تحالف روسيا وإيران.. غياب الثقة المطلقة

السبت 2016/09/17

لطالما كانت العـلاقات العسكرية بين طهران وموسكو محكومة بمصالح وسياسات التحالف الأميركي – الإسرائيلي في الشرق الأوسط، والخطوط الحمراء التي كان يرسمها والتي كانت تقيد سياسات جميع اللاعبين. ولكن العام الحالي شهد انخراطا روسيا مباشرا في أعقد أزمات تلك المنطقة، أي في سوريا، وهو ما أدى إلى تحريرها من قيود السياسة الأميركية – الإسرائيلية، وتعزيز علاقاتها، بشكل لافت، مع إيران.

المثال الأبرز في هذا السياق هو تسليم روسيا في مطلع العام الحالي منظومة الدفاع الجوي الحديثة “أس 300” لإيران، وهو ما لم يكن ممكنا قبل دخول العلاقات العسكرية بين البلدين مستوى جديدا وغير مسبوق، تخلله تنفيذ عمليات عسكرية مشتركة دعما للنظام السوري.

كما كان نشر روسيـا لقـاذفات إستراتيجية في قاعدة عسكرية إيرانية واستخدامها تلك القاعدة من أجل شن هجمات عسكرية في سوريا حدثا بارزا في هذه المرحلة الجديدة من التعاون والتفاهم بين الجانبين.

في نهاية العام الماضي، وأثناء زيارة الرئيس الروسي فلاديمير بوتين لإيران، أشـار مرشد الجمهورية الإيرانية آية الله علي خامنئي، بوضوح، إلى أن تعـزيز التعـاون بين الجانبين هو السبيل الوحيد لإحبـاط مخططات الـولايات المتحـدة الأميركية التي وصفهـا بأنها “معـادية لجميع الدول، ولكن بشكل خاص لإيـران وروسيا”.

بهذا المعنى، تتشارك موسكو وطهران في رفض هيمنة الولايات المتحدة الأميركية من جهة، والعمل على تغيير العلاقات الدولية السائدة في عالمنا الحالي المحكوم بتلك الهيمنة من جهة أخرى.

وفضلا عن تشارك الطرفين لهدف شديد العمومية هو العداء للولايات المتحدة، يتشاركان هدفا ملموسا ومحددا يخص الحرب السورية. إذ شكلت الجهود المشتركة للبلدين في سوريا أهم عوامل صمود النظام السوري، وما يمثله ذلك من الحفاظ على مصالحهما الحالية وفتح الأفق نحو تعزيزها في المستقبل.

هكذا، يمكن القول، من دون تسرع، إن العلاقات الروسية الإيرانية تمر حاليا بمرحلة جديدة من التنسيق والتعاون غير المسبوق.

ولكن السؤال يبقى قائما حول طول أمد تلك المرحلة، وهل بنيت على أساس تفاهمات إستراتيجية تتجاوز المستوى العسكري التكتيكي في سوريا؟

من الواضح أن توطد العلاقات بين الجانبين قد حدث، بدرجة كبيرة، تحت ضغط الواقع، وبشكل خاص ضغوط الحرب السورية وتعقيدها الشديد. كما أن المواقف العنيدة التي اتخذها الجانبان منذ بداية الصراع في سوريا تطلبت تثبيت هذا النوع من التحالف، وهو ما يجعله تحالفا تكتيكيا وعرضه للتبدل في المستقبل.

لا يمكن تجاهل مؤشرات كثيرة تؤكد أن الثقة بين الجانبين ليست مطلقة، وأن الخلافات بينهما موجودة وتساهم في منع عقد تحالف إستراتيجي.

أحد أهم الأمثلة هو الدور الذي لعبته روسيا أثناء مفاوضات المجتمع الدولي مع إيران للتوصل إلى تسوية في ما يخص الملف النووي الإيراني. في وسائل الإعلام، بدا وكأن روسيا هي حليف إيران في تلك المفاوضات حيث كانت تبذل جهودا كبيرة من أجل تذليل العقبات التي تعترض التوصل إلى اتفاق ورفع العقوبات عن طهران. ولكن الجهود الروسية لم تكن دوما في صالح إيران، بل كانت قريبة، بشكل كبير، إلى موقف أوروبا وأميركا وإسرائيل.

الهوة بدت أوضح ما تكون في تصريحات المدير العام السابق لشؤون الشرق الأوسط في الخارجية الإيرانية، والتي لخص فيها جوهر الخلاف بين طهران وموسكو حول سوريا بالقول "تريد روسيا قطف ثمار تضحيات إيران في سوريا"

ورغم تجنب طهران إبداء أي امتعاض من موقف موسكو أثناء المفاوضات، لم يشكل الموقف الروسي مصدر اطمئنان للجانب الإيراني.

لعبت روسيا دور القابلة التي أخرجت الصفقة النووية الإيرانية بصعوبة شديدة، في وقت لم يكن فيه الطرف الإيراني، من دون تلك المساعدة الروسية، مستعدا وراغبا في إتمام الاتفاق.

وبالتأكيد، لا تنسى إيران أن “حليفها” الروسي كان قد صوت في العام 2006، من دون أي حرج، لصالح قرار مجلس الأمن الدولي بفرض عقوبات اقتصادية قاسية عليها، وهو القرار الذي شكل وسيلة الضغط الرئيسية من أجل دفع إيران إلى عقد الصفقة النووية.

وحتى في ما يخص الملف السوري، أكثر الملفات التي تجمع الجانبين، يمكن أن نعثر على البعض من مؤشرات الاختلاف وعلى غياب الثقة المطلقة.

فمنذ العام 2012 وجدت روسيا نفسها منخرطة في محادثات جادة مع الولايات المتحدة من أجل التغيير السياسي في سوريا، وقد أسفرت تلك الجهود عن مقررات مؤتمر جنيف1.

وبدورها لم تشارك إيران في تلك المحادثات بل لم تعترف بمقرراتها، وتسبب ذلك في عدم دعوتها إلى اجتماع جنيف 2 الذي انعقد في العام 2013. وينسحب ذلك اليوم على الاتفاق السري الذي توصلت إليه روسيا وأميركا الأسبوع الماضي، والخاص بوقف إطلاق النار وإيصال المساعدات. ويمنع النظام السوري، بدعم إيراني، تنفيذ أحد أهم بنود هذا الاتفاق وهو إيصال المساعدات الإنسانية. ويظهر ذلك بأن الهوة قائمة بين طهران وموسكو حتى في سوريا.

تلك الهوة بدت أوضح ما تكون في تصريحات سابقة للمدير العام السابق لشؤون الشرق الأوسط في الخارجية الإيرانية، جاويد قربان أوغلي، والتي لخص فيها جوهر الخلاف بين طهران وموسكو حول سوريا بالقول “تريد روسيا قطف ثمار تضحيات إيران في سوريا”.

كاتب فلسطيني سوري

8