تحت دكة أم كلثوم

السبت 2017/07/22

وهذه أغنية بديعة من بدائع الكوكب أم كلثوم واسمها “ليلي ونهاري” كتبها عبدالفتاح مصطفى ولحنها العبقريّ رياض السنباطي، كما تشير اللوحة التراثية النائمة على أسفل شاشة التلفزيون.

سماع السيدة سيحملني فورا صوب حانات ومانات بغداد العباسية الحبيبة، وكنت قد دخلتُ بعضها فتى يبيع السكائر، ثم كبرت الأيام فذهبت إلى موائدها شاربا منتشيا رافعا كأس العرق السمينة بصحة الأصدقاء المفلسين أو الزبائن الآخرين الذين سيزحفون إلى مائدتنا الفقيرة بعد أن تقنص آذانهم جملة قصصية رائعة أو بيت شعر مموسق يكاد يرقص وهو من الصنف الذي نحبه في حال السكر ونمقته أو نتندر به حال عودة الوعي.

هذه المرة لم أتبعثر وأنشغل بكلمات تلك الأغنية التي أحفظها بقوة تلميذ ابتدائي جبان، بل رحت أراقب الجمهور الأنيق الذي يعيش السلطنة والخدر اللذيذ على آهات ثومة العظيمة والعازفين الذين أستثني منهم عازف العود المغدور الذي بدا عمله غير مسموع، تماما مثل ذاك الكائن الذي أطلق عفطة غير مخجلة بخاصرة سوق الصفارين.

كانت لعبة مسلية وأنا أراقب وجوه الناس المكبوسة داخل الصالة الكبيرة، فهذا بدا بجانب زوجته وقد استبدّ به العشق إلى الحدّ الذي صار فيه يقف على طوله كلما أنهت ثومة المدهشة قطعة من الأغنية ليطلب منها بصوت عال أن تعيد تلاوة المقطع من جديد.

في الواقع لم تعجبني تلك الحركات الرقيعة التي قام بها هذا الزوج النذل، وقدرت أن حماسته الفائضة تلك قد تكون بمثابة قناع يخفي وراءه خيانة زوجية بائنة.

أما الفئات العمرية التي كانت في الصالة فتقديراتي تقول إن أزيدهم قد مات الآن، ومن لم يمت حتى اللحظة فحتما هو من تعيسي الحظ وقد يعاني الليلة من خلل في عضلات وصمامات السيطرة على فعل التبول، أو أن زوجته الثالثة ستضع له نفر الكباب في هارسة عصير الفاكهة كي يتمكن من شفطه وسرطه بيسر مدفوعا بعشر لذة استطعامية غاربة.

ذهبت عين الكاميرا الآن إلى وجه عبوس غليظ محاط بامرأتين، واحدة بدت مثل ابنته والثانية هي زوجته على الأرجح.

كان الرجل راكزا فوق مقعده مهيبا لا تعرف اتجاه بوصلة عاطفته والاحتمال الأكثر عقلانية هو أن هذا الكائن الضخم الذي يشبه عبدالرزاق أبوعارف مالك سينما بابل، قد جاء إلى الحفل مكرها وتحت ضغط هائل من ابنته وبعلته وقد صرف راتب الشهر الأخير كله من أجل ثلاثة مقاعد مشتولة تحت دكة أم كلثوم المنعشة.

24