تحديات الإقليم تفرض غلق آخر جيوب التمرد في السودان

السلطة الانتقالية السودانية تسعى إلى التعامل بإيجابية مع الإرث التاريخي للحركات المسلحة واستيعاب قادتها بما يساعدها على ضبط الأوضاع في المناطق الحدودية.
السبت 2021/03/06
البرهان يراهن على جوبا وكمبالا

سرعّت التحديات الإقليمية، لاسيما في ما يتعلق بالتوترات مع إثيوبيا، خطوات مجلس السيادة السوداني لاستيعاب باقي الحركات المسلحة التي لديها امتدادات في الجوار، وتتحفظ على الانخراط في مسار السلام.

الخرطوم- دفعت جملة من التحدّيات الإقليمية السلطة الانتقالية في السودان إلى المضي قدما باتجاه استكمال عملية السلام وإغلاق ملف المفاوضات مع بعض الحركات المسلحة.

وتقول أوساط سياسية سودانية إن التحرّك المسجل يستهدف سدّ الثغرات أمام أي اختراق من جانب إثيوبيا قد يجعل من هذه الحركات أداة تستهدف تقويض الأمن وزيادة تسخين الأوضاع الهشة على الحدود معها.

وأحدث اللقاء الذي عقده رئيس مجلس السيادة الانتقالي الفريق أول عبدالفتاح البرهان مع رئيس الحركة الشعبية شمال عبدالعزيز الحلو في جوبا، صدى إيجابيا في اليومين الماضيين بالداخل، وأكد الحرص على استكمال بناء السلام، وأن المباحثات المتوقع انطلاقها الشهر الجاري تحظى بتوافق جميع مكونات السلطة.

تماضر الطيب: اهتزاز الأوضاع في بعض أقاليم الهامش يشكل تهديدا مباشرا

وفتح اللقاء الباب أمام تجاوز الخلافات التي عطّلت المباحثات في الفترة الماضية، بعد أن اشترط الحلو إقرار مبدأ علمانية الدولة، أو إعطاء حق تقرير المصير لمنطقتي جنوب كردفان والنيل الأزرق، كموقف تفاوضي لا يقبل التنازل.

وتجمّدت المفاوضات السياسية بين الخرطوم والحركة الشعبية منذ أغسطس الماضي، ودخلت المشاورات غير رسمية بين الطرفين في طريق مسدود، وأخفقت في التوصل إلى فهم مشترك لفكرة علمانية الدولة التي يرى المكون العسكري في مجلس السيادة ضرورة إقرارها عبر مؤتمر دستوري عام.

وربط دبلوماسيون بين الزيارة المفاجئة للبرهان إلى أوغندا الثلاثاء الماضي وبين إمكانية بدء مباحثات رسمية مع حركة جيش تحرير السودان جناح عبدالواحد محمد نور، حيث يقيم منذ شهر نوفمبر الماضي في العاصمة كمبالا.

ومنتظر أن تصبح أوغندا وسيطا لإقناع نور وحركته بالتفاوض الذي ظل رافضا الدخول فيه، حيث اشترط أن يكون مقر الحوار بالخرطوم عقب اندلاع ثورة ديسمبر.

وقالت مصادر سودانية تحدثت لـ”العرب”، إن “أوغندا يمكن أن تلعب دورا مهمّا على مستوى تقريب وجهات النظر مع حركة الحلو أيضا، حيث تربطها صلات قوية بالنظام الحاكم في كمبالا، وتشكل إلى جانب جوبا داعما جديدا للسلام في جولته الثانية مع إمكانية دخول فرنسا التي يحمل جنسيتها نور لتسهيل مهمة الحوار معه”.

وتمثل هذه الخطوة ابتعادا لافتا عن إثيوبيا التي لعبت دورا في ترتيبات بدء المرحلة الانتقالية في السودان، وتضاعف من الخلاف مع أديس أبابا التي تعيش على وقع أزمة متشابكة مع الخرطوم، على صعيدي ملف سد النهضة والأزمة الحدودية، وتدفق اللاجئين من إقليم تيغراي.

ويوحي اعتماد السودان على أوغندا في الوقت الراهن إلى جانب جنوب السودان، بخروج إثيوبيا من الحسابات السياسية في الفترة المقبلة، وأن الأزمة معها ربما تخرج عن السيطرة بعد حدوث اشتباكات بين قوات تابعة للبلدين في منطقة “الفشقة” التي دخلها الجيش السوداني وأحكم السيطرة على أجزاء كبيرة منها.

وتسعى السلطة الانتقالية إلى التعامل بإيجابية مع الإرث التاريخي للحركات المسلحة المرتبطة بقوى إقليمية مجاورة، وترغب في استيعاب قادتها في السلطة المركزية، بما يساعدها على المزيد من ضبط الأوضاع في المناطق الحدودية.

محمد خليفة صديق: مجلس السيادة يريد غلق المنافذ المزعجة لمنع تشتيت جهوده

ويستهدف تحرك البرهان حيال كمبالا تفويت الفرصة على أي محاولات من شأنها تشتيت جهود القوات المسلحة التي سيكون لها دور فاعل في حال تأزم الوضع مع إثيوبيا، ما يجعل الجيش راغبا في الوصول سريعا إلى اتفاق مع جميع الحركات المسلحة التي تعتمد على العمق الإقليمي للسودان لتحييدها على الأقل في هذه المرحلة.

وقال أستاذ العلوم السياسية بجامعة أفريقيا العالمية في الخرطوم، محمد خليفة صديق، إن مجلس السيادة يريد غلق النوافذ المزعجة لمنع تشتيت جهوده في حال وجد نفسه مضطرا إلى الدخول في حرب مع إثيوبيا، ويبعث برسائل مفادها أن هناك جبهة داخلية متماسكة وموحدة وقادرة على التفرغ لإدارة الأزمة مع إثيوبيا بأبعادها المختلفة.

وأضاف في تصريح لـ”العرب”، أن السلطة الانتقالية لديها رغبة في غلق ملف السلام بشكل نهائي وسد آخر جيوب التمرّد، وتعمل ليكون ذلك أحد إنجازاتها باعتباره أول مبادئ الوثيقة الدستورية، ولأهمية الحركتين اللتين لديهما حضورا عسكريا كبيرا.

وباتت الأولوية لعقد لقاءات ومباحثات مع قادة الحركات غير الموقعة على اتفاق تمهيدا لعودتهم إلى الداخل والانخراط في تحقيق السلام كمعيار يثبت قدرة السلطة على ضبط المعادلات المختلفة في البلاد.

ومتوقع أن تصل هذه الجهود إلى مسار الشرق الذي تعثر بسبب الخلافات بين المكونات السياسية والاجتماعية وبين ممثلي اتفاق جوبا لما تشكله تلك المنطقة من أهمية جيوسياسية على البحر الأحمر، كما أنها متاخمة لدولتي إثيوبيا وإريتريا.

ويعتبر مراقبون أن قدرة الحكومة على ضبط مسار الشرق وعقد المؤتمر الجامع لأبناء الإقليم، والذي لم يتحدّد موعده بعد، يمثل تحدّيا لا يقل صعوبة عن الوصول إلى السلام مع حركتي الحلو ونور، نتيجة التباين القبلي والتداخل الحدودي مع إريتريا والتي تقطن بها الكثير من القبائل النافذة في الشرق.

ورفضت الوساطة الأفريقية للسلام في السودان خروقات اتفاقية شرق السودان التي جرى التوقيع عليها ضمن مسارات جوبا، وتركته مفتوحا على احتمالات عديدة، وازدادت أهمية معالجته بعد تلميحات سودانية لمشاركة القوات الإريترية في معارك الفشقة.

ودعا رئيس الوساطة الجنوب سوداني توت قلواك، الأربعاء، كل أطراف اتفاقية شرق السودان إلى الحرص على تنفيذ بنودها، مؤكدا ترحيبه بالمشاركة في أي مؤتمر خاص بالشرق، الأمر الذي ستحاول الخرطوم استغلاله لمنع حدود انفلات جديد.

اعتماد السودان على أوغندا إلى جانب جنوب السودان يوحي بخروج إثيوبيا من الحسابات السياسية في الفترة المقبلة وأن الأزمة معها ربما تخرج عن السيطرة

وأشارت أستاذة العلاقات الدولية بجامعة الخرطوم، تماضر الطيب، إلى أن السلطة الانتقالية تدرك أن استمرار اهتزاز الأوضاع في بعض أقاليم الهامش يشكل تهديدا مباشرا، والوصول إلى سلام داخلي يقلّل من التهديدات عموما، وهناك رغبة في تهيئة الأجواء لتقوم منظمة “إيقاد” بدور فاعل لإنهاء أزمات الحدود بين السودان وجيرانه.

وأضافت في تصريح لـ”العرب”، أن الصعوبات التي تواجه الخرطوم في ملف الترتيبات الأمنية جعلتها على يقين بأنها بحاجة إلى إنجاز سلام شامل، يسير بالتوازي معه اتخاذ خطوات سريعة على طريق تشكيل القوة العسكرية الوطنية المشتركة، ونشرها على نطاق واسع للتعامل مع أي خطر داهم، ويعقب ذلك ضم جميع الجيوش والحركات تحت قيادة القوات المسلحة.

ويقود الوصول إلى هذه الصيغة إلى مضاعفة القوة العسكرية للجيش السوداني، وتمكينه من الدفاع عن أكثر من جبهة، ويسمح بالتفرغ لأي مواجهة مع إثيوبيا، إذا لم تتمكن الخرطوم من معالجة الأزمة الحدودية أو خرجت من عقالها.

2