تحالف تركيا.. مشروع أردوغان للالتفاف على خسارة إسطنبول

الرئيس التركي يسعى للتحالف مع حزب الشعب الجمهوري لإنقاذ مستقبله السياسي الذي بات مهددا بعد أن أنهت المعارضة العلمانية أسطورة الرجل الذي لا يقهر.
الخميس 2019/04/25
أردوغان يقود تركيا إلى المجهول

يبحث الرئيس التركي رجب طيب أردوغان تغيير خارطة تكتيكاته وتحالفاته بعد هزيمته في انتخابات بلدية إسطنبول كمحاولة لامتصاص الصدمة من ناحية، وإنقاذ مستقبله السياسي الذي بات مهددا بعد أن أنهت المعارضة العلمانية أسطورة الرجل الذي لا يقهر. ويتجه الرئيس التركي إلى نقض تحالفه مع القوميين كما نقض من قبل تحالفه مع ظهيره الإسلامي فتح الله غولن، لصالح تحالف يستوعب حزب الشعب الجمهوري، ليسطو بذلك على نصر علماني يفتح أبواب عموم تركيا.

يقف الرئيس التركي رجب طيب أردوغان على عتبة اختيار مصيري جديد بعد هزيمته في انتخابات إسطنبول، فهو يقف على ساق واحدة منذ ليلة الـ31 من شهر مارس الماضي، وكأنه “طائر اللقلق، إحدى ساقيه في الهواء والأخرى على الأرض”!

ويبحث أردوغان تغيير خارطة تحالفاته المستقبلية لامتصاص صدمة الهزيمة عبر التوجه للتخلّي عن القوميين لصالح تحالف أوسع يستقطب حزب الشعب الجمهوري، حيث أن مفهوم “تحالف تركيا” أهمُّ طرح قدّمه أردوغان منذ الانتخابات وحتى اليوم.

وبنظرة متشائمة يمكننا القول إنّ من المرشح أن يدخل هذه الصورة المزيد من العناصر المسببة للقلق في الأيام المقبلة. كما أن خطاب أنطاليا الذي أسس فيه زعيم الحزب القومي دولت بهجلي لـ”تحالف الشعب” في مواجهة مفهوم “تحالف تركيا” قد كشف عن المأزق والأزمة. فسلسلة التطورات التي تصاعدت قبل الانتخابات المحلية مصحوبة بالأزمة الاقتصادية، وبلغت الذروة بالهجوم على زعيم حزب الشعب الجمهوري، تتطلّب قراءة دقيقة ومتأنية.

تحالف ظرفي

دولت بهجتلي: لا نستطيع أن نعلم ما الذي يعنيه رئيس الجمهورية بطرح تحالف تركيا
دولت بهجتلي: لا نستطيع أن نعلم ما الذي يعنيه رئيس الجمهورية بطرح تحالف تركيا

كشف خطاب أنطاليا الذي أسس فيه بهجلي لتحالف الشعب بإصرار، في مواجهة مفهوم تحالف تركيا، عن المأزق والأزمة.

قال بهجتلي “تحالفنا ليس ظرفيا عابرا… لقد امتزجت تركيبة تحالف الشعب مع إرث التاريخ التركي. وتم بناء سقفه بمكتسبات روح ‘يني كابي’ في 7 أغسطس. وتعزز بانتصار التصويت العام في 16 أبريل، وتقوَّى بمجموع انتخابات 24 يونيو. إن تحالف الشعب هو تركيا، إنه سدٌ قوي أمام الخيانة، ومقاومة في وجه الاحتلال، إنه حصن منيع في مواجهة جبهة الشر الداخلية والخارجية. نؤمن بأن الأمل في نجاة تركيا يتمثّل في تحالف الشعب. نعلم أن تركيا ستدفع ثمنا باهظا للغاية إذا ما تراخينا وتنازلنا وانخدعنا باللعبة”.

وأضاف “أن تحالف الشعب لم يتأسس لمخاوف وأهداف سياسية. لا نستطيع أن نعلم ما الذي يعنيه رئيس الجمهورية بطرح ‘تحالف تركيا’ البتة… إن ما نعرفه هو تحالف الشعب. وما نؤمن به هو الوحدة الوطنية والتضامن. هدفنا الحفاظ على البقاء الوطني إلى الأبد”.

ويرى محللون أن تحالف الشعب كان خطأ من الناحية الإستراتيجية، إذ وقعت أخطاء تكتيكية كبيرة. لقد أصبح حزب الحركة القومية هو من سَمِن وتعافى سياسيّا منذ تكوّن التحالف وحتى اليوم. وكلما فاز حزب الحركة القومية ذاب حزب العدالة والتنمية.

 لقد خيّمت الأزمة الاقتصادية على البلاد. وهي ليست إعصارا يمكن النجاة منه بسهولة، حيث يبقى الخيار الوحيد بالنسبة لأردوغان هو الاقتراب من حزب الشعب الجمهوري ومواصلة العمل عبر تحالف كبير بدلا من الحفاظ على الأمر من خلال سياسات منغلقة ومغامرة مثل حزب الحركة القومية وحزب الوطن، فبينما يتحدث الرئيس عن تحالف تركيا يجهز أرضية لصياغة حديثة تضم حزب الشعب الجمهوري والحزب الصالح لإدارة البلاد.

في لُبّ قصة حزب العدالة والتنمية البالغ عمرها 17 عاما تكمن مواصلة “البقاء الشخصي” لأردوغان عبر التحالفات وأوجه التعاون العابرة، وإخراج الرواسب وإلقائها بعيدا عند انتهاء مدة الصلاحية، وصياغة جديدة صالح التحالفات الجديدة دون انتظار. هذا هو الأمر في غاية البساطة، ولكن المعارضة التركية دائما ما انخدعت بهذا.

جاء صعود أردوغان في سنة 2002 في ظل تحالف تكتيكي داخل حزب العدالة والتنمية. ساعده ذالك التحالف على إضفاء المشروعية على حكومته بصفته رئيسا للوزراء، وتحقق بمساعدة التحالف الذي أسسه مع العالم الخارجي، وقبلته الأوساط الإصلاحية من قوى اليمين واليسار المركزي في مواجهة الضباط والعسكريين الساعين إلى تنفيذ شتى الحيل والمؤامرات ضده، ومعهم وسائل الإعلام التي تدعمهم.

وقد بدأت فترة التعاون مع هؤلاء الحلفاء تنتهي مع عدم صدور قرار بإغلاق حزب العدالة والتنمية. خلال هذه المدة كان تحالف أردوغان مع حركة فتح الله غولن التحالف الأطول عمرا. وعلى عكس أتباع حركة غولن الذين يرون هذا التعاون مسيرة إستراتيجية لتقاسم السلطة، رسم أردوغان عملية التخلص من هذه “الحوصلة المرارية” ما إن يتم له توطيد سلطته الشخصية. وفي ظل مشاعر الكره العميقة التي ظهرت لدى شرائح مجتمعية مختلفة تجاه حركة غولن لم يُعانِ أردوغان أي صعوبة في حملة تقويض هذا التحالف.

وأدّى التحالف الذي تمّ تطويره منذ 2014 وحتى اليوم أيضا إلى نتائج إيجابية للغاية بالنسبة إلى مصالح أردغاون الشخصية وطموحه للبقاء في السلطة. وما وصفه المراقبون بأسلوب مهذّب وظريف بأنه براغماتية هو نفعية ليس لديها أي ركيزة في الأساس، قامت بإقصاء الأخلاق وحملتها إلى نقاط بعيدة هكذا، لدرجة أنه تقدَّم دون أن يأبه على الإطلاق بالأوساط العسكرية والاستبدادية التي نظمت له كل أنواع حملات المنع غير المشروعة ورتبت خطوات الانقلاب عليه واحدة إثر أخرى.

انقلاب أردوغان

أردوغان يبحث تغيير خارطة تحالفاته المستقبلية لامتصاص صدمة الهزيمة
أردوغان يبحث تغيير خارطة تحالفاته المستقبلية لامتصاص صدمة الهزيمة 

 من الممكن أن يقوم أردوغان الذي يرى أن الشراكة مع حزب الحركة القومية قد زادت من حجم الصدع داخل حزب العدالة والتنمية من الممكن أن يفسخ تحالف الشعب، مثلما فعل بالنسبة للسنوات الـ17 الماضية. وسنقرأ هذا بسهولة أكبر عندما يصدر قرار اللجنة العليا للانتخابات بشأن الانتخابات في إسطنبول.

إن أردوغان الذي يرى أن الأزمة الاقتصادية العميقة لم تؤثر سلبيا على حزب العدالة والتنمية وناخبيه فحسب، بل تهدد صراحة بقاءه شخصيّا حيث أنه يمثل قلب نظام الرجل الواحد الذي يؤسس له منذ سنوات، يبدو أنه أدرك أنه لم يبق لديه خيار آخر سوى التغلّب على هذه الأزمة مع حزب على علاقات جيدة مع الأوساط الاقتصادية والسياسية العالمية فحسب مثل حزب الشعب الجمهوري. بالإضافة إلى ذلك فإنه بهذه الحملة يخطط لأن يمنع الجناح المعتدل -مثل غول وباباجان وشيمشك وداود أوغلو (الذي صفاه وأقصاه)- في حزب العدالة والتنمية من اقتطاع أجزاء من الحزب.

إن كان هناك ترحيب بتحالف تركيا فهل يدرك حزب الشعب الجمهوري الحقائق التاريخية مثل أن أردوغان يدين بموقعه السياسي كله للتحالفات المفيدة بالنسبة له، وأنه عندما يحين الوقت يفسخ لصالحه شخصيّا كل هذه التحالفات بلا رحمة ولا هوادة، وسوف يُلحق بحلفائه أضرارا فادحة؟

وكيف يمكن رفع حطام تركيا الراهن عبر نموذج حكومة موسعة يمسك أردوغان بخيوطها، وهو المسؤول الأكبر عن هذا الحطام والذي لا يُحاسب عن شيء أصلًا؟ إلى أيّ مدى يدرك حزب الشعب الجمهوري حقيقة أن الخطة التي في ذهن أردوغان تتمثّل في أن يتم إشراكه -أي الشعب الجمهوري- بشكل ما في سلسلة الأخطاء والجرائم التي ارتكبها، والتي هو المسؤول الوحيد عنها؟ فبقاء منْ هو الأهم؟ بقاء تركيا أم بقاء أردوغان؟

7