تحالف الدين والدولة يريده المتطرفون والمعتدلون على حد سواء في العالم الإسلامي

سيطرة طالبان تسلط الضوء على فشل نموذج الحكم في الدول المسلمة.
الأربعاء 2021/09/08
علاقة وثيقة

يعد استيلاء طالبان على أفغانستان نموذجا للحكم الفاشل في العالم الإسلامي على أساس تحالف عمره قرون بين العلماء المسلمين والدولة والذي يفسر التخلف في العديد من الدول ذات الأغلبية المسلمة والاستبداد في معظمها.

يسلط استحواذ حركة طالبان على الحكم الضوء على نضالات العالم الإسلامي لتحرير نفسه من قيود هي أصل العلل والمتمثلة أساسا في تحالف رجال الدين مع السلطة وهو ما يتناقض مع مبدأ الفصل بين الدين والسياسة.

وقد عبّر هذا النضال عن نفسه خلال العقد الأخير الذي شهد الاحتجاج والمعارضة والتحدي، وغالبا ما كان يلاقي قمعا وحشيا أو إخراج الثورات الشعبية عن مسارها، فضلا عن الهروب المدمر إلى تفسيرات الدين المتشددة والجهادية التي تفشل في إدراك أن وجهة نظرهم الراديكالية ليست سوى البديل الآخر من النموذج الفاشل.

ولا يختلف عنهم المنافسون الآخرون على القوة الناعمة الدينية، باستثناء نهضة العلماء، إحدى أكبر المنظمات الإسلامية في العالم، إن لم تكن أكبر منظمة إسلامية مقرها إندونيسيا، بغض النظر عن توجه رؤيتهم الدينية الأيديولوجية.

الاستثناء نهضة العلماء

وتبقى نهضة العلماء، وهي حركة مجتمع مدني مؤثرة سياسيا، هي اللاعب الوحيد غير الحكومي في ما يرقى إلى معركة من أجل روح الإسلام والتي ستحدد الدرجة التي يدمج فيها الإسلام المعتدل مبادئ التسامح والتعددية والمساواة بين الجنسين والعلمانية والحقوق على النحو المحدد في الإعلان العالمي لحقوق الإنسان.

ونجد من بين المتنافسين الرئيسيين المملكة العربية السعودية وبعض الدول الخليجية والعربية الأخرى، وكلها أطراف مؤيدة للإسلام المعتدل بقيادة الدولة وتنشر الطاعة المطلقة للحاكم. بالإضافة إلى تركيا التي تدفع باتجاه التفسير التركي والقومي للدين الذي تسيطر عليه الدولة، وإيران التي يحكمها رجال الدين.

ويقول الباحث أحمد تي كورو “يعتقد بعض ‘المعتدلين’ أن الإسلام يجب أن تسيطر عليه الدولة… والنتيجة هي تقوية تحالف العلماء والدولة والسلطة. في المقابل يدعي المتطرفون أن الإسلام هو الدين والدولة”.

ويصر المتنافسون، باستثناء نهضة العلماء، على أنه لا توجد حقيقة دينية واحدة فحسب، بل حقيقة سياسية واحدة أيضا. ويقول مسؤولو نهضة العلماء إن الجناح “الروحاني” الأكثر نفوذا في الحركة يرى عكس ذلك تماما على الرغم من تنوع وجهات النظر داخل صفوفها.

وقالت إحدى الشخصيات البارزة في الحركة “يعلّم الجناح الروحاني في نهضة العلماء واجب البحث عن الحقيقة… لا تحاول فرض رأيك وما يسمى بإدراكك على البشر الآخرين. لا يعرف أحد ما إذا كنت على صواب أم أنك مخطئ… ويسعى العلماء الروحيون جاهدين لمعرفة الحقيقة بدلا من إعلان الحقيقة”.

وليست أفغانستان التي تحكمها طالبان منافسا رئيسيا في المعركة من أجل روح الإسلام، ولكنها تعيد إحياء تمسك البلاد بالنموذج الذي طرحه كورو. وللمتنافسين في الشرق الأوسط أكثر من مجرد الاشتراك في تحالف العلماء والدولة، حيث يشترك البعض أيضا في موقف تعسفي تجاه قدسية الملكية الخاصة.

الحل في استبدال تحالف العلماء والدولة بأنظمة منفتحة وكفؤة وتنافسية حيث تكون الطبقات السياسية والدينية والفكرية والاقتصادية قادرة على العمل بشكل مستقل

وقد صادرت السلطات في المملكة العربية السعودية ومصر وتركيا في السنوات الأخيرة حوالي 135 مليار دولار من الأصول والأموال كجزء من عمليات الاستيلاء على السلطة وقمع المعارضين السياسيين التي بدت تعسفية وغير نابعة عن إجراءات موثوقة من الناحية القانونية.

وألقت المصادرات بظلالها على جهود الإصلاح الاقتصادي، وعرقلت التنمية الاقتصادية غير المقيدة، وأحبطت الابتكار في زمن قد تتضاءل فيه قدرة منتجي النفط على الاستمرار في الاعتماد على عائدات التصدير.

وفي دراسة صدرت مؤخرا، دعا كورو إلى استبدال تحالف العلماء والدولة بـ”أنظمة منفتحة وكفؤة وتنافسية حيث تكون الطبقات السياسية والدينية والفكرية والاقتصادية قادرة على العمل بشكل مستقل، ولا يكون أي منها قادرا على السيطرة. ويتطلب مثل هذا الإصلاح توسيع نطاق حرية الفكر، بإلغاء قوانين الردة والكفر، وحماية أعمق للممتلكات الخاصة من خلال منع استيلاء الدولة عليها. كما يستلزم الإصلاح إضفاء الطابع المؤسسي على الفصل بين الدين والدولة”.

وعلى عكس الصين، التي شهدت نموا اقتصاديا هائلا بقيادة نظام استبدادي، دأب الحكام المستبدون والسلطويون المسلمون على استمرار التنمية الاقتصادية المنحازة من خلال الحفاظ على تحالف العلماء والدولة، وإنشاء دول ريعية في البلدان الغنية بالموارد، والفشل في الاستثمار في التعليم والكفاءة البيروقراطية.

وقد يشكل تغيير النموذج تحديا من المرجح أن يقبله عدد قليل من الحكام المسلمين. وفي إشارة متفائلة، جادل كورو بأن حقيقة أن الدول الريعية المنتجة للنفط ستحتاج إلى تنويع اقتصاداتها وقد تترك للحكام القليل من الخيارات.

وقال كورو “موّلت الدول الريعية المنتجة للنفط تحالفات العلماء والدولة على مدى العقود الخمسة الماضية. وقد تفقد هذه الإيجارات أهميتها قريبا مع نضوب الاحتياطيات، وارتفاع الاستهلاك المحلي، وابتكار تقنيات الطاقة البديلة”.

وأضاف “ستحتاج العديد من الدول الإسلامية إلى إعادة الهيكلة الاقتصادية والابتكارات للاستعداد لتحديات عصر ما بعد النفط. وللحفاظ على الاستقرار والازدهار على المدى الطويل، تحتاج هذه البلدان إلى بناء أنظمة إنتاجية تشجع ريادة الأعمال. ويتطلب مثل هذا الإصلاح أن يتوقف تحالف العلماء والدولة عن السيطرة على الحياة الاجتماعية والسياسية”.

العبرة من التاريخ

Thumbnail

ويعتقد كورو أن رأيه لا يعد سابقة في التاريخ الإسلامي، مستشهدا بالعصر الذهبي للعالم الإسلامي الذي استمر من القرن الثامن إلى القرن الحادي عشر الذي أنجحته الطبقات الفكرية والتجارية التي تمكنت من دفع التقدم العلمي والاقتصادي لأنها تتمتع “بدرجة معينة من الانفصال” عن حكامها السياسيين.

وتابع “خلال نفس الفترة الزمنية، كانت للمجتمعات الغربية المسيحية خصائص معاكسة تقريبا. كان هناك تحالف قوي بين الكنيسة الكاثوليكية والسلطات الملكية، بينما كانت الأوساط الفلسفية وطبقة التجار إما غير موجودة أو ضعيفة للغاية. وكانت الدول الغربية المسيحية أماكن للعقيدة الدينية وعدم التسامح مقارنة بنظيراتها من المسلمين”.

ثم تبادل العالم الإسلامي والمسيحي الأدوار في القرن الحادي عشر، عندما تحرك العالم الإسلامي نحو تحالف العلماء والدولة والعسكرة بينما قررت أوروبا إضفاء الطابع المؤسسي على الفصل بين الدولة والكنيسة.

وشهدت أوروبا افتتاح الجامعات وظهور دول المدن التجارية بينما شهد العالم الإسلامي ظهور اقتصاد إقطاعي خانق، وأصول الطائفية، وتهميش مالكي الأراضي الخاصة والتجار، وهيمنة التعليم الديني ضيق الأفق.

الحكام المسلمون، فضلا عن الجهاديين والمسلحين، يسيئون تفسير التاريخ الإسلامي بطرق تبرر حكمهم الاستبدادي

ورغم هذا، فقد تطورت جوانب عدة في المجتمع الإسلامي على مر القرون بعد القرن الحادي عشر مع تقدم العالم ونتيجة للتقدم الاجتماعي والاقتصادي والتكنولوجي والسياسي.

وتتمتع جميع البلدان ذات الأغلبية المسلمة اليوم بصفات الدولة الحديثة. وتتبنى الإصلاح الاقتصادي، والتغيير الاجتماعي، والابتكار التكنولوجي بدرجات متفاوتة، دون تغيير سياسي.

وفي القرن التاسع عشر، قلل الإصلاحيون العثمانيون والمصريون من سلطة علماء الدين من خلال استيعاب دورهم بدلا من خلق مساحة لمثقفين وطبقة تجار أكثر استقلالية. وكذلك فعل القادة “العلمانيون” في القرن الماضي الذين اعتبروا المثقفين ورجال الأعمال المستقلين بمثابة تهديدات لقبضتهم على السلطة التي سعوا إلى إضفاء الشرعية عليها بالإسلام.

وأعاد هؤلاء القادة في القرن الماضي إحياء تحالف العلماء في أشكال مختلفة، بما في ذلك إنشاء مؤسسات مثل مديرية الشؤون الدينية في تركيا أو أسلمة الدولة التي تشجعها دول مثل مصر وباكستان.

ويجادل كورو بأن الحكام المسلمين “المعتدلين” الحاليين، فضلا عن الجهاديين والمسلحين، يسيئون تفسير التاريخ الإسلامي بطرق تبرر حكمهم الاستبدادي وتمنحهم مؤيدات في المعركة من أجل روح الإسلام دون استناد إلى البحث التاريخي، حيث يشير عصر الإسلام الذهبي إلى عكس ذلك.

وكان المعيار في ذلك الوقت هو درجة “الفصل بين الكنيسة والدولة”، وليس سيطرة الدولة على الدين التي ينادي بها اليوم معتدلو الدولة والراديكاليون على حد سواء.

13