تحت مياه العولمة

الجمعة 2017/10/27

“العالم القديم انتهى، والعالم الجديد يتصارع للوجود: إنه زمن الوحوش”، ليس هذا الوصف للعالم الذي نعيش فيه، هو وصف حديث العهد للمفكر والمُنظّر السياسي الإيطالي أنطونيو غرامشي، إذ توفي سنة 1937، تاركا وراءه إرثا فكريا يعكس مدى التشظي الذي وصل إليه، واستقر فيه العالم الآن.

أما إذا أردنا اختصارا بصريا، ورمزيا لهذا التشظي والتفكك العائم، بصمت، وليس الغارق/ المهترئ تحت مياه “العولمة”، فما علينا إلاّ التأمل في لوحات للفنان الإيراني المُعاصر آيدين آغداشلو (من مواليد 1940).

وإن كانت تجربته الفنية وثيقة الصلة مع الإرث الفني الفارسي ولا سيما في السنوات التي سبقت وتلت الثورة الإيرانية، فإن مجموعتين من أعماله، وربما الأشهر “شفاعة الملائكة” و”ذكريات التحطيم” تنطقان بصريا وببلاغة عمّا يعيشه العالم غير الأوروبي، وغير الأميركي من تشظيات بليغة في الهوية وفي سياق العيش اليومي المجبول بالتقاتل والفساد والدمار والدم المهدور بمجانية غير مسبوقة. تشظيات تبلورت بصريا في لوحاته بمتكسرات وبقايا مضيئة من تاريخ عامر وغير بعيد.

أعماله لا تكتفي بلفت النظر إلى ما ذكرناه، بل تحرض على إعادة قراءة أقوال خبيثة، من قبيل “العالم قرية صغيرة”، أرادت ولا تزال تسعى إلى رسم صورة حميمية لعالم جديد يشرّع ذراعيه ليحتضن الآخر بكل اختلافاته، بينما هو في حقيقته طغيان الأقوى على الأضعف، وإن ذلك يعني في الكثير من الأحيان امّحاء لهويات ثقافية تحت ثقل ثقافات غربية تريد أن تكون هي وحدها الواجهة والمرجع، ولها فقط المُستقبل.

لوحات الفنان الإيراني تشكل في هذا السياق بالتحديد، وفي مجموعته التي تحمل عنوان “ذاكرة التحطيم”، ترسيما وتظهيرا للبحيرات المظلمة التي يشكل وجودها الجزء الأكبر من تلك “القرية الصغيرة”، والمشبوهة.

لوحات لم تكتف بتصوير ماء البحيرات الداكن، بل ببث الضوء إلى ما يحتضنه هذا الماء من تشظيات لأواني خزفية وتراثية تطفو كل واحدة منها في وحدتها وعلى حدة.

قطع محطمة وتشظيات استطاعت أن تحافظ على روعة زرقتها وهويتها التاريخية وزخارفها ومعالمها الحروفية الباهرة، فبدت وكأنها أجزاء من أشياء ثمينة دبّت فيها الحياة فنجت من غرقها الكامل في خلفية سوداء، تحيل المُشاهد إلى عمق مياه المحيطات أو البحيرات حيث لا ينتشر، بل، لا يصل الضوء.

قال آيدين آغداشلو عن هذه المجموعة، ما يؤكد على نزعة النجاة المُتمثلة في أجزاء خزفيات وأوان رائعة الجمال رسمها الفنان تطفو ولا تغرق في العتمة المائعة، حيث يقول “معظم أعمالي تحطم الأشياء والمعالم الفنية الجميلة، ولكن حياتي عملية معكوسة للوحاتي، إنّ الأشياء في لوحاتي متحطمة ومكسورة ومتجهة نحو العدم، لكنني لن أكسر شيئا في حياتي، ولكوني مرمّما أقوم بصيانة الأعمال الفنية، أحاول أن أمنح حياة جديدة للأشياء التي تتجه نحو الموت”.

أما مجموعته الثانية فتحمل عنوان “شفاعة الملائكة”، فقال عنها آغداشلو إنها تمثل “أشخاصا واقفين وحيدين يشعرون بالغربة ويصبغ غربتهم وبؤسهم ملاكٌ زاهي الألوان، بألوان مثل الذهبي والكحلي والأخضر والأحمر”، غير أن ما قد يراه المُشاهد لهذه الأعمال هو مغاير تماما لقول الفنان، إذ تبدو في تلك اللوحات أنصاف أجساد عارية غلبتها كآبة لون رمادي، تدير ظهرها لنا وبعضها الآخر يواجهنا بنظرات بعيدة كل البعد عن الرغبة في عقد التواصل.

أما الأجزاء الملونة والمُذهبة الوحيدة في تلك اللوحات فهي صغيرة، ولكن وامضة وتحاكي في بعض الأحيان أشكال أجنحة متكسرة مُعلقة، لا هي هاوية ولا خافقة، ويشكل وجودها دليلا على النجاة، نجاة الخاص في صميم غيم الرماد العام، وفي لوحات أخرى تنسلخ من الأجساد الرمادية اللون شظايا ملونة رقيقة كالأوراق لتُظهر دماء تخثّرت من خلفها.

إنه فعلا “زمن الوحوش”، كما قال المفكر أنطونيو غرامشي، وحوش تريد اختناقك تحت ماء العولمة مُستخدمة مواطن قوتك أنت، ولن تستطيع.

ناقدة لبنانية

17
مقالات ذات صلة