تحالف‭ ‬اليسار‭ ‬والإسلاميين‭ ‬في‭ ‬العالم‭ ‬العربي

الأحد 2017/06/11
تصدّع‭ ‬ثنائية‭ ‬اليمين‭ ‬واليسار (لوحة: محمد ظاظا)

ثمة عبارة تقول “قلوبنا مع اليسار وجيوبنا مع اليمين” وهي تشير إلى التيارات التي تدافع عن العلمانية والحقوق الفردية (التي يدافع عنها اليسار تقليدياً)، لكن في الوقت ذاته تصطف تلك التيارات مع اليمين في المجال الاقتصادي. وتكاد العبارة تنطبق اليوم على معظم التيارات السياسية والأيديولوجية في العالم، في حين يُفترض أن اليسار واليمين على طرفي نقيض في السياسة والاقتصاد.

ففي أوروبا، مثلاً، تحوّل حزب العمال البريطاني (الذي يُفترض أنه حزب يساري لأنه يمثّل العمال) إلى حزب يميني في سياسته الخارجية، وربما في كثير من مرافق السياسية الداخلية، ولولا أنه خصم تقليدي لحزب المحافظين اليميني لما تردّد زعيمه في قبول وصف “يميني” أو “يساري محافظ”، كما يقول محمد عابد الجابري (أنظر: أبوبكر العيادي، “أمراض اليسار: العودة إلى حظيرة الطوباوية”، مجلة الجديد، العدد 26، مارس 2017).

وعلى صعيد آخر يتخذ كل من زعيمة حزب الجبهة الوطنية اليميني المتطرف (الشعبوي) مارين لوبان، وزعيم حزب اليسار الجذري (حركة فرنسا المتمردة) جون لوك ميلونشون مواقف متشابهة، أو متقاربة في السياسة الخارجية (إعجابهما بالرئيس الروسي بوتين مثلاً)، ويتحدثان باسم الشعب ويدّعيان تمثيله، ويدعوان إلى الثورة على المنظومة السائدة، والتنديد بالنخبة دفاعاً عن الشعب، وينظران إلى الاتحاد الأوروبي بوصفه كياناً سلب فرنسا صلاحياتها السيادية، ويجب إعادة صياغة هيكلته على أسس تضمن احترام أصوات الشعوب.

وفي الولايات المتحدة الأميركية لا توجد اختلافات جوهرية بين توجهات الحزب الجمهوري الذي يُصنّف في “اليمين”، وتوجهات منافسه الحزب الديمقراطي الذي يصنّف في “اليسار”. إن الاختلافات بينهما، كما يشير برنامجاهما السياسيان تتركّز على قضايا “الإجهاض” و”زواج المثليين” و”الضرائب” و”الرعاية الصحية” و”حيازة الأسلحة النارية”.

يذهب بعض المفكرين إلى القول إن اليسار لم يعد قادراً على الإمساك بمفاصل المجتمع والتأثير على الدينامية الاقتصادية والاجتماعية والثقافية التي أوجدتها العولمة النيوليبرالية، وإن هذا اليسار، الذي مثّل على مدى زمن طويل الفعل والحركة مقابل محافظة الليبراليين وفلسفتهم، بات اليوم متهماً بالتواطؤ مع عالم يتفجر فيه التفاوت ويتعطل الاندماج وتُكرِّس الأنظمة التعليمية إعادة الإنتاج الاجتماعي كما فسّرها بورديو، وتدمّر الرأسمالية الكون بأسره. والسّؤال المطروح هو ما الذي أوهى اليسار إلى هذه الدرجة من الهوان حتى صار عاجزاً عن الفعل في العالم؟ ما هي العوائق التي حالت دون احتوائه غضب جماهير ضاقت ذرعا بمساوئ العولمة في شتى الأصقاع ليقترح الحلول المناسبة؟

في عالمنا العربي بدأت تتصدّع، خلال السنوات الأخيرة، ثنائية اليسار واليمين بتحالفات بين الأحزاب والتنظيمات اليسارية والأحزاب والحركات اليمينية المتمثلة بالإسلام السياسي، وهي تحالفات قائمة على المصالح

يعتقد بعض المفكرين، مثل جان كلود ميشيا، أن هذا العجز يتجلّى في تخلّي اليسار عن تغيير العالم عن طريق تحالفه مع الليبرالية الاقتصادية والثقافية على حساب أولوية الدفاع عن الذين يعيشون ويعملون في ظروف تزداد تهميشاً وهشاشةً يوماً بعد يوم .فيما يرى بعض التقدميين الليبراليين، مثل نيكولا بوزو، أن العجز مرده إلى تشبث اليسار بمقاربة عفا عليها الزمن، مقاربة تقوم على اشتراكية الدولة ودولة العناية والرفاه .

والثّابت اليوم أن الرأيين يلتقيان في تشخيص أعراض الأدواء التي يعاني منها اليسار، فهي، وإن تعددت صيغها، لا تنأى عن الخيانة والتآكل، تحوم في معظمها بين التنكّر للأصول وبين “برمجية” ما عادت تستجيب للمستجدات التي أفرزتها العولمة والتطورات العميقة التي أحدثتها (أنظر: حفيظ الزهري، “تحالف الإسلاميين واليساريين: الماضي والمستقبل” موقع “لكم” الإلكتروني:http://www.lakome2.com 30/4/ 2016).

في عالمنا العربي بدأت تتصدّع، خلال السنوات الأخيرة، ثنائية اليسار واليمين بتحالفات بين الأحزاب والتنظيمات اليسارية والأحزاب والحركات اليمينية المتمثلة بالإسلام السياسي، وهي تحالفات قائمة على المصالح، متجاهلةً التنازلات عن المبادئ والأيديولوجيا، كما حدث في العراق حين تحالفت قيادة الحزب الشيوعي مع الإسلاميين، موقعةً نفسها في براثن الوصولية ومستنقع الانتهازية والفئوية والنعرات الطائفية لإسقاط النظام السابق، استعانةً بالولايات المتحدة وحلفائها الغربيين، في حين أن أميركا هي دولة إمبريالية في أدبيات الحزب الشيوعي، والإسلاميون هم تيار ثيوقراطي رجعي يرفض العلمانية ولا يؤمن بحاكمية الشعب.

لقد فعلت قيادة الحزب الشيوعي العراقي ذلك، وظلت حتى الآن تبحث لها عن قدم في العملية السياسية المحاصصاتية الفاسدة دون جدوى، ولم تأخذ عبرةً من التجربة القاسية لحزب “توده” الإيراني الذي ساند الثورة الخمينية الإسلامية عام 1979 حتى جاءت نتائجها مؤسفةً حينما غدر نظام الملالي وولاية الفقيه بقيادات الحزب وكوادره بإعدامهم واحداً تلو الآخر. والغريب ما كتبه كاتب عراقي، يعدّ نفسه يسارياً، قائلاً “إن الأهداف الوطنية المشتركة بين الإسلاميين والشيوعيين تكفي لتكون أساساً لأيّ تحالف غايته بناء الدولة العراقية الحرة والشعب السعيد، وتوفير الحماية اللازمة للعملية السياسية الجارية في العراق الجديد” (أنظر: حازم صاغية “سوريّة وثنائيّة “اليسار” و”اليمين”، جريدة الحياة، الثلاثاء، 14/2/2017).

هذا اليسار، الذي مثل على مدى زمن طويل الفعل والحركة مقابل محافظة الليبراليين وفلسفتهم، بات اليوم متهماً بالتواطؤ مع عالم يتفجر فيه التفاوت ويتعطل الاندماج

في السياق ذاته، تمكن الإشارة إلى موقف الأمين الأول للحزب الشيوعي السوري (الموحد) حنين نمر، الذي حابى النظام السوري الدكتاتوري بتقديم الذرائع التسويفية والمسوّغات التضليلية للمذابح البشعة التي يرتكبها بشار الأسد بحق الشعب السوري، وبغضه الطرف عن التحالف الاستراتيجي ثلاثي الأضلاع بين ذلك النظام والنظام الإيراني وحزب الله اللبناني، بل تعاطفه المطلق مع أهداف هذا التحالف المبني على توافق طائفي، رغم أن النظام الإيراني وحزب الله إسلاميان ثيوقراطيان، بينما يدّعي النظام السوري أنه نظام قومي يساري علماني!

وفي المشهد السياسي المغربي تمكن الإشارة إلى تحالف اليسار الراديكالي مع جماعة العدل والإحسان، الذين أسسوا حركة 20 فبراير، لكن الحركة سرعان ما فشلت بسبب صعوبة تحقيق التوافق بين طرفيها المتناقضين، نظراً للتاريخ الدموي بينهما. وأيضاً إلى تحالف حزب التقدم والاشتراكية ذي التوجه اليساري وحزب العدالة والتنمية ذي التوجه الإسلاموي. وهو تحالف يحيل إلى تجربتي تونس ومصر المتمثلتين في تحالف الإسلاميين واليسار لإسقاط نظامي بن علي ومبارك. وقد انتهى هذا التحالف بمجرد سقوط ذينك النظامين لتنطلق بعد ذلك مرحلة الصراع والتدافع حول المصلحة الخاصة لكل طرف.

وإذا ما عدنا إلى الحالة الشاذة في العراق، فسنجد أن الطبقات الاجتماعية التي كان يُنظر إليها، من طرف اليسار، على أنها البديل التاريخي للقبيلة، ومن ثم للقومية وللطائفة، قد هزمتها الطائفة والقبيلة. وفي العالم العربي، عامةً، صار الدين، حسب تعبير الجابري، ملاذاً وشعاراً للقوى التي تُصنّف موضوعياً ضمن اليسار.

نخلص من ذلك إلى أن ثنائية اليسار واليمين، بعد انهيار المعسكر الشيوعي في أوروبا الشرقية، لم تعد تقبض على الواقع الكوني، كما كفّت، في استغراقها القومي، عن توفير “برنامج” شامل للإنسانيّة. وثمة ثنائية أخرى، في أغلب الظن، تتقدم اليوم للحلول محل تلك القديمة. إنها ثنائية الديمقراطية والشعبوية، أي اللعب في الوسط والشد يميناً أو يساراً داخل هذا الوسط، مقابل اللعب في الأطراف ومحاولة الانقضاض منها على الوسط، وتالياً على المجتمع في عمومه. وإذا كانت كل منهما، الديمقراطية والشعبوية، تتسع ليسار (ديمقراطي أو شعبوي) كما تتّسع ليمين (ديمقراطي أو شعبوي)، فإن تصور السياسة يقع في القلب من سجالهما: في الديمقراطية تحتل المؤسسات والتسويات موقعاً مركزياً هو نفسه الذي تحتله، في الشعبوية، مفاهيم الصراع والعداوة والقومية.

كاتب من العراق

ينشر الملف بالتعاون مع "الجديد" الشهرية الثقافية اللندنية

13