تجنيس الأدب رهان خطر وسير في أرض مجهولة

يوصف النص الأدبي أحيانا بأنه لا يحتاج إلى هوية جنسية تحدّده، أو تقيّده في إطار بعينه، وأنّ ما اصطلح على اختياره كأجناس إنّما يأتي من باب التصنيف الذي ينطلق بدوره من غايات وتفاصيل تدخل الأدب في خانة بعينها، وتقيّد مرونته وحرّيته وحركيّته كعابر للأجناس الأدبيّة المتعارف عليها من شعر ومسرح ورواية وغيرها.
السبت 2016/09/10
التجنيس والتصنيف

يذكر الفرنسي إيف ستالوني في كتابه “الأجناس الأدبية” أنه إن كان كلّ واحد يسلّم بأهمية مفهوم الجنس ومنفعته فلا بدّ من الإقرار بأنّ ذلك المفهوم قد تغير على مر العصور، وأنّ مساعي الوصف والحد لم تنته دائما إلى تعاريف واضحة. ويشير إلى أنّ الغرض من كتابه يكمن في النظرة المزدوجة التي تقترحها تلك الملاحظة، فهو مندمج في تيار إعادة الاعتبار الحالية للمقاربة الخطابية للأدب، وأنه يود غربلة ما يسميه بالوفرة من الأعمال التي حث عليها مفهوم الجنس، لاستخلاص بضعة تعاريف وبضع أدوات من شأنها أن تساعد الطالب وتهديه في اشتغاله على النصوص.

يعتقد الباحث أن النظر إلى الجنس كالنظر في النقد أو في التاريخ الأدبي مثلا، لا ينبغي له الإخلال بواجبه الأول المتمثل في التمكين من قراءة أجود وفهم أفضل للنصوص. ويجد أنه بإحكام المفاهيم التقنية تتيسر المبادرة النقدية، ومؤداها الانتقال من شكل إلى معنى لتعرف التحفة الأدبية وتذوقها. ويرى أن الرهان خطر، لأن الأدب هو الذي ينبسط برمته انطلاقا من مفهوم الجنس.

مجالات ومعايير

في حديثه عن مفهوم الجنس الأدبي يصرح ستالوني بأنه ليس من اليسير التعيين الدقيق لأصول التقسيم والتصنيف التقليدي للأجناس الأدبية ولا لمداها ودلالتها وحدودها، ويذكر أن مفهوم الجنس عنصر أساس في الوصف الأدبي، ويثير من المسائل النظرية ما يكفي للحث، قبل وصف الأصناف المندرجة في إطاره، على تعريف معناه، وحدّ حقله الإجرائي وإبراز مصاعبه.

يقصد بلفظ الجنس الأصل، أو تحديد النوع المراد تقديمه ودراسته، ويبرز الاختلافات اللغوية بين الجنس والنوع، كأن يشير إلى أن الجنس في المفهوم أصغر من النوع، والجنس يصدق على أنواع عدة، ويحتوي النوع على صفات الجنس. وبالقياس إلى الفنون الأخرى كالرسم والسينما يعتبر أنّ الأدب طاوع الرغبة في التصنيف فاجتهد في ترتيب الأعمال والمواضيع بناء على معايير خاصة، أسلوبية كانت أم خطابية أم موضوعاتية أم غير ذلك.

المنظرون يسعون إلى تنظيم الإنتاجات الأدبية، وكثيرا ما يواجههم المبدعون بإنكار وكبرياء

يتناول التصنيف انطلاقا من دراسة ثلاث أفكار متعلقة بالمفهوم، فكرة المعيار، وفكرة العدد، وفكرة الترتيب، ويعترف بصعوبة التوصل إلى تحديد تعريف دقيق للجنس في الأدب. ويستشهد برأي لناقد ألماني، هو كارل فياتور، يوصي بضرورة الحذر الشديد من أمور الاصطلاح، ويقول إنه لم يتم استعمال مفهوم الجنس من الوحدة بما ينبغي لكي يحصل التقدم في هذا الميدان الصعب. ويشير إلى الحديث عن الملحمة والشعر الغنائي والمسرح بصفتها الأجناس الثلاثة الكبرى، وفي الوقت نفسه تسمّى القصة القصيرة والملهاة والأنشودة أجناسا أيضا، فيكون على مفهوم واحد أن يشتمل على ضربين من أشياء مختلفة.

يعبر ستالوني عن توافقه مع الناقد ميشال ريفاتير واقتناعه بتعريفه المختصر الجامع للجنس الأدبي واعتباره أنه هو البنية وأنّ الأعمال تقليباتها. وتراه ينتقل للحديث عن إرادة الإنسان في تصنيف حقل المعرفة الذي لا حدود له، وبنائه وتعريفه، وتطبيق تلك الإرادة على الإنتاج الأدبي. ويشير إلى اختيار منظري الأدب إقامة علاقة بين الأعمال وتسمية الأصناف الناتجة عن ذلك بأسماء خاصة، ووضع أسس ما عرف بالشعريات، بالمعنى الذي عرفه فاليري، وهو يشير إلى كل ما له صلة بالإبداع أو التأليف لأعمال لغتها هي الجوهر والوسيلة في الوقت نفسه. وتراه يعود إلى تقسيم أرسطو، وما تلاه من تصنيف بالاتكاء عليه، وتمييز ثلاثية: فن المحاكاة، فن الحكاية، الفن المختلط، ويسترسل في إيراد آراء لأدباء قدماء ومحدثين لمقاربة التصنيف والتعريف والاجتهاد في التوصيف والتحليل.

أنماط الخطاب

يعتمد على أربعة معايير لتوصيف المسرح كجنس أدبي، وهي: فعل القول، العلاقة بالزمان، اللغة المسرحية، الشخصية. يورد البعض من التعريفات للمسرح والمسرحية، منها مثلا في سؤاله عن المسرحية يقول إنها هي المسرح من دون النص، هي كثافة من الدلائل والأحاسيس تتشيد على الخشبة انطلاقا من الموجز المكتوب. ويفصل في الحديث عن جانب المأساة والملهاة فيها.

الرواية ليست جنسا أدبيا حسب ستالوني

يركز الباحث في فصل الرواية والجنس الحكائي على مقاربة أرسطو لفعل الحكي، والفرق الموجود من جهة الصيغة، ويعني المستويين العالي والسافل، ورفق في فعل القول، لأن الحكي قد يأتي على ضمير الغائب أو على ضمير المتكلم. ويتحدث عن الملحمة التي فصل أرسطو في شرحها ومقاربتها وما تشتمل عليه من أصوات ومستويات. يشرح الحكاية وبنيتها وعلاقاتها المتداخلة في ما بينها، وكيف أنها أولا قول حكائي، أي نمط من أنماط الخطاب، ثم سلسلة من الحوادث، واقعية أو متخيلة، وبعد ذلك هي فعل، هناك حاك يحكي حادثا أو أكثر، وكيف أنها تشتمل أيضا على سمات منها أنها قصة وشكل ومعنى.

ينطلق في التذكير ببعض جماليات الرواية، ويلفت إلى استبعاد القيمة الخلقية أو الصفة النفعية في الرواية، لأنه يعتبرهما معيارين لا يجديان شيئا في الوصف الجمالي، ليسلم بأن الرواية تتعرف بخمسة أمور هي: كتابة نثرية، مكان التخييل، وهم الواقعية، إدراج شخصيات، والوصف.

يصرح ستالوني بأن في أمر الرواية حرجا وضيقا من جهتين، الأولى أنها طفيلية، لأن منزلها بين أنماط الأجناس لم يكن معترفا لها به في الأصل ولم تتولّها هي إلا بالاستفادة من نسب معقد من مواريث ليست دوما شرعية، بحسب وصفه. والثانية أنها قريبة مكتسحة، لأنها صارت في زمرة الأجناس الأدبية، بعد أن دخلتها عنوة، هي الجنس المهيمن المسيطر الذي يسحق غيره كما وكيفا. كما يذكر بأنواع الرواية ومنها الرواية البطولية، الهزلية، رواية الشطارة، الرواية التراسلية، رواية التنشئة أو التربية، الرواية التاريخية وغيرها من الأنواع.

يتحدث ستالوني عن فكرة انصهار الأجناس واختلاطها، وعن مشروع زعزعة بناء الأجناس الأدبية الذي اتخذ سبيلين متضادين: الإفراط والتفريط. ويلفت إلى أن كل عصر من شأنه أن يكون قادرا على اختراع أجناس جديدة موافقة لحساسيته ولما يجري في الوقت، محبطا بذلك كلّ تصنيف نهائي. وينقل ما يقوله جيرار جينيت في هذا الصدد عند حديثه عن “الأجناس الجامعة”، “ليس في وسع أي جنس جامع أن ينفلت من التاريخية ويحافظ أيضا على تعريف جنسي”.

يستشهد كذلك بمقولة لإدمون جابيس عن أمنيته في انعدام القابلية الجنسية والتصنيف، وحلمه بعمل لا يدخل في أي صنف، لا ينتسب إلى أي جنس، بل يضمها كلها، عمل يكون من الصعب تعريفه إلا أن انعدام التعريف ليكون هو ما به يتعرّف. ويستشهد أيضا بمقولة لتزفيتان تودوروف عن أن الجنس يعتبر نقطة التقاء الشعريات العامة وتاريخ الأدب وحوادثه، وهو بصفته تلك شيء متميز تميزا قد يحصل له الشرف بأن يصير أهم شخصيات الدراسات الأدبية.

17