تحالف إقليمي هش لمواجهة داعش

السبت 2015/08/01

كثر الحديث في الفترة الماضية عن “تحالف إقليمي لمواجهة الإرهاب”، وكانت روسيا هي أول مـن طرح ذلك عندما استقدمت وزير الخارجية السوري وليد المعلم لمناقشته معه، أو ربما لإملائه على نظامه. ذلك أن المخطط الروسي يقترح، كما تشير التسريبات، أن على النظام السوري أن يقبل بدور واضح ومباشر لدول إقليمية يصنفها في خانة العدو، وبشكل خاص السعودية وتركيا، وربما قطر.

يبدو الحماس الذي تبديه روسيا تجاه فكرة التحالف الإقليمي مدفوعا بإغراء أن تقبل تلك الدول، بدورها، فكرة العمل جنبا إلى جنب مع نظام الأسد وإيران. إذ كانت الولايات المتحدة والدول الإقليمية الداعمة للمعارضة السورية ترفض، بشكل قاطع، قبول دور إيراني في حل المسألة السورية، فضلا عن قبول دور للأسد. غير أن لروسيا أسبابها لكي تراهن على تغير ما في الموقف من إيران والأسد.

من المقرر أن يلتقي وزيرا خارجية كل من أميركا وروسيا، جون كيري وسيرجي لافروف، قريبا في قطر لكي يناقشا الدور الذي سوف تلعبه إيران في المعركة ضد داعش كما صرح كيري، كما سيناقش الاجتماع أفكارا جديدة بما يخص الصراع في سوريا. من المهم مراقبة سير ذلك الاجتماع الذي قد يكشف الستار عن رغبة أميركية في اختبار مقاربة جديدة للتعامل مع داعش والحرب في سوريا.

بالنسبة إلى روسيا، تبدو الرغبة أبسط من ذلك بكثير، وقد تقتصر على خلق نقاط توافق ومن ثم خارطة عمل مشتركة تجمع النظام السوري بقيادة الأسد مع دول إقليمية تعترض بشدة على وجود الأسد وخصوصا السعودية وتركيا. أما فعالية ونتائج ذلك التحالف فليست شأنا يؤرق روسيا، إذ لا يعتبر تنظيم الدولة الإسلامية العدو الأبرز لحلفائها، أي إيران والأسد والحكومة العراقية.

ولا يمكن النظر إلى مساعي تشكيل تحالف إقليمي إلا في ضوء التطورات الأخيرة في كل من إيران وتركيا. ففي ما يخص إيـران، يبدو واضحا أن الاتفاق الدولي معها بخصوص ملفها النووي قد فتح الباب واسعا لمشاركتها في المداولات السياسية لقضايا المنطقة والتي كانت ممنوعة عنها. ولا عجب أن تكون الولايات المتحدة الأميركية، عرّابة الاتفاق النووي مع طهران، هي أشد المتحمسين لإشراكها في الحلول العسكرية والسياسية التي يجري رسمها.

التطور الآخر هو دخول تركيا، وبشكل مفاجئ، في خضم الحرب المفتوحة على داعش.

تركيا أعلنت أنها سمحت للولايات المتحدة الأميركية باستخدام قاعدة انجرليك الجوية بعد أن رفضت ذلك بعناد شديد طيلة العام الماضي، وقالت إن الاتفاق مع أميركا يشمل إنشاء منطقة آمنة بطول 60 ميلا على حدودها.

يشير ذلك بشكل واضح إلى تنازل تركيا عن شروطها المسبقة لدخول التحالف ضـد تنظيم الدولة الإسلامية، إذ كانت تشترط أن يكون الهدف المعلن للتحالف الدولي هو القضاء على داعش والأسد في آن واحد. وفي حين لا معلومات كافية عن صحة ما تزعمه تركيا من موافقة واشنطن على إقامة منطقة آمنة، فإن إقامة تلك المنطقة، في حال تمت لاحقا، ستكون بموافقة روسيا وإيـران، وطبعا بمـوافقة النظـام السوري. كما يبدو أنها ستكون “منطقة خالية من تنظيم داعش”، وليست منطقة عازلة أو غير ذلك من التسميات التي تستفز حلفاء الأسد.

بكلمات أخرى، ربما تكون المشاركة التركية في الحرب على داعش بمثابة بداية تجسيد “التحالف الإقليمي” لقتال داعش. ومن المرجح أن تكون روسيا قد أقنعت وليد المعلم في زيارته الأخيرة بقبول الدور التركي الجديد، وربما الدور الأردني في الجنوب في قادم الأيام.

ومع كل تلك التطورات، يبقى من المشكوك فيه أن تؤثر في الواقع الفعلي وفي سير المعارك حتى ضد تنظيم الدولة الإسلامية، وذلك بسبب التضارب الحاد في مصالح اللاعبين الإقليميين المدعوين لتشكيل “تحالف إقليمي”، إذ أن التدخل التركي الجديد ليس مدفوعا أساسا بالخوف من داعش، على ما تدّعي، وإنما بتنامي نفوذ أكراد سوريا على حدودها وخصوصا أنهم يحظون بغطاء جوي دولي لانتزاع أراض متزايدة يقطنها سوريون عرب، ما يشكل تغييرا ديمغرافيا قسريا في المنطقة يحمل تداعيات خطيرة على تركيا.

الأمر الآخر الذي يعبر عن تضارب المصالح يتمثل في أن قتال تنظيم الدولة الإسلامية في ظل تعدد القوى المحلية المتنازعة في كل من سوريا والعراق يضعف من فعالية المعركة ويترك ثغرات كبيرة تنفذ منها داعش إلى مساحات شاسعة تتحرك من خلالها.

التحالف الإقليمي المنتظر لا يحل هذا الإشكال بل يتجاهله. إذ سيجمع بين طرف يريد تغييرا واضحا في المشهد السياسي وفي نفوذ القوى المحلية المسيطرة بما يهيئ المشهد لإنهاء داعش، وطرف يريد الحفاظ على البنيان السياسي – الأمني القائم، بل لا يرى الحرب على داعش إلا من أجل تمتين ذلك البنيان المتداعي.

كاتب فلسطيني سوري

8