"تحت سماء" وثائقي يرصد وطأة اغتراب السوريين عن وطنهم

"تحت سماء" فيلم وثائقي للمخرج السوري يامن عبدالنور يرصد حياة عدد من السوريين في القاهرة، للوهلة الأولى ومن بعيد، تبدو الحكاية عادية جدا وربما مثالية للكثيرين، ولكن بالاقتراب منهم ومن دواخلهم ينتفي ذلك الإحساس الأول، وينكشف حجم المعاناة والغربة، ووطأة الحنين التي يعانون منها.
الثلاثاء 2015/09/29
فيلم كتب بشاعرية ليجسّد لوعة الحنين

“يسير الغريب في حيّ ضوضاؤه تصمّ الآذان، وهو الذي لثم صدر أمه في نفس هذا المحيط منذ أربعين عاما. وإذا كان الذي عاش مذ جنينا هنا، لم يحتمل أبعاد الزمان في هذا المكان، فكيف للغريب أن يحتمل، ولو حتى هديل حمامة غريبة، تئنّ في أذنه، يسير الغريب باحثا عن أنثى يحتمي في جوفها، من عذاب الطنين، ويبقى الغريب غريبا.. ويبقى للطنين حق امتلاك الطريق”.

هذا المقطع الشعري جزء من الفيلم الوثائقي، الذي يحمل عنوان “تحت سماء” للمخرج السوري يامن عبدالنور، وهو عبارة عن مشروع تخرج له، عمل عليه منذ ما يقرب من عامين.

يتحدث يامن عبدالنور عن فكرة فيلمه قائلا “كثيرا ما تم العمل على صناعة أفلام تتحدث عن المأساة السورية، وحالات العمل بشكل غير إنساني لساعات طويلة، وبأجور بخسة، وبالإضافة إلى هذا كانت تأتينا أحيانا من بعض الموجودين في الداخل السوري عند الحديث عن أوضاع البلد ردود فعل بأنك خارج البلد ولا تعيش ما نعيش، وليس من حقك الكلام”.

ويوضح مستنكرا هذا الإقصاء “لذا كان هناك رد عندما يكون أحدهم خارج البلد، في ظل الظروف الراهنة، مع عدم قدرته على العودة لأسباب مختلفة، وما زال أهله هناك ويعيش دائما حالة الخوف من أن يصيبهم شيء، كل ذلك، من قال بأنه ليس بالمصيبة الكبرى؟ إضافة إلى أن من هم خارج البلد ولا يعايشون الواقع إلى الآن غير قادرين على التأقلم”.

ويضيف “كانت فكرة الفيلم هي الحديث عن أشخاص يعيشون حياة لا بأس فيها أو جيدة في القاهرة، حتى يخيّل للبعض أنهم مستقرون ومندمجون تماما مع هذا المجتمع الجديد، ولكن إذا اقتربنا منهم أكثر ودخلنا إلى أعماقهم.. ماذا سنجد؟”.

فيلم شعري

يلفت يامن عبدالنور إلى أن الفيلم عبارة عن سلسلة من القطع الشعرية التي تحمل عنوان “من القاهرة هنا سوري” بدأ كتابتها منذ عامين، وهي تتناول مواضيع عدة بعناوين فرعية يجمعها العنوان الموحد “من القاهرة هنا سوري”.

ويؤكد عبدالنور أن تجربة اغترابه عن الوطن، وما لحق بها من الحنين والشوق إلى الإحساس بالخوف الدائم على أهله في سوريا، إلى استقبال خبر موت أشخاص عديدين دون قدرته على حضور جنازتهم لتوديعهم، أصابه بحالة الشتات، ورفض كل شيء غريب في لحظة من اللحظات والانغلاق على الذات لفترة، كانت هي الوقود الذي كتب به المقاطع الشعرية المستخدمة في الفيلم، والتي حولها إلى صورة سينمائية في ما بعد.

عبدالنور قصد اختيار أشخاص يعيشون حالة مادية جيدة، ولهم إنجازاتهم، ولكن كل هذا لا يعني أنهم على ما يرام

وعن الشخصيات التي اختارها عبدالنور يقول “اخترت ست شخصيات غير الأطفال لتوصيل ما أريد، وهم سهيل يزبك المقيم في القاهرة منذ 22 سنة، وهو فنان وعازف عود وله اسم بمصر في الوسط الفني، وطارق عبيد المقيم منذ عام 2007، حيث أتى ليدرس التمثيل في المعهد العالي للفنون المسرحية، وتخرج منه وحاول المتابعة للدخول إلى مجال الدراما في مصر”.

ويتابع “وهناك أيضا عادل يزبك وهو شاب يطمح إلى دراسة التمثيل، وفي لحظة كان مجبرا على الخروج من البلد، وهو مقيم الآن في القاهرة منـذ سنتين ونصف تقريبا ويعمل في مجال الدوبلاج، ورفاه الخطيب، وهي مذيعة كانت تعمل في الصين لأربع سنوات ثم جاءت لمصر منذ ثلاث سنوات، علاوة على أروى صابوني وهي سيدة من مدينة حلب أيضا خـرجت من سوريا مجبرة، واستطاعت أن تعمـل على مشـاريع دعـم نفسي للسوريـين، وتحديدا المرأة والطفل السوريين”.

ويستطرد قائلا “وأخيرا عبدالرحمن كوجر وهو فنان تعلم العود منذ صغره ثم تحول للكمان، وبعدها اضطر للسفر أيضا بسبب الأوضاع وقدم أوراقه للمعهد العالي للموسيقى العربية في القاهرة، بالإضافة إلى الأطفـال وهم زبـدة الفيلم والصفعة فيه أيضا”.

ويتحدث عن مراحل الإعداد للعمل قائلا “تمّت زيارة أماكن التصوير ومعاينتها والتي هي في الغالب منازل الشخصيات والأماكن التي يرتادونها بكثرة ويحبون التواجد فيها، وبدأنا التصوير واستمررنا 11 يوما، ثم توقفنا وعاودت بعدها استكمال بعض اللقطات التي شعرت بأنها تنقصني واستمر ذلك لمدة ستة أيام”.

عن سبب تغيير اسم الفيلم من “من القاهرة هنا سوري” إلى “تحت سماء”، يوضح عبدالنور أن الفيلم وخاصة الوثائقي هو كالطفل، يقوم الوالدان بتربيته وتعليمه وزرع أشياء معينة فيه ليكبر بطريقة معينة، ولكن في لحظة يصبح هذا الطفل كيانا مستقلا، ولا تبقى أمام الوالدين إلاّ مراقبة ابنهما وهو يختار ما يريد.. وهكذا اختار الفيلم اسمه وفقا للأحداث التي يرويها، ووفقا للتحول الدرامي به، واختار أيضا مدته، إذ أبى الفيلم أن يكون أكثر من 39 دقيقة و40 ثانية.

وفي ما يتعلق بالصعوبات التي واجهته في تصوير الفيلم، يقول عبدالنور “كانت الصعوبة الأولى هي كيف أحول المادة الشعرية إلى لغة سينمائية، ولكن وثائقية، فالكلمة لا تشبه الصورة، وللوصول بالصورة إلى مكان تعبر فيه عن كلمة ما، أصبح حينها الأمر صعبا من حيث تحديد طريقة تصوير الفيلم.. وكيف سأبحر مع كل شخصية في عالمها الخاص وأسمع حكايتها، فأجعل من هذه الحكاية مع لقطات الشخصية مناسبة للغة الشعر”.

ويضيف “تجاوزت أول مرحلة، وكانت الصعوبة بعدها كيف سأصنع من هذه المواد فيلما يؤدّي ما أريد في مرحلة المونتاج، كيف سيتم تركيب الفيلم، وهذا الأمر في الوثائقي عموما صعب، لأن المخرج يكون أمام عدد هائل من اللقطات وكل لقطة وراء أخرى لها معنى يتغير بإزالة إحداها”.

ويتابع عبدالنور “سير عملية التصوير كان سهلا عموما، ولم أواجه تلك الصعوبات الكبيرة إلاّ في بعض اللقطات التي كنت أريدها واستغنيت عنها، لمشاكل تتعلق بتصاريح التصوير في الشوارع، مضاف إليها أنني سوري، والوضع الأمني للسوريين في مصر ليس مريحا، وهم دوما محط أنظار الأمن وأي تحرك قد يشعر الأمن بعدم الاطمئنان”.

وعن سبب اعتماده على أشخاص عاديين غير معروفين بشكل كبير كأبطال لفيلمه يقول “لم أعتمد على شخصيات معروفة، لأن هدفي الحالة الإنسانية المتمثلة في الشوق والحنين والخوف ومحاولة التأقلم وفشل هذه المحاولة، لذا لا يهمني إن كان كاتبا أو رساما أو أيا كان، هو إنسان سيعاني من هذه الأمور أيا كانت صفته ومستواه الثقافي أو الفني، وقصدت اللجوء إلى أشخاص عاديين أثبتوا جدارتهم في المجتمع الجديد، الذي يحاولون أن يجعلوا منه وطنا بديلا، كما قصدت اختيار أشخاص يعيشون حالة مادية جيدة نوعا ما، لهم إنجازاتهم، ولكن كل هذا لا يعني أنهم على ما يرام”.

تجربة ذاتية

يروي عبدالنور ظروفه الشخصية التي خلقت بداخله الدافع لإخراج فيلم يتناول تلك المأساة قائلا “بعد أن تخرجت من المعهد المتوسط لتعويضات الأسنان من جامعة دمشق، بدأت رحلة دراسة التمثيل المسرحي بشكل خاص، وحاولت الالتحاق عدة مرات بالمعهد العالي للفنون المسرحية بسوريا، ولكن المحاولات باءت بالفشل، في تلك الفترة كنت أريد إنهاء دراسة التمثيل لأدرس بعدها الإخراج، لكن ظروف البلد أجبرتني أن أسافر قبل بدء الدراسة بعدة أشهر”.

المخرج يبحر مع كل شخصية في عالمها الخاص ويسمع حكايتها، ليجعل من هذه الحكاية مناسبة للغة الشعر

ويضيف متذكرا “لا أعرف إلى الآن كيف كنت أتدبر أموري بأعمال صغيرة لا تمت إلى الفن بأي صلة كي أستطيع تأمين أكلي وشربي، بعدها بدأت العمل في مجال الدوبلاج السوري كممثل في بعض المسلسلات التركية والمكسيكية التي نفذت في القاهرة بسبب وجود عدد لا بأس به من الممثلين السوريين، وتابعت بعدها لأصبح مخرج الحوار لهذه الأعمال مع واحدة من أهم شركات الدوبلاج في مصر”.

حينها اختفى عمله السوري فجأة، حيث لم تعد هناك أي أعمال تنفذ إلى الوثائقي والكرتون لقنوات مثل “ديسكفري” أو “الجزيرة الوثائقية” وأعمال كرتون لـ“ديزني” و“سوني” وغيرها.

ويضيف “تجربتي كانت هي الانطلاقة الرئيسية لفكرة الفيلم وصناعته، وكانت الفكرة أن أقدم شيئا يشبهني ويمسني لكي يتسم بالصدق أكثر، لذا مؤكد أنني لن أقوم بعمل فيلم وثائقي عن مهنة ما أو منطقة ما في القاهرة، بينما يستطيع المصري تقديمها بشكل أفضل مني”.

وفي ما يتعلق بمشاريعه المستقبلية يوضح عبدالنور “أعمل حاليا على نص فيلم روائي قصير ذي طبعة سوريالية، ويمكن أن أقول عنه فيلم تجريبي أريد أن أتكلم فيه عن الأنثى”.

كما أنه بصدد تجهيز نص لفيلم روائي قصير يتحدث فيه عن شابين سوريين في مصر أيضا وحياتهم، أما مشروعه الأكبر فهو الوصول إلى أوروبا ومراكمة خبرته محاولا العمل في المجال السينمائي هناك.

ويختم قائلا “أريد العمل في أوروبا كي أستطيع التعبير عمّا أريد دون القيود الموجودة في بلداننا، إلى أن أكتسب خبرة تؤهلني للعودة إلى سوريا لتحسين السينما شبه الغائبة”.

16