تحاور الأديان هو الأصل والعنف غريب عنها

الثلاثاء 2014/02/25
البابا فرنسيس.. محاولات جادة لفتح نوافذ الحوار بين الأديان

تنتمي الديانات التوحيدية (الإبراهيمية) جميعها إلى سلسلة واحدة من الأنبياء، إبراهيم وأبناؤه، وقد جرت العادة على تسميتها بالديانات السماوية أو التوحيدية، والتي نستشف من خلال دراسة الدكتور إبراهيم غرايبة “الجدل والتأثير المتبادل بين الأديان” أنها تظهر وكأنها دين واحد بعدة مذاهب.

أثرت الأديان في بعضها البعض بعمق وقوة، وهو الأمر الذي يمكن ملاحظته بوضوح في التصوف والرهبنة عند بعض الديانات، حسب قراءة “غرايبة”. بل إن امتداد تحليله يصل إلى القول بأن الفلسفة اليونانية أثرت بشكل عام في الفكر الديني. إذ يستشهد الكاتب بوجود الكثير من الروايات والأفكار والأحكام الدينية المعتبرة أنها إسلامية، رغم أصولها اليهودية أو المسيحية، مثل رجم الزاني، وقصص الأنبياء والأولياء، وعودة المسيح عليه السلام، والمهدي المنتظر(…).

ويؤكد الكاتب أنّ تأثيرات الأديان والمعتقدات على بعضها البعض وامتداداتها داخل أنساق القراءات الدينية تبدو واضحة في جميع الأديان، فهي في نظره “بطبيعتها متممة لبعضها البعض، والأديان والمعتقدات المخالفة للأديان السماوية نشأت على الأغلب أو تطورت من أديان سماوية”.

ففي القرآن إشارة لتأثير الأديان، خاصة معتقدات الخصب والعطاء لبني إسرائيل، مثل عبادة بعل إله الخصب والعطاء عند الآراميين، وقد تحول بعض بني إسرائيل لعبادته فكان إلياس الرسول يخاطب قومه كما في القرآن:”وإن إلياس لمن المرسلين، إذ قال لقومه ألا تتقون، أتدعون بعلا وتذرون أحسن الخالقين”.

ولا شك أن استمرار الحضور اليهودي والمسيحي والصابئي في الشرق الإسلامي لا يدل فقط على حيوية هذه الأديان وقدرتها على الاستمرار والتواصل بين أتباعها، ولكنه يؤشر على حالة التعايش والحوار والتفاعل التي ظلت قائمة على مدى قرون في ظلّ الحكم الإسلامي.

كتب ألفت في جدل الأديان
◄ كتب المستشرق الألماني "موريتس شتنشيندر" التي تتحدث عن الحوار والسجال بين الأديان عبر الأئمة

والبابوات والرهبان.

◄ كتاب "أصول الدين وشفاء المؤمنين" لـ"دانيال بن الحطاب السرياني" في القرن الرابع عشر ميلاديا، ويرد فيه على الانتقادات الإسلامية للمسيحية.

◄ كتاب "البرهان على صحيح الإيمان" لمؤلفه "مطران نصيبين النسطوري" في عام 1222م.

ومازالت بعض الكنائس التي بنيت في العهود الإسلامية قائمة حتى اليوم، وبعضها لا يؤشر فقط على التعايش والتواصل، ولكن على تفاعل وجدل إسلامي – مسيحي؛ فكنيسة أم الرصاص في جنوب الأردن، والتي كانت أهم مركز مسيحي في الشرق الأوسط مثلما تشهد بعض مبانيها التي أنشئت عام 740م أي بعد مئة سنة من الفتح الإسلامي على ذلك، كانت رسوماتها الفسيفسائية والباقية حتى اليوم معدلة على نحو فني احترافي يؤكد، كما يقول المؤرخ الأردني “صالح حمارنة”، أنّها ليست عملية تحريف وتشويه لتجعل من الكائنات الحية أقرب إلى التجريد وعدم الاكتمال، وذلك بناء على فتوى مسيحية لم تعمر طويلا بتحريم رسم الكائنات الحية على نحو تام، وهي فتوى ربما تكون قد تأثرت بالفقه الإسلامي الذي تحرم بعض اتجاهاته ومذاهبه رسم الكائنات الحية، وربما تكون فتوى مسيحية سابقة للإسلام تأثر المسلمون بها.

وهناك تشابه في جوهر بعض القصص والروايات، وإن اختلفت الديانتان في تسمية أصحابها؛ فالكتاب المقدس يذكر أن الله رفع “إلياس” إلى السماء ليحميه من جنود الملك “إهاب”، في حين يرى المسلمون أن الله رفع المسيح عليه السلام إلى السماء، ولم يصلب، وصلب بدلا منه شبيه له، وفي الحديث النبوي أن الغلام المؤمن المسيحي صلبه الملك بناء على اقتراح الغلام نفسه، ليكون بذلك سببا في إيمان أهل المدينة.

ويعود “إبراهيم غرايبة” إلى التراث العربي والإسلامي ليفكك بنيته ويتطلع إلى داخل الفكر العربي المستوعب لكل الأديان السماوية تقريبا، فيعدد قائمة طويلة من الكتب التي ألفت في جدل الأديان والدفاع عن نفسها، والرد على بعضها على نحو يؤشر على حرية دينية واسعة.

مثل كتب المستشرق الألماني “موريتس شتنشيندر” التي تتحدث عن معلومات لمخطوطات جميعها ألفت باللغة العربية في العصور الإسلامية المبكرة وفي مرحلة النهضة الفكرية والتدوين، تتحدث عن الحوار والسجال بين الأديان عبر “الأئمة والبابوات والرهبان”.
ومن أمثلتها “أصول الدين وشفاء المؤمنين” لـ”دانيال بن الحطاب السرياني” في القرن الرابع عشر ميلاديا، ويرد فيه على الانتقادات الإسلامية للمسيحية، ومنها أيضا كتاب “البرهان على صحيح الإيمان” لمؤلفه “مطران نصيبين النسطوري” في عام 1222م.

ويكمل الكاتب ملاحظاته عن اهتمام الأديان ببعضها البعض منذ القرن التاسع عشر، معددا المبادرات المسيحية المهتمة بالإسلام والتراث الإسلامي والحوار الإسلامي المسيحي، والتي بدأت وجهة الحوار معها تأخذ أبعادا مشتركة وآفاق عمل ممكنة، وخاصة في الفكر والأخلاق والإصلاح الاجتماعي والحياة المشتركة وتشجيع التدين بشكل عام.

فالدّين يمكن أن يكون مورداً للتّنمية والسّلام، وتستطيع المؤسّسات الدينية والسياسية وخاصّة في البلاد العربية وحوض البحر المتوسط أن تجعل من الدين عاملاً أساسياً في التعاون ومواجهة الأزمات والمشكلات بدلاً من الاستدراج إلى العداوة والتطرف.

13