تحجيم المخابرات تمهيدا لإعلان ترشيح بوتفليقة لولاية جديدة

السبت 2013/10/26
عزز بوتفليقة نفوذه في الأجهزة الأمنية والعسكرية رغم ما يبدو عليه من إعياء

الجزائر – تعيش النخبة السياسيّة في الجزائر هذه الأيّام على وقع الانتظار لما يُكشف من خطوات وقرارات جديدة يتّخذها الرئيس عبد العزيز بوتفليقة، تمهيدا لإعلان ترشّحه لولاية رئاسيّة رابعة أو تعبيد طريق الانتخابات لأحد الموالين له. ومن ثمّة فإنّ ما أقدم عليه بوتفليقة مؤخرا من تحجيم لصلاحيّات جهاز المخابرات لا يمكن أن يندرج إلاّ في نطاق هذا النهج، الذي أبى أن يبوح بأسراره دُفعة واحدة.

وكشف رئيس حزب «جبهة التحرير الوطني» الحاكم في الجزائر عمار سعيداني أنّ الرئيس عبد العزيز بوتفليقة يريد الإسراع بإجراء إصلاحات دستورية قبل عام 2014، بهدف إنهاء دور جهاز المخابرات كلاعب مؤثر في السياسة.

ولم يتردّد عمار سعيداني في تأكيد أنّ بوتفليقة هو مرشّح الحزب الحاكم في الانتخابات، وهو ما فُهم في علاقته بالسعي الدؤوب حاليّا إلى محاصرة الدور المحدّد لجهاز المخابرات في المشهد السياسي في الجزائر.

في هذا الصدد، قال رئيس الحزب الحاكم المعروف بولائه لبوتفليقة، في مقابلة مع رويتر، «إنه مرشحنا ولا مرشح لانتخابات الرئاسة غير بوتفليقة». وأوضح عند سؤاله عمّا سيحدث إذا رفض بوتفليقة الترشح أنّه «من السابق لأوانه الحديث في هذا الأمر الآن.»

يُذكر أنّ رئاسة الجمهورية الجزائرية كانت قد أعلنت، أمس الأوّل أيضا، عن تغييرات واسعة في سلك الولاة على معظم محافظات البلاد، وخاصّة بعد ترقية أربعة ولاة إلى وزراء في التعديل الحكومي الأخير.

وشملت حركة تغيير المحافظين تدوير 15 واليا، دون اعتبار والي الجزائر العاصمة الذي دُعي إلى مهام أخرى، لم يتم تحديدها بعد.

والملفت للانتباه في هذه التغييرات أنّها اقترنت بعزل الأمين العام لوزارة الداخلية عبد القادر والي الذي تمّت إحالته إلى التقاعد. وقد اكتفى بيان رئاسة الجمهورية بالإشارة إلى تعيين أحمد عدلي والي غرداية أمينا عاما لوزارة الداخلية والجماعات المحلية خلفا لوالي عبد القادر الذي أحيل على التقاعد.

والمعلوم أنّ أي تدخّل مباشر لتحجيم دور جهاز الاستعلامات والأمن (المخابرات الجزائرية) من شأنه أن يُشكّل هزّة معتبرة في الجزائر.

في هذا السياق يرى مراقبون أن جهاز المخابرات يحكم من وراء الكواليس في الجزائر من خلال نخبة بجبهة التحرير الوطني منذ استقلال البلاد عن فرنسا عام 1962.

كما قد تحدّد الحملة التي تجري في هذا الاتجاه، باعتبارها جزءا من الصراع على السلطة بين جبهة التحرير الوطني ورئيس المخابرات محمد مدين، ما إذا كان بوتفليقة سيرشّح نفسه لولاية رئاسيّة رابعة أم سيتنحّى لأحد المقرّبين إليه، حسب توقعات الكثيرين.

وقال سعيداني إن بوتفليقة عازم على تقييد النفوذ السياسي لجهاز المخابرات، مؤكدا أنّ «المخابرات ستستمر في القيام بدورها لكنها لن تتدخل في السياسة، بما في ذلك الأحزاب السياسية والإعلام والقضاء»، وأضاف أنّ الإصلاحات الدستورية ستضع تعريفات واضحة لأدوار أجهزة الأمن والجيش.

ومضى رئيس «جبهة التحرير الوطني» يمتدح رئيسه، في مؤشّر على بداية حملة انتخابية سابقة لأوانها لبوتفليقة، قائلا إن عهد تدخل الجهات صاحبة النفوذ في السياسة انتهى «لأن بوتفليقة يريد بناء دولة مدنية»، حسب قوله.

ولا خلاف على أنّ الساحة الجزائريّة، في بعديها السياسي والأمني، تبدو اليوم تحت المجهر. وعليه، تجري متابعة دقيقة للتغييرات في القيادة السياسية الجزائرية، نظرا إلى أنّ الجزائر تُعدّ إحدى أكبر الدول المصدّرة للغاز والنفط إلى دول الاتحاد الأوروبي، كما أنّها شريك رئيسي للولايات المتحدة الأميركية في محاربة المتشددين الإسلاميين في المغرب العربي ومنطقة الصحراء والساحل.

والجدير بالذكر أنّه من المنتظر أن يؤدّي وزير الخارجية الأميركي جون كيري زيارة رسمية للجزائر خلال الأسبوع الأوّل من نوفمبر وتحديدا يومي 6 و7 من الشهر المقبل، في إطار الدورة الثانية للشراكة الإستراتيجية بين الجزائر والولايات المتحدة .وكان رئيس الوزراء الجزائري عبد المالك سلال قد أعلن الأربعاء رسميا أن كيري سيزور الجزائر مطلع نوفمبر المقبل «لمعرفة وجهة نظرنا بخصوص المسائل الدولية».

وبالنظر إلى ارتباط الجزائر وواشنطن بتعاون وثيق في مكافحة الإرهاب وخاصة في مجال تبادل المعلومات، فإنّه من المتوقع أن يكون ملف الاضطرابات الأمنية في تونس وليبيا وبالخصوص الواقعة منها على الحدود الجزائريّة في قلب المحادثات بين البلدين. وهذا بالإضافة إلى بحث تطوّرات قضيّة الصحراء المغربيّة في ضوء إصرار الجزائر على دعم جبهة البوليساريو الانفصاليّة.

ويُذكر، في هذا الصدد، أنّ وزير الخارجيّة الأميركي سيغادر الجزائر في اتجاه المغرب، حيث يمضي زيارة تستمرّ يومي 7 و8 نوفمبر المقبل، وتنظر في البعد الإستراتيجي للعلاقات القائمة بين البلدين على كافة الأصعدة.

وقد حاول عبد المالك سلال إدراج الزيارة المرتقبة لرئيس الدبلوماسية الأميركية للبلاد في نطاق الدور المحوري الذي أضحت تضطلع به الجزائر في المنطقة، ولاسيّما في مجال خبرتها الكبرى في مكافحة الإرهاب.

والواضح أنّ واشنطن تريد أن تكون قريبة من الحراك السياسي الدائر في الجزائر، والتأثير في خطوطه العريضة بما يخدم مصالحها ونفوذها المتزايد في المنطقة.

ويرى عدد من المختصين في الشأن الجزائري أنه قد يكون من الصعب تهميش المخابرات بشكل كامل. وقالت مجموعة «أوراسيا» في تقرير أصدرته مؤخرا إن فريق بوتفليقة ربما يسعى إلى تحقيق «تكافؤ في الملعب» مع أجهزة المخابرات قبل الانتخابات، في حين غالبا ما تنفي الحكومة الجزائرية أن البلاد تُدار من خلال اتفاقات سريّة في الغرف المغلقة بين نخبة من الحزب الحاكم والجيش، وبموافقة جهاز المخابرات خصوصا.

ومع ذلك فقد قام بوتفليقة بالحدّ من نفوذ جهاز المخابرات فعليّا، عبر تحويل بعض صلاحياته إلى الجيش الذي يشغل أحد الموالين له الآن منصب رئيس الأركان.

ويمكن لبوتفليقة أن يرشح نفسه مرة أخرى بموجب الدستور، غير أنّ الجزائر تتعرّض لضغوط منذ انتفاضات الربيع العربي في عام 2011 لإنجاز الإصلاحات الدستورية التي وعدت بها وإظهار أنها تعمل على تعزيز الديمقراطية.

2