولة الإسلامية” عن باقي التنظيمات الأخرى الناشطة في أكثر من مكان حول العالم، حيث تتصف هذه الجماعات بصفات “المجانين” في كثير من الأحيان، ويبرز هذا الجنون عبر اللجوء إلى تجنيد الأطفال لتنفيذ مخططاتها التخريبية التي تتسم باللاإنسانية، حيث يقع استخدام هؤلاء الصغار الذين لا يتجاوز أعمارهم الـ15 عاما في عمليات انتحارية نجحت في أهدافها في أفغانستان والعراق واليمن وليبيا وتم تسجيل بعض الحالات في مصر التي تم إفشال أغلبها.

يستغل المتشددون فقدان الأطفال لملكة النقد والإدراك لإقحامهم في معارك عنيفة واستغلالهم كدروع بشرية

وتعود أولى بدايات استغلال الجماعات الإسلامية في العالم العربي للأطفال في الأعمال القتالية إلى ثلاثينات القرن الماضي عبر تشكيل جماعة الإخوان المسلمين في مصر لميليشيات مسلحة من الشباب والأطفال تحت مسميات “فرق الجوالة” استنادا إلى تعاليم حسن البنا في نشر ثقافة الدين لدى الأطفال، واستخدمت الجماعة طرقا شتى للتحايل على القانون في هذه المسألة. إذ اختبأ التنظيم وراء ستار قانوني يتمثل في أن تلك الفرق الجوالة من الأطفال هي “كشافة” و مجموعات من التلاميذ تتدرب على العمل المدني، في حين أنها معسكرات تدريب ودمغجة.

ولعل محاولات الإخوان الحالية في استغلال الأطفال في المظاهرات والاحتجاجات ضد النظام الحاكم في مصر خير دليل على استغلال الجماعة للأطفال في النزاعات السياسية. ويذكر أن عملية إشراك الأطفال “عنوة” في مسيرات خلال ما يعرف باحتجاج “رابعة” وهم يحملون أكفانهم بأيديهم وكأنهم “استشهاديون” قد أثارت موجة غضب واسعة داخليا وخارجيا لانتهاكها لحقوق الإنسان والمواثيق الدولية الرافضة لاستغلال الطفولة.


نموذج قاتل


ويبدو أن النموذج الفلسطيني المتمثل في حركة حماس -على غرار التنظيمات الإسلامية المتشددة- أكثر وضوحا في مسألة تجنيد الأطفال وتهيئتهم فكرياً وبدنياً حيث يتم ذلك عن طريق المساجد غير المراقبة من طرف السلطات الدينية والرسمية خاصة منذ تأسيس الحركة الإخوانية بفلسطين في أواخر الثمانينات من القرن الماضي.

فحماس تستثمر الطفولة في خلق جيل واسع يكره إسرائيل ويحرض على “الجهاد” ضدها، لكنها في المقابل زرعت أفكاراً متطرفة داخل عقولهم تقاطع المجتمع وتعتبر الخصم الداخلي السياسي “منافقا وكافراً وجب قتله”، وتجسد ذلك جليا في اقتتال منتصف يونيو 2007 مع حركة فتح بقطاع غزة.

والباحث في جماعة حماس يجد أنها تمتلك جيشا من الأطفال مهيأ اجتماعيا وفكريا وثقافيا لنشر العنف والتحريض والكراهية بعد سنوات من “التلقين والتعبئة” القائمة على غرس آيات وأحاديث تحث على “قتال الكفار والمشركين والجهاد” دون وضعها في إطارها الزمني والمكاني ودون التطرق إلى القيم الأساسية السمحة للدين الإسلامي الذي يدعو إلى نشر قيم التعايش السلمي والتسامح بين مختلف الأديان.

وستساهم عملية استغلال الأطفال وتجنيدهم عسكريا وفكريا وتعبئتهم دينيا على أساس طائفي وعنصري في ولادة جيل لا يؤمن بقيم التعايش وسيضع المجتمع أمام عوائق ستحول دون تقدمه فكريا واجتماعيا واقتصاديا وستؤثر على تماسكه.

لا شك في أن هناك محاولات عربية حثيثة في أكثر من بلد خاصة في بلدان ما يعرف بالربيع العربي لمراقبة المساجد الخارجة على سيطرة الدولة تهدف بالأساس إلى وقف عمليات تفريخ أجيال وشرائح واسعة من “الأطفال الإرهابيين” في المستقبل.

13