تحالف "محور الشر" و"الشيطان الأكبر" يقزّم دور العثماني أردوغان

الجمعة 2013/11/29
أردوغان يخلع عنه جلباب العثمانيين ويتدثّر بعباءة المرشد الأعلى

لندن ـ بعد خمسة أيام من المفاوضات الشاقة، أعلنت مجموعة 5+1 وإيران التوصل إلى اتفاق توافق طهران بموجبه على الحد من برنامجها النووي في مقابل تخفيف للعقوبات الاقتصادية.

اتفاق جنيف، الذي يأتي بعد حوالي عشر سنوات من المفاوضات، عبر بالعالم، والشرق الأوسط بالخصوص، إلى مرحلة سياسية جديدة ستشهد، وفق الخبراء، إعادة توزيع أوراق اللعبة السياسية التي وصلت ذروتها في المنطقة.

الدول المعارضة للاتفاق، والموافقة عليه، تؤكّد أن ما وصلت إليه المفاوضات في مدينة جنيف السويسرية بين إيران والدول دائمة العضوية في مجلس الأمن ومعها ألمانيا، ليس سوى "مرحلة أولى" و"فترة تجريبية" للكشف عن نية إيران في التعاون وصحة تصريحات الرئيس الإيراني، حسن روحاني، بفتح صفحة جديدة في العلاقات الخارجية الإيرانية، سواء مع الغرب، الذي يعتبرها "محور الشر" ويفرض عليها عقوبات اقتصادية نجحت في التأثير عليها وتسببت في معاناة مواطنيها بشكل أحرج قادتها وتراجع قيمة عملتها بحوالي 80 بالمئة، أو مع الدول العربية، التي تجاورها، خصوصا دول الخليج العربي.

اتفاق جنيف المؤقت لا يؤدي إلى رفع ملحوظ في العقوبات الدولية المفروضة على أهم قطاعين في الاقتصاد الإيراني، وهما المصارف والنفط، لكنه، وفق تحليل لمركز "أطلس للدراسات"، فتح أمامها ثغرة تشجع شركات ودول، لاستئناف علاقاتها التجارية والاقتصادية معها، وهو ما عبر عنه وزراء في الحكومة الإسرائيلية "من أن رفع جزء من العقوبات قد يؤدي إلى انهيار السد وتدفق الأموال".

الاتفاق المحدّد بستة أشهر، فتح أيضا الباب أمام احتمالات وقراءات جديدة للوضع الملتهب في منطقة الشرق الأوسط، خصوصا الملف السوري. فهذا الاتفاق ينهي عزلة إيران الاقتصادية والسياسية، ولو جزئيا، وبالتالي يمكنها أن تصبح قوة إقليمية ودولية مؤثرة، وهو دور يمكن أن يكون أهم إليها من امتلاك سلاح نووي في الوقت الحالي، حسب مركز "أطلس". ثم إن الاتفاق لم يحرمها من منشآتها النووية التي استثمرت فيها أموالاً وقدرات طائلة، بما يمكنها في المستقبل من القدرة على القفز نحو امتلاك سلاح نووي لو تطلب الأمر أو سمحت الظروف الدولية.


تركيا تراجع أوراقها


هذه النتائج المتوقّعة من صفقة جنيف بين إيران والدول الأوروبية والولايات المتّحدة الأميركية، دفعت دول المنطقة، والقوى الإقليمية المتورّطة في ما يجري فيها، على غرار تركيا، إلى إعادة ترتيب أوراق سياستها الخارجية ومراجعة مواقفها مما يجري.

أقوى رياح تغيير في هذا السياق، هبّت من تركيا، التي بدا واضحا، وفق المحلّلين، أنها تعيش تخبّطا في سياستها الخارجية، على خلفية المشاكل التي وقعت فيها أنقرة في المنطقة نتيجة سياسة رئيس الحكومة رجب طيب أردوغان، الذي دعم الإخوان وأفسد علاقته بمصر، ذات الوزن الإقليمي الهام، ودعمه للمعارضة المسلّحة في سوريا. فأردوغان الحالم بعودة النفوذ العثماني أصبح عالقا في المستنقع السوري، وبعد أن اتجه إلى الإخوان المسلمين في مصر لاكتشاف حليف جديد لاستعادة نفوذ بلاده، ثار الشعب المصري على الحكم الإخواني، كما أن طهران لفظت أنقرة من بؤرة اهتمامها لاختلاف الرؤية حول سوريا، وقد انعكس الإحباط التركي بعد عدم استجابة الحكومات الغربية والأوروبية لنداءات أردوغان لعدم الاعتراف بالنظام السياسي المؤقت في القاهرة، كما لم يسطع إقناع واشنطن بالتدخل العسكري في سوريا لإسقاط الأسد، ولذلك من المتوقع أن تعيد تركيا حساباتها مجددا مع إيران لإنقاذ ما يمكن إنقاذه من نفوذها في المنطقة، خاصة بعد أن خسرت الجميع ولم يعد لها قول مؤثر على قضايا المنطقة.

البعض يرى أن طبيعة الاتفاق النووي بين القوى العالمية الستّ وإيران، قد تكون دعوة إلى الاستيقاظ بالنسبة إلى تركيا لإعادة صياغة السياسة الخارجية الخاصة بها بعد فشلها في سوريا، كون الصفقة التي أعلن عنها في جنيف في الساعات الأولى من صباح 24 نوفمبر-تشرين الثاني ليست مجرد اتفاق حول طموحات نووية إيرانية، بل هي خطوة أولى لاختراق واحد من أكثر النزاعات المستمرة والخطيرة في المنطقة، وهي أيضا أوضح تعبير حتى الآن لتحول ديناميات الجيوسياسية التي جمعت المصالح الإيرانية والأميركية والأوروبية في وعاء واحد.

عبد الله الأشعل، مساعد وزير الخارجية المصري الأسبق للعلاقات الدولية، قال، في قراءته للوضع الجديد بين طهران، "محور الشر"، عند الأميركان، وواشنطن، "الشيطان الأكبر" عند الإيرانيين، إن سوريا هي العنصر الرئيسي في هذا التحول.

كان لانتخاب الرئيس الإيراني، حسن روحاني، الذي شغل في السابق منصب كبير المفاوضين النوويين، دور هام في التوصل إلى اتفاق حول برنامج بلاده النووي

فلا مجال للشك في أن إيران نجحت، في الحفاظ على الرئيس السوري بشار الأسد ونظام حكمه، على الرغم من مواجهة الضغوط السياسية والاقتصادية والعسكرية الهائلة. وأثبت النظام الإيراني وزنه على الأرض وأمام المجتمع الدولي، وفي الوقت نفسه فشلت قطر وتركيا في توحيد صفوف المعارضين، بل إن دعمهما أدى إلى انشقاقات كثيرة في صفوفهم.


دور سوريا


أدى تعدد مصالح دول المنطقة في سوريا إلى تفكك اجتماعي وسياسي ومادي، إلى جانب فيضان جهادي هائل لأعضاء الجماعات التابعة لتنظيم القاعدة، الأمر الذي دفع إدارة الرئيس الأميركي، باراك أوباما، إلى النظر في إمكانية التحالف مع "الأعداء"، وبالتحديد إيران وروسيا، باعتبارهما حجري عثرة لإنهاء الأزمة المعقدة ومن أجل حل يتفق عليه جميع الأطراف.

وكان لانتخاب الرئيس الإيراني، حسن روحاني، الذي شغل في السابق منصب كبير المفاوضين النوويين، دور هام في التوصل إلى اتفاق حول برنامج بلاده النووي، باعتباره وضع كيفية التواصل مع الغرب على أجندة أولوياته لإنهاء العقوبات الاقتصادية على إيران وفك سنوات من الحصار والعزلة الدولية، ولذلك من المتوقع أن تحصل طهران على دعوة لحضور مؤتمر جنيف2 حول سوريا. واعتبر مراقبون إعلان أنقرة أن الحل السياسي هو الأساس لحل الأزمة يعكس تغييرا في السياسة التركية، التي قرّرت تقديم تنازلات في ما يخص الملف السوري في محاولة للتقرّب من إيران وروسيا، الداعمين الرئيسيين للنظام السوري.

وبخصوص التغيير في السياسة التركية تجاه إيران، يشير مصطفى علوي، أستاذ العلاقات الدولية، إلى أن الاتفاق النووي، مقياسا لمدى فاعليته، كون تركيا تعدّ إحدى قوى الطموحات العالية في المنطقة، وبدأت تتأثر وتستجيب لصعود إيران. ورغم أن تركيا وإيران زعما سابقا أن بلاديهما المنتصران الحقيقيان لثورات الربيع العربي، التي أدت إلى صعود نجم الحركات الإسلامية في العالم العربي. لكن بعد 30 يونيو استطاعت القاهرة قلب الموازين، واشتركت مع طهران في مناطحة واشنطن حتى حصلا على مصالحهما، فمصر لم تلتفت إلى التهديدات الأميركية واتجهت صوب روسيا إلى أن انتزعت اعتراف أميركيا بشرعية إسقاط محمد مرسي. وطهران حصلت على اتفاق نووي من المتوقع أن يساهم في إنهاء عزلتها الدولية ويعزز من نفوذها.

7