تحالف المال والإعلام والدين لمصادرة الأرض والسلطة

"البداية" فيلم مصري للمخرج صلاح أبوسيف تتأكد صلوحيته بعد عقود من إنتاجه ويتطرق لصراع الحكم الأوتوقراطي والديمقراطية الحالمة.
السبت 2018/09/15
صراع الحاكم والمثقف

أصبح فيلم “البداية” لرائد الواقعية المصرية المخرج الراحل صلاح أبوسيف، ضن قائمة الأفلام التي تكرر الفضائيات عرضها مؤخرا، بعد نحو 32 عامًا من إنتاجه وعرضه، ليجد العمل السينمائي الذي ظل مغضوبا عليه، لسخريته السياسية الشديدة وتركيزه على فكرة استغلال الحكومات للشعوب، طريقه للعرض بكثافة على بعض الفضائيات، ولا أحد يعلم هل هو إسقاط على الواقع الحالي أم اشتياق للأفلام السياسية؟  ويعتبر فيلم “البداية” الذي كتب قصته وأخرجه صلاح أبوسيف، أثرا من النوع السياسي بامتياز، وضع في قالب فني من الكوميديا السوداء، ورسائله صالحة لكل العصور، لأنه ينطلق من ظاهرة استغلال ثالوث الدين والإعلام والمال، الذي يتضافر مع الجهل،  بغاية استغلال البسطاء والقفز على إرادتهم وقوتهم ومصائرهم، ليفور للبعض من النقاد وجاهة المقارنة  بين شخصياته وبين نظائرها على أرض الواقع في أي مكان وفي أي عصر. عرض فيلم البداية على الفضائيات المتخصصة في الأفلام السينمائية جاء بعد طلبات تلقاها المسؤولون على مواقع التواصل الاجتماعي، لكن البعض تخوف من المضمون السياسي للفيلم، والبعض قبل أن يخوض المخاطرة، استنادا إلى عدم وجود قرار رسمي بمنعه، ساعين لنيل شعبية في ظل منافسة لا يمكنها تجاهل رغبات الجمهور، وإلا سيجد ضالته بسهولة في موقع يوتيوب. ربما يكون الطلب على فيلم “البداية”، الذي تم إنتاجه في العام 1986، منطلقًا من الرغبة في تفريغ شحنات من الغضب النفسي، فالسخرية الشديدة الشبيهة تماماً بالكاريكاتير والمرتبطة بالواقع المعاش تقلل الاحتقان، وقد تخلق مفعولا شبيها بالمسكنات لمن يعانون من الضغوط الحياتية المتزايدة.

ينطلق الفيلم من طائرة مسافرة لوجهة غير معروفة تسقط في الصحراء، ليجد ركابها الذين يمثلون معظم شرائح المجتمع المصري، من رجل أعمال نهم، وفلاح يجيد حرفته، وعامل قوي البنية، وفنان تشكيلي، وعالمة كيمياء، وبطل صغير السن في السباحة، وصحافية طموحة، وراقصة متقلبة، علاوة على القبطان ومساعديه ومضيفة، مأوى وحيدا في واحة مهجورة تضم مقومات الحياة البدائية، من بئر مياه وأشجار مثمرة للنخيل.

سياسة وسط الطبيعة

يجد المشاهد نفسه للوهلة الأولى أمام فيلم تقليدي عن قصة حب تنشأ وسط الطبيعة والهدوء، وتعاون بين السكان لتذليل صعوبات العيش حتى وصول الإنقاذ، لكن العمل انتقل إلى معان أعمق تتعلق بالتعطش الدفين للسلطة واستغلال الحكومات لخيرات الشعوب، وعرض لجوهر المعاناة لدى الطبقات المظلومة في المجتمع.

بلعبة إلقاء العملة بالهواء والاختيار بين الصورة أو الكتابة، يربح “نبيه بك”، وقام بدوره الفنان جميل راتب، أرض الواحة، ثم ينقل اللعبة إلى العالم الحقيقي باعتبار أن كل ما عليها من ماء وهواء وأشجار وتراب ملكه وحده، مستغلا أنه الوحيد الذي يمتلك قوة السلاح، ويصل بدهائه إلى تسخير باقي السكان لخدمته لبناء منزل ومرحاض خاصين، مقابل يومية لا تتجاوز ثماني تمرات.

تقوم عقدة “البداية” على الصراع بين الحكم الأوتوقراطي لرجل الأعمال النهم “نبيه بك”، والديمقراطية الحالمة بحكم الشعب نفسه بنفسه مجسدة في التشكيلي “عادل” ولعب دوره الفنان الراحل أحمد زكي، وبينهما باقي السكان أو أطياف الشعب الذين يتدرجون في مستوى التعليم والثقافة والوسط الاجتماعي.

يحمل الفيلم هجوما عنيفا مبطنا على استغلال رجال الأعمال الذين برزوا منذ عهد الرئيس المصري الراحل أنور السادات الذي خفف هيمنة الدولة على الاقتصاد وشجع الانفتاح والاستيراد لتولد طبقة عليا ثرية تتسيد المجتمع، وتنتقم من باقي الطبقات، بعد محاولته لإلغاء الدعم لتندلع مظاهرات عنيفة في يناير 1977 عرفت بـ”انتفاضة الخبز” وسمتها السلطة “انتفاضة اللصوص”.

لفكرة السفر ذاتها رمزية في “البداية”، فمع اكتشاف النفط في دول الخليج العربي والعراق بدأ المصريون موجة نزوح ليهاجر نحو ثلاثة ملايين، من عمال بناء وحرفيين ومزارعين ومدرسين ما بين عامي 1974 و1985، وتسمح تحويلاتهم المالية للداخل بشراء الماركات العالمية من الأثاث والأجهزة الكهربائية وتنتشر في بيوتهم التي ظلت لا يطرقها سوى إنتاج شركة النصر الحكومية، ليحلم ملايين آخرون بالسفر والوصول لجنة الرفاهية.

نجح رجل الأعمال في تحويل التمر، إلى عملة تمكنه من استغلال الجميع في خدمته، بدءًا من الفلاح “سليم سالم” أو الفنان حمدي أحمد، الذي كانت مهمته صعود أشجار النخيل لقطف ثمراتها، وصالح العامل القوي الذي لعب دوره صبري عبدالمنعم، الذي تم تعيينه حكمدارًا للأمن.

يمضي الفيلم متطرقا للعلاقة بين السلطة الحاكمة والإعلام ممثلا في الصحافية “شهيرة” التي لعبت دورها الفنانة صفية العمري، التي تولت إصدار مجلة حائط، وكانت شديدة الصلة بالحاكم وتنفذ أجندته بالترويج لوعود الواحة بتحويلها لمنطقة سياحية واعدة، وكانت صاحبة فكرة تسمية الواحة باسم حاكمها “نبيهاليا”، نسبة إلى نبيه.

آمن صناع الفيلم بأن السياسة هي صناعة الدهاء والتغيير يتطلب صبرا على الهزيمة والمثابرة وإعادة المحاولة
آمن صناع الفيلم بأن السياسة هي صناعة الدهاء والتغيير يتطلب صبرا على الهزيمة والمثابرة وإعادة المحاولة

خلت مجلة “الواحة” من الدفاع عن مصالح المواطنين، إلا في نطاق أدوارهم لخدمة مصالح نبيه بك، وحتى الفلاح صاحب الفضل في إطعام الجميع، لم يتم ذكره في خبر واحد ليعلق على تجاهله بالقول “أنا الوحيد الذي وقع من قعر القفة”.

في واحة لا توجد فيها وسيلة لقتل الوقت، كان لا بد من وسيلة للترويح عن مالكها، ليتطوع الجميع بسلسلة عروض فنية ونشرة إخبارية تلقى من خلف باب سيارة قديمة يشبه شاشة التلفاز، شارك فيها جميع المواطنين، تسخر من نمطية أخبار الواقع الحقيقي وتعكسها بصورة مصغرة على مجتمع لا يتعدى عدد أفراده 12 شخصًا، تعلقت جميع أخبارها بتصريحات “نبيه بك” ومشروعه الجديد بإنتاج “خمر التمر”.

مثل مطالبة الحكومات في حالات التقشف أو السعي لتغيير نمط الاقتصاد بشد الحزام، رفض “نبيه بك” توفير الثمرات الثمانية للسكان بعد انتهاء عملهم في جمع التمر وتخزينه بمنزله، بقوله إن “كثرة الطعام تضر، الأكل يسبب التخمة.. جوعوا تصحوا”، في رسم كاريكاتيري شديد السخرية والإسقاط.

وعود “نبيه بك” بتحويل الواحة إلى جنة سياحية بمياه كبريتية لم تخرج عن الوعود وكانت حبرا على ورق، وقبض الثمن باعتباره واضعا يده على الأرض، مع عبارة قالتها الصحافية ذات مغزى عن تدخل الحكومة، إنها عندما تتحرك سيكون قد أنهى البناء وأقصى ما يمكن أن يفعله القانون هو “بقاء الوضع على ما هو عليه”، في هجوم مبطن على البيروقراطية التي تضع حقوق المواطن والدول على حد سواء.

كان الاستغلال هو الدستور القائم بين “نبيه بك” وكل القاطنين في واحته، فالطفل الصغير (الذي لعب دوره وسام حمدي) تم تسخيره بعد فشله في حمل التمر لصغر سنه للتهوية على رأس نبيه بك بمروحة تقليدية لتلطيف الجو للحصول على حصة كباقي السكان، العلاقة كانت مفادها “أن كل شيء له مقابل”، ولا حكومة ترعى الشعب لمصلحته دون أن تكون مصلحتها هي الأهم.

حتى الراقصة “عدولة” (التي أدت دورها الفنانة الراحلة سعاد نصر) التي أصيبت في قدمها في حادثة سقوط الطائرة رفض منحها ثمرات لعدم عملها، إلا بعد اكتشاف بيض طازج خبأه الفلاح في الرمل لتقوم بدور الدجاجة التي تحتضنه حتى يفرخ أو يفقس، في رسالة مفادها قبول الإنسان لانتهاك حياته لمجرد الاحتفاظ بما يعينه على الحياة.

استغلال الدين

الفيلم الذي حصل على جوائز عديدة، لم ينس الولوج لمعركة توظيف خلطة الدين مع الجهل للوصول إلى مشروعية الحكم والسيادة في حوار بين “نبيه بك” والفلاح الساذج يخبره فيه بأن الواحة منحة من الله له، واعتباره رفض تلك الأطروحة اعتراض على حكم الله، ليسلم الأخير رافعا الراية البيضاء.

الأمر ذاته تكرر مع العامل محدود الثقافة الذي حاول الحصول على التمر من شجرة قصيرة وخاطبه “نبيه بك” مختبئاً ومغيرًا صوته برسالة تبدو كما لو كانت سماوية بأن الله يرى سرقته واعتداءه على حقوق الغير دون استئذان، ليلقي ما بين يديه من ثمرات ويعلن التوبة ويصبح بعدها تابعا يعيش في جحر صغير أمام بيت “نبيه بك”.

لم يكتف المخرج أبوسيف بذلك، بل جعل الرسالة أكثر مباشراتية بالجمع بين العامل والفلاح ورجل الأعمال في مشهد واحد يتداولون فيه الأمور، ليطلق الأخير على الفنان التشكيلي منافسه الأكبر في الحكم بأنه ديمقراطي، ليفتحان فاهيهما تعبيرا عن عدم الفهم، ليضيف أنّ ديمقراطي تعني “ملحد لا يؤمن بوجود الله”، لتنقلب وجوههم غضبا على ذلك الذي لا يؤمن بوجود خالق الكون ويرغبون في تهشيم عظامه.

تتضمن خطة الفيلم تركيبة لأغاني الشاعر الراحل سيد حجاب، والتي تؤكد أن علاقة السلطة ممثلة في “نبيه بك” والمحكومين متجذرة بباقي السكان، خاصة أغنية بناء بيت “نبيه بك” أو مقر الحكم التي تقول “تبنوا بيت اللي سرقكم وحكمكم بالصدفة العامية.. طول عمارنا خيرنا لغيرنا.. نبني لناس تحصدنا وتجني.. ناس ظلمة تكسر مناخيرنا”.

الفيلم حمل هجوما عنيفا على استغلال رجال الأعمال الذين برزوا منذ عهد الرئيس المصري الراحل أنور السادات الذي خفف هيمنة الدولة على الاقتصاد وشجع الانفتاح
الفيلم حمل هجوما عنيفا على استغلال رجال الأعمال الذين برزوا منذ عهد الرئيس المصري الراحل أنور السادات الذي خفف هيمنة الدولة على الاقتصاد وشجع الانفتاح 

فيلم “البداية” لمّح إلى أن الفصل بين السلطات هو مجرد نظريات لا وجود لها في الواقع، ففي مشهد محاكمة الفنان التشكيلي الذي فوضه السكان للتفاوض من أجل نيل المزيد من الحقوق، وتم تدبير مكيدة له باتهامه بسرقة الحصص واكتنازها، كانت ملهاة سياسية بكل حذافيرها. “نبيه بك” كان القاضي ووكيل النائب العام والمحامي عن المتهم، ومن أصدر الحكم بعقوبة الحبس التي ضمت اثنين من السكان بتهمة إهانة المحكمة.

آمن صناع الفيلم بأن “السياسة هي صناعة الدهاء” لكن التغيير يتطلب صبرا على الهزيمة والمثابرة وإعادة المحاولة، لتبدأ معركة جديدة بمطالبة الأهالي بانتخابات حرة نزيهة بين السكان ودستور يعطيهم حقوقهم.

الحيلة التي ابتكرها “نبيه بك”، بوصفه عنصر مقاومة للتغيير، هي التفرقة بين السكان ومحاولة منح كل منهم مكاسب خاصة، تمثلت في ثمرات التمر، العملة الوحيدة ذات القيمة، وحينما فشل لجأ إلى الترغيب بحفل لجميع السكان شربوا فيه الخمر كوسيلة للإلهاء لتأكيد عدم قدرتهم على إدارة أمورهم، ليقف متفرجًا عليهم مرددًا “اسكروا يا بهائم”.

الاعتراف بالصندوق

لم تكن المعركة الأولى التي خسروها هي النهاية والتي يريد أبوسيف توصيلها بعبارة التشكيلي “الثورة مستمرة، وإذا كنا أخطأنا أو تعرضنا للخداع فذلك لا يعني اليأس والتوقف عن المحاولة”، لتعود المطالبة بالانتخابات من جديد، وتلجأ السلطة للمال السياسي ممثلا في الدولار الذي كان الدافع وراء سفر معظمهم للخارج، دون تفكير بأن بريقه ضاع بمجرد نزولهم بمكان لا يعترف إلا بما يؤكل.

لم يحل المال السياسي من انتخاب “عادل” الذي وعد بتقسيم لثروات الواحة وحياة لا تتضمن تمييزا ثقافيا أو اجتماعيا، ليلجأ “نبيه بك” إلى التشكيك في نزاهة العملة الانتخابية بزعم التزوير، والتهديد بأنه سيطالب بتدخل الأمم المتحدة للتحقيق.

وصل الصراع ذروته عندما رفض الحاكم القديم، مثل ما حصل في الكثير من الدول النامية، التسليم بحكم الصندوق بطعن من خَلَفه أثناء إعداده الدستور بالسكين وإشعال النار في مقر الحكم الذي يتضمن مخزون التمر، لتتلوث المياه المجاورة بكتل الكربون والفحم، وتضيع مقومات الحياة رافعًا شعار “إما أحكمكم وإما أحرقكم ونموت جميعا”.

يصعب عزل الفيلم عن المنطلقات الفكرية للمخرج صلاح أبوسيف، الذي عاش في رحاب الاشتراكية كعامل نسيج بشركة المحلة في دلتا مصر، والتقى خلالها المخرج نيازي مصطفى والذي جاء لتصوير فيلم تسجيلي عن الشركة، ليفتح أمامه طريق السينما، ويعمل كمساعد له بعد فترة دراسية في فرنسا وإيطاليا، قبل أن ينقلب على مبادئ الاشتراكية ويهاجمها في ما بعد ويتلقى في المقابل هجوما عنيفا من تيار اليسار وصل إلى حد الضرب.

بدت رسائل أبوسيف صالحة حتى الآن، فعندما فقد الجميع الأمل في الحياة كانت مروحية تستعد للهبوط لإنقاذهم يستقلها قائد طائرتهم التي سقطت في الصحراء. وكان الوحيد الذي رفض الاستسلام والبقاء في الواحة، وقرر المشي في الصحراء، أملا في العثور على منقذ. لينتهي الفيلم بترك “نبيه بك” في الواحة التي أراد السيطرة عليها وحيدًا دون وسائل للنجاة.

كان أبوسيف في اختياره للأسماء متعمدا أن تحمل دلالات، فالعامل “صالح”، والفلاح “سليم” سالم، والصحافية قتلها حب الشهرة فكانت “شهيرة”، والمضيفة التي لعبت دورها الفنانة يسرا كانت تسعى وراء أمل الحب والسعادة فاختار لها “آمال”، والفنان مدحت مرسي قائد الطائرة الذي لم يهتم بالسلطة وفضل تحقيق رسالته بإنقاذ الركاب كان اسمه “خالد”، ورجل الأعمال كان ذكيًا فسماه “نبيه”، والفنان الذي كان حالما بالعدل فسمي “عادل”.

سعى الفيلم لتأكيد أن الحكومات يجب أن تخضع لإرادة الشعوب، التي مهما وصل بها الجهل والضعف فقد تثور لنيل كرامتها وحقوقها، واعتبر أن الجهل وسوء استغلال الدين أقصى مشكلات الشعوب النامية.

16