تحالف الضرورة والمرحلة

الاثنين 2016/04/04

في الخامس عشر من شهر ديسمبر 2015 أُعلن عن تأسيس التحالف الإسلامي العسكري، من 34 ولاحقا 40 دولة عربية وإسلامية بقيادة السعودية لمكافحة الإرهاب بجميع أشكاله ومظاهره، وتجفيف منابعه ومصادر تمويله عبر جهودٍ أمنية وفكرية وإعلامية ومالية.

ومع أنَّ التحالف الإسلامي العسكري تطور مهم يُحسب للقيادة السعودية إنجازه، إلا أنَّه يُعد في الغالب تحالفا فضفاضا، يصعب تحويله – على الأقل في المدى المنظور- إلى أداة ردعٍ لجهة إحداث توازن إقليمي للحد من النفوذ الإيراني والأطماع الدولية المتعاظمة في المنطقة العربية.

والأمر كذلك يهم مجلس التعاون الاستراتيجي السعودي التركي، الذي أُعلن عن تأسيسه قبل نحو أسبوعين، من إعلان التحالف الإسلامي العسكري، فهو، وإن كان إنجازه يُحسب للقيادتين السعودية والتركية، إلا أنَّه لا يزال غير مفعلٍ بالدرجة الكافية والمطلوبة على وقع هواجس سياسية تحول دون ذلك.

لذا، فنحن بحاجةٍ إلى بناء تحالف أصغر، -تحالف الضرورة والمرحلة- تتوفر فيه عناصر القوة والفعالية الممكنة والحاضرة، والأهم هو إدراك مخاطر العبث بأمن المنطقة واستقرارها.

ولتوضيحٍ أكثر تفصيلا، يبدو العرب اليوم بعد نكسات الربيع العربي وخراب سوريا والعراق خاصَّة، أمام صعوبة تشكيل مثلث عربي جديد، على شاكلة المثلث السعودي – المصري – السوري، وحتى الرباعي في مرحلة ما مع العراق في العقود الزمنية الثلاثة الأخيرة من القرن الماضي. وأمام استفحال خطر المشروع الإيراني الطائفي، والتراجع الأميركي المدهش عن الاهتمام بأمن المنطقة والفراغ الذي أحدثه هذا التراجع، واستغله الإيرانيون والروس وميليشياتهم، وكل طامعٍ في المنطقة، وفق قاعدة “الفراغ يُملأ بك أو بغيرك”. ولأنَّ الكثير من الدول العربية إما منعزلة أو غير مستقرة، أو لا يُعتد بها كقوة إقليمية مؤثرة، فإن كل هذه المُتغيرات تدفع باتجاه العمل على بناء مثلث إقليمي أركانه: المنظومة الخليجية بقيادة المملكة، وتركيا، ومصر، بموازاة التحالف الآخر.

صحيحٌ أنَّ العلاقة بين مصر وتركيا، في أسوأ حالاتها وإصلاحها سريعا يحتاج إلى جهودٍ ومبادراتٍ من الأشقاء والأصدقاء، ولكن الأكثر صحة وحقيقة أنّ المخاطر المُحدقة بالمنطقة، وبالدولتين خصوصا تستدعي بالضرورة تجاوز الخلاف السياسي، الذي وإن اتسم بالمرارة واللغة الحادة، يظل في كل الأحوال هامشيا أمام خطر إيران ومشروعها الكارثي في المنطقة بعنوانه الرئيس: ولاية الفقيه وسحق المكون السني.

من المؤكد أنَّ القيادة السعودية قادرة على استثمار علاقتها القوية والمتطورة مع الدولتين لإحداث اختراقٍ يُخفف من درجة الاحتقان في العلاقة المصرية التركية، فالسعودية لديها خبراتٌ متراكمة في إصلاح البيت العربي والإقليمي.

تحالف الضرورة هذا لن تزعجه العلاقة الاقتصادية التركية الإيرانية، إذ رغم التباين السياسي بين الدولتين في القضايا الإقليمية والدولية، خاصَّة في ملف الأزمة السورية ومستقبل بشار الأسد، فالعلاقة الاقتصادية والتجارية قائمة ومُطرِدة تفرضها الواقعية الاقتصادية والمصالح المشتركة، وحتى هواجس التغول الدولي في المنطقة، وتقسيم أو فيدرالية سورية. بل قد يخدم المسار التركي الإيراني، وفي مرحلة ما، مشروع التفاهم مع إيران، ووقف المواجهة يدعم هذا مسار السجال السياسي المتصاعد داخل إيران بين المحافظين والإصلاحيين، وتأثير ذلك المحتمل على علاقة الأخيرة بمحيطها العربي والإقليمي، وخروج المنطقة من ثمَّ من حسابات الحلول الصفرية.

كذلك، من الجيد في هذا التَّحالف المُفترض، أنَّه وإن كان تحالفا سنيا -تركيا دولة علمانية بأغلبية سنية- إلا أنَّ منطلقاته لن تكون طائفية أو توسعية، وإنما يجمعها الأمل والرغبة في استقرار المنطقة، ووقف الفوضى والصراع الذي يضطرم داخل دولها، وبناء وتعزيز الدولة العربية المركزية على قاعدة الوطنية والمساواة.

العرب، والإقليم، توَّاقان اليوم لأن تستعيد مصر عافيتها، ودورها القيادي عربيا، وإقليميا، فمن شأن ذلك ترجيح كفة المشروع المناهض لكل مشاريع الفوضى في المنطقة، بأدواتها الإقليمية والدولية، وهذا الأمر مرهون بإرادة مصرية فاعلة لوقف حالة الاستقطاب السياسي الداخلي، بحوارٍ وطني مصري-مصري لا يُقصي أحدا، وبمواقف مصرية تتماهى أكثر مع خطورة تحديات المنطقة وتتقاطع مع الهواجس السعودية والتركية، وتحديدا، بما يتصل بالملف السوري واليمني، والرئيس عبدالفتاح السيسي قادرٌ بمكانته وشعبيته، على قيادة العمل الوطني المصري في هذا الاتجاه.

من المهم جدا، في هذه المرحلة الصعبة والمفصلية، أن تحضر وبقوة، الإرادة الإقليمية التي تعي مخاطر الفوضى والتشرذم، والحروب الطائفية، والتدخلات الخارجيةٍ، وتعي كذلك مخاطر مشروع سايكس بيكو جديد، يُفتتُ المُفتّت، ويُجزئ المُجزأ. كانت إرهاصاته مع الغزو الأميركي المشؤوم للعراق عام 2003. ومن شأن ذلك الدخول، بقوةٍ، في حسابات القوى الدولية والإقليمية المتورطة في صراع المنطقة والأزمة السورية.

كلمة أخيرة، مع توجه النظام العالمي للتعددية القطبية بصعود الصين وعودة الدب الروسي للمقارعة والمنافسة، يستمر مع الأسف الشديد، النظام العربي في التآكل، والاهتراء والتفتت، ويستمر الانهيار في قواعد وبُنى الدولة العربية المركزية، فهل من إرادة عربية وتركية لوقف تقسيم آخر، قد نترحم فيه على سايكس بيكو 1916؟

كاتب سعودي

6