تحالف غير معلن في الجزائر بين السلطة والسلفيين

الجمعة 2014/12/05
وزير الشؤون الدينية الجزائري اتهم طلائع الفكر الداعشي بإثارة أحداث العنف في غرداية

الجزائر- شهدت الجزائر في السنوات الأخيرة تنامي قوة الحركة السلفية التي نجحت في التأثير على نسبة هامة من الشباب الجزائري، ولم تدخر الحكومة جهدا في محاولة تطويق هذه الحركة والحد من نفوذها. وفي أحدث استراتيجياتها تسعى إلى تحويل جبهة الصراع عبر التحالف مع السلفيين في إطار خطّة تفيد الطرفين، فالحكومة تستغلّ السلفيين لتوظيفهم في حربها على الإرهاب وأيضا ضدّ المعارضة، والسلفيون يستغلّون الحكومة في توظيف صمتها لنشر أفكارهم.

لم ينف، ولم يؤكد، وزير الشؤون الدينية والأوقاف الجزائري، محمد عيسى، ما يروّج حول استعانة السلطة ببعض التيارات الدينية، الناشطة في البلاد، لمحاربة مختلف أشكال العنف في المجتمع، بما فيها العنف السياسي والأيديولوجي. إلا أن تقاطع خطاب الوزير مع أفكار التيار، وصمت السلطة عن نشاطه، يرسّخ فرضية تحالف غير معلن بين الطرفين، حول ظاهر يحارب العنف، وباطن يحاصر النشاط السياسي المعارض.

باشر رموز مما يعرف بتيّار السلفية العلمية في الجزائر، حملة ميدانية في أوساط أنصارهم، تحت غطاء ما يسمّونه بـ “الدعوة”، للترويج لأفكارهم القائمة على نبذ الفعل السياسي، المتعلق بالنشاط الحزبي والمدني، ومختلف أشكال المعارضة للسلطة، وكذلك نبذ اللجوء إلى العنف من أجل التغيير أو ما يسمونه “التمكين للمشروع الإسلامي”، وتحريم التظاهر أو الاحتجاج.

وذكرت مصادر مطلعة لـ“العرب” أن ندوات ولقاءات ميدانية عقدها عدد من رموز التيار السلفي العلمي، في غضون الأيام الأخيرة في عدد من مناطق البلاد، وقد مكّنتهم السلطات المختصة من رخص التنظيم، تحت مسميات لجمعيات أهلية محلية، على غرار جمعية “ناس الخير”.

السلطة في مأزق فهي من جهة تتخوف من التيار وممارساته ومن جهة أخرى تحاول الاستفادة من الخدمات التي يقدمها

حيث ألقيت جملة من المحاضرات والمداخلات، تتركز حول شرح أفكار التيار، القائمة على تحميل مسؤولية وضع شعوب العالم الإسلامي إلى الشعوب ذاتها، وترفض جملة وتفصيلا الممارسة الحزبية والإنتخابات، أو اللجوء إلى العنف من أجل ما تسميه بـ “التمكين للمشروع الإسلامي”.

هذا التصرّف يؤكد التقاطع الحاصل بين مشروع السلطة الجزائرية وبين أفكار التيار، وإن لم يرق إلى مستوى التنسيق، فإن توسع التيار السلفي في بعض المساجد والمصليات وفي الجامعات، في الوقت الذي يتم فيه التضييق على بعض النشاطات السياسية والأهلية المحدودة، يؤشّر لمصلحة مشتركة بين الطرفين، الأول يستغلّ الثاني لتوظيفه في حربه الفكرية على ما يسميه“العنف الشامل”، والثاني يستغلّ الأول، في توظيف صمته لنشر أفكاره.

ويعد محمد علي فركوس وعبدالمالك رمضاني.. وغيرهما، أبرز رموز التيار السلفي العلمي في الجزائر، التي وجدت تجاوبا معتبرا لدى فئة الشباب، وتمكنت من إرساء قواعد تيار السلفية العلمية، منذ بداية الألفية، في أعقاب تداعيات الأزمة الأمنية والسياسية التي ضربت الجزائر خلال تسعينات القرن الماضي، ويخوض أتباع الرجلين معارك غير معلنة بهدف الهيمنة على المساجد، ضدّ التيارات الدينية الأخرى، بما فيها التوجيهات الدينية التي تريد السلطة فرضها على الخطاب المسجدي.

استقطاب الإسلاميين

لجم المعارضة يتقاطع مع تحريم التظاهر الشعبي


تسعى السلطة الجزائرية إلى استقطاب الإسلاميين بشتى الوسائل لعزل من تصفهم بالمتشددين والإرهابيين، فمنذ العام 1999 نزل زهاء 8 آلاف مسلح من الجبال، في إطار سياسة المصالحة الوطنية التي أطلقها آنذاك الرئيس عبدالعزيز بوتفليقة، كما أعلنت عدة تنظيمات مسلحة عن حل نفسها في نفس السياق، على غرار الجيش الإسلامي للإنقاذ، وأنصار الدعوة وفصيل من الجماعة الإسلامية المسلحة، وكذا حركة أبناء الصحراء للعدالة الإسلامية.

وركز وزير الشؤون الدينية والأوقاف الجزائري، محمد عيسى، في تصريح صحفي، على تحوّل المسجد إلى مصدر خطر حقيقي بالنظر للأدوار المشبوهة التي تؤديها دوائر ومخابر عالمية. وأضاف أن “تنظيم داعش هو خطيئة افتلعها الإستعمار القديم، والداعشية هي انحدار خطير نحو الدونية، ولا يستند إلى قيم دينية أو اجتماعة.

وأكد محمد عيسى أنه “بالنظر إلى قوام التركيبة البشرية لتنظيم داعش، فإن غالبيتها ينحدر من دول أوروبية، من الذين أرادوا العودة إلى الدين الإسلامي، لكنهم لم يجدوا من يوجههم الوجهة الصحيحة، لكن رغم ذلك لا ننكر وجود عناصر جزائرية في مختلف الصفوف، سمحت حالة التراخي الأمني والفكري، من السقوط في مطبات المشاريع الجهادية المتشددة، التي توظف الدين لأغراض دموية”.


العنف المجتمعي


يعود أول تقاطع للسلفية العلمية مع السلطة في الجزائر، إلى العام 2011، لما دعت عدة أحزاب سياسية وجمعيات إلى التظاهر في العاصمة، كامتداد لموجة التغيير التي هبّت حينها على عدد من الدول العربية، حيث ساهم التيار في إجهاض التعبئة الشعبية، بالترويج لأفكاره القائمة على تحريم التظاهر والمسيرات الشعبية، أو الانخراط في الممارسة السياسية لتغيير النظام، وهو ما يكون قد جنب حينها ولو جزئيا السلطة غضب الشارع والمواجهة معه.

يعود أول تقاطع للسلفية العلمية مع السلطة في الجزائر، إلى العام 2011، لما دعت عدة أحزاب سياسية وجمعيات إلى التظاهر في العاصمة

ولم يبد الوزير تشددا تجاه التيارات الدينية المتنامية في بلاده تحت يافطة المذهب السنّي، كما هو الأمر بالنسبة إلى السلفة العلمية، ولم يرسم الهوامش الفاصلة بين العنف المجتمعي الذي تجنّد له الحكومة كل الوسائل، وبين ما صار يعرف بالعنف السياسي أو الأيديولوجي، بمنظور التيار المذكور، إلا بالقول “نحن ورثة إسلام قرطبة الذي أشاع الرفاهية والاستقرار والتسامح ونشر الحضارة في عموم الأندلس ومدن المغرب العربي، وليس ما استورد من مطلع الثمانينات إلى مطلع الألفية”، وهي إشارة لمختلف التيارات الدينية السلفية التي تنامت بقوة في المدة المذكورة.

وأضاف في سرد غير متناغم مع إرادة مؤسسات السلطة الأخرى في إطار ما يعرف بمحاربة الإرهاب “لا أدعو لرفع السلاح ضد التنظيمات المتشددة، وإنما أوجه ندائي للطبقة المثقفة والنخبة لإظهار الإسلام كدين جامع ورسالة سلام وتسامح وقيم وحضارة”، في إشارة إلى الفراغات التي خلفها عدم اهتمام السلطة بما أسماه الوزير بـ “الأمن الفكري والروحي”. وتابع “ما حدث في غرداية وفي غير غرداية، تمّ في غفلة منا أو تقصير غير متعمد، حيث تسللت طلائع الفكر الداعشي إلى المنطقة، وكاد أن يحول المذهب الديني من مدرسة اجتهادية إلى هوية، في محاولة للوصول إلى تصنيف طائفي للجزائريين، بينما الأصل هو تكريس الإسلام السمح الموحد وترقية الانتماء للوطن وليس للمذهب”.


اقرأ أيضا


جذور أزمة الجزائر تعود إلى ما قبل ثورة التحرير

7