تحالف كورونا والرقيب السياسي يشلّ الدراما الجزائرية في رمضان

المسلسل الوحيد "يما" لم يستطيع إقناع الجمهور الجزائري، بعدما خاب ظنه في متابعة عمل درامي طالته العديد من الانتقادات بمن فيهم الكوادر العاملة به.
الاثنين 2020/05/18
مسلسل "يما" حضر منفردا ومع ذلك لم ينجح

لم يعد بالإمكان تعليق فشل الموسم الدرامي الرمضاني في الجزائر، على شماعة كورونا والأوضاع الاجتماعية والسياسية الاستثنائية التي تعيشها البلاد منذ بداية العام الماضي فقط، لأن هناك بلدان عربية تعيش وضعا أتعس من الوضع الجزائري. لكنها سجلت حضورا فنيا ودراميا خلال هذا الموسم، كما هو الشأن لسوريا التي تعرف حربا مدمرة منذ عدة سنوات لكنها أنتجت وصدّرت العديد من الأعمال والمسلسلات.

الجزائر – اضطر قطاع معتبر من الجمهور الجزائري إلى تغيير وجهته الدرامية إلى فضائيات عربية أخرى في رمضان الحالي، بعدما شحّت عليه القنوات المحلية خلال هذا الموسم، ولم تتمكن بشقيها الحكومي والخاص من تقديم عروض تستقطب الجمهور المحلي، إلى درجة الاستعانة بأعمال قديمة أعيد بثها من أجل ملء الفراغ الرهيب.

ولم يستطيع المسلسل الوحيد “يما” (أمي) المعروض على قناة “الجزائرية وان” الخاصة، من إقناع الجمهور الجزائري، بعدما خاب ظنه في متابعة عمل درامي طالته العديد من الانتقادات بمن فيهم الكوادر العاملة به، ليكون بذلك الموسم خاويا على عروشه ويمكن إحالته من الآن على النسيان.

وتراوحت المبررات الأولية لفشل الموسم الدرامي على وباء كورونا، الذي شلّ العديد من الأعمال التي كانت بصدد التصوير، وبين الرقيب السياسي الذي نزل هذا الموسم إلى أدنى المراتب، من أجل الحيلولة حتى دون مرور بعض الأعمال الكوميدية للجمهور، تحت طائلة الخوف من مفعولها في تغذية موجة الغضب الشعبي المناهضة للسلطة منذ العام الماضي.

وفيما كانت وزارة الثقافة الجزائرية قد قرّرت خلال الأسابيع التي سبقت دخول الموسم، إيقاف التصوير، بدعوى تفادي العدوى وسط العاملين في الحقل الفني، فإن تعليق الشماعة كلها على القرار لا يحجب نسق العشوائية والارتجال في عمل مؤسّسات الإنتاج، وإلاّ لما تأخرت الأعمال أو تأثّرت بقرار حظر التصوير خلال شهر مارس الماضي، فقط.

جعفر قاسم: أعطيني حرية التعبير وحاسبني على ما أقدّمه للجمهور
جعفر قاسم: أعطيني حرية التعبير وحاسبني على ما أقدّمه للجمهور

كما لا يحجب حجم الرداءة التي تجتاح العمل الفني، حيث اضطرت سلطة السمعي البصري إلى إنذار واستدعاء عدة قنوات تلفزيونية مملوكة للقطاع الخاص، إثر تقديمها لسلسلة من أعمال “الكاميرا الخفية”، المسيئة لمشاعر وذوق الجمهور، وهو ما يوحي إلى أن الفشل في أبسط الأعمال، لا يمكن أن يقود إلى تقديم عروض راقية في الدراما أو الكوميديا.

ومع ذلك يكون المخرج جعفر قاسم، قد اختصر المشهد في تصريح له خلال هذا الموسم، حيث قال فيه “أعطيني حرية تعبير وحاسبني على ما أقدّمه للجمهور”، في إشارة إلى دور الرقيب في عرقلة العمل الإبداعي، وعدم السماح بظهور لمسات فنية حتى لو كانت معزولة، كما جرى عليه الأمر خلال المواسم الماضية.

ولم توفّق شركة الإنتاج وفريق عمل مسلسل “يما” بقيادة المخرج التونسي مديح بلعيد، في تقديم عرض جذّاب للجمهور، رغم حضوره منفردا في المشهد الدرامي الجزائري خلال هذا الموسم، بسبب الاختلالات الفنية والنصية التي اعترت المسلسل، ولم تسلم من انتقادات حتى العاملين في الفريق.

وذكر كاتب السيناريو سفيان دحماني، بأن “الشبكة هذا العام كارثة بكل المقاييس، وبلد بحجم قارة، ينتج عملا دراميا واحدا، مقابل سوريا، مثلا، التي تعيش الحروب أنتجت أكثر من 20 عملا”.

وأضاف “هل نحن من المغضوب علينا، في الكوميديا أصبحنا نضحك على الأعمال لا على المحتوى، كوميديا تافهة تقدّم للجمهور، وأكثر من عشرين كاميرا خفية تُهين الفنان والصحافي والمواطن البسيط وآدمية الإنسان، وحتى سلسلات (السيتكوم) للأسف أعمال معادة”.

وفيما تغافل عن الانتقادات التي طالت مسلسل “يما”، واكتفى بالقول “ما يقال عبر مواقع التواصل الاجتماعي يعتبر مجرّد رأي، وهو ليس بنقد، لأن للنقد أهله وهم أناس مختصّون، ومع ذلك علينا احترام ملاحظاتهم المقدّمة لنتعلّم منها، أما الرأي فعلى الذي يقدّمه أن يكون إنسانا محترما ومثقفا”، ودعا إلى ضرورة دسترة أو تقنين “مظاهر إهانة المشاهد والاستخفاف بذكاء الجمهور”.

المسلسل لم يسلم من انتقادات حتى العاملين في الفريق
المسلسل لم يسلم من انتقادات حتى العاملين في الفريق

ومن جهتها صرّحت بطلة المسلسل آمال مينغاد، بأنها غير راضية عن مساحة دورها في العمل، وهذا لعدم تمكّنها من تقديم ما يمكن تقديمه من أجل إثراء الحوار، وأنها اضطرت لإضافة حوار المونولوج في أحد المشاهد للتغطية عن فراغ الشخصية التي أسندت إليها.

وانتقدت المتحدثة سيناريو العمل الذي ركّز فقط على قصة خالد ووالدته، بينما هناك ثلاث قصص موازية لأمهات في العمل، كان يمكن استغلالها من أجل إعطاء زخم للعمل في تقديم حياة العائلة الجزائرية. وهو ما يؤكد التسريبات التي تحدّثت عن تداخل في المهام من أجل إصدار النسخة النهائية للمسلسل، حيث تدخّل المخرج مديح بلعيد، في بعض المشاهد لتعديل مضمون السيناريو الأصلي.

وذهبت إلى أن “ضعف السيناريو والحوار، لم يُمكّن زملاءها في العمل من تفجير طاقتهم، وأن المخرج مديح بلعيد، بذل جهدا كبيرا في التغطية على ضعف السيناريو من أجل أن يظهر العمل بشكل مقبول”.

وإذا كان هذا واقع حال العمل الدرامي الوحيد، المقدّم خلال هذا الموسم في الجزائر، الأمر الذي جعل الجمهور مضطرا لتعويض هواية متابعة التلفزيون إلى هوايات أخرى، أو التغيير إلى محطات عربية، فإن العديد من الأعمال الكوميدية الهادفة أغلقت في وجهها أبواب البث بإيعاز من الرقيب السياسي.

ومن هناك لم تسمح الرقابة هذا العام ببثّ سلسلة “دقيوس ومقيوس” للممثلين نبيل عسلي ونسيم حدوش، وهما اللذان قدّما موسم 2018، وأيضا سلسلة “مول السطح” التي وجّهت انتقادات شديدة للسلطة في ذروة هيمنة نظام بوتفليقة وأذرعه الأمنية والمالية والاستخباراتية.

17