تحديات الاقتصاد العربي في ميزان أزمة منظمة التجارة

الجمعة 2016/09/23

بالرغم من الاتفاقيات الاقتصادية والتجارية العالمية الموقعة بمدينة بالي في نهاية 2013، وبنيروبي نهاية 2015، ما زالت أهداف جولة الدوحة التنموية للمفاوضات التجارية لمنظمة التجارة العالمية، التي انعقدت بالعاصمة القطرية في نوفمبر 2001 تراوح مكانها.

وقد راهنت دورة الدوحة آنذاك على تصحيح الخلل القائم في العلاقة التجارية التي تربط بين الشمال والجنوب منذ اتفاقيات جولة أوروغواي، وعملت على إقناع جميع الدول الأعضاء في منظمة التجارة العالمية بالعمل جماعيا على تحقيق أهداف الألفية الثالثة في التنمية.

لكن يجمع خبراء الاقتصاد السياسي اليوم على أنه تمّ إفراغ برنامج الدوحة للتنمية من مضمونه، بحيث لم تتحقق الأهداف المسطرة، كما أن تحرير الاقتصاد وسياسة الخصخصة لم تعد بنفس النفع والمصلحة على جميع الدول، إن لم تساهم في ظهور تفاوت فاحش داخل كل واحدة منها.

والواقع أن منظمة التجارة العالمية لم تعد قادرة على تقديم أجوبة لمواجهة تحديات العولمة المتمثلة في الأمن الغذائي وحماية المستهلكين والتحولات المناخية وتأمين فرص العمل وإصلاح التقسيم الدولي للعمل. هذا بالإضافة إلى فقدانها البوصلة بين من يفضل من جهة النظام التجاري متعدّد الأطراف والاتفاقيات الثنائية، أو من يفضل من جهة أخرى الاهتمام بنظام تجاري كثير الأطراف أو مع الجميع.

وفي إطار التكتلات الاقتصادية الكبرى في العالم، فإن التجمعات الإقليمية الثلاثة العربية، المتمثلة في مجلس التعاون الخليجي واتحاد المغرب العربي ومجلس التعاون العربي، الذي تمّ تجميده في 1990 بعد غزو العراق للكويت، مجمدة أو فاعليتها محدودة.

وفي المحصلة لم يحقق الاقتصاد العربي النتائج المرجوة، فالتجارة العربية البينية ضعيفة، والاعتماد على الواردات الغذائية متصاعد بحدة، بينما تعتمد الكثير منها على تصدير النفط والغاز والمواد الخام، مما يجعلها غير قادرة على المنافسة، إذا استثنينا مجال النفط والسياحة وتحويلات المهاجرين، ولا الوقوف في وجه القواعد الاقتصادية والتجارية التي يضعها الأقوياء، وخاصة القاضية بتحرير أسواقها ورسم سياسات اقتصادية بناء على منطق الليبرالية الجديدة.

ويمكـن التمييز حديثـا بين الـدول العربية كـاملة العضـوية في منظمـة التجـارة العالمية، وهي المغرب والكويت والبحرين والأردن ومصر وقطر وتونس وموريتانيا وعمان والسعودية واليمن والإمارات، ومجموعة أخرى مازالت تتمتع بصفة مراقب بحيث يمكن القول إنها إذا نجحت في تصدير بضائعها إلى أسواق عالمية تستقبل منتجاتها من المنسوجات والزراعة بفضل نتائج جولة أوروغواي التي عملت على تخفيض القيود، فإنها مازالت تعاني من الآثار السلبية، حيـث تدفـع الولايات المتحدة والمجموعة الأوروبية مبالغ طائلة لدعم البعض من منتجاتها بينما تطالب فيه الدول النامية بالمزيد من التخفيض في تعـرفتها الجمركية، أي أن الدول الصناعية لا تلتزم حتى بما وعدت به إلى حدّ الآن.

لذلك، فإن النقـاش حول النظـام التجاري متعدّد الأطراف، ليس نقاشا أكاديميا فقط، بل نجد مشروعـين مهمين تجـري من حـولهما مفاوضات سرية يتعلق المشروع الأول بتحرير التجارة في الخدمات، حيث يشارك فيه 23 عضوا من منظمة التجارة العالمية، وهي أستراليا، كندا، الشيلي، كولومبيا، كوستاريكا، كوريا الجنوبية، الولايات المتحدة الأميركية، هونغ كونغ، أيسلنـدا، إسـرائيل، تركيـا، اليـابان، المكسيـك، نيـوزيلانـدا الجديدة، النرويج، باكستان، باناما، باراغواي، البيرو، سويسرا، تايوان، الاتحاد الأوروبي وليختنشتاين.

ويجمع الثاني 14 بلدا، وهي أستراليا، كندا، كوستاريكا، تايوان، الاتحاد الأوروبي، الصين، هونغ كونغ، اليابان، كوريا الجنوبية، نيوزيلاندا الجديدة، النرويج، سويسرا، سنغافورة والولايات المتحدة، حيث تريد تحرير مجمل السلع البيئية. ثم نجد مواضيع أخرى يمكن أن يحصل التوافق بشأنها في اتفاقيات متعددة الأطراف كإلغاء حقوق الجمرك في قطاعات معينة، وكذلك المناخ والطاقة أو السلاسل ذات القيمة العالمية.

وفي مجال التجارة الدولية، يجمع النظام التجاري متعدد الأطراف عددا محدودا من الدول (ثلاثة على الأقل)، ويتعارض في فلسفته مع النظام التجاري كثير الأطراف، حيث تكون أكثرية الدول الأعضاء في منظمة التجارة العالمية أطرافا موقعة، بحيث يتوافقون على قواعد تسهل المبادلات، وتجعلها أكثر إنصافا في قطاع اقتصادي معين بينهم.

لكن هذه الرؤية لا تحظى بإجماع أعضاء منظمة التجارة العالمية، بالرغم من أن الاتفاقية حول تكنولوجيا المعلومات التي تشارك فيها 43 دولة سائرة في طريق النمو من أصل 81 دولة في عام 2016، عادت بالنفع نسبيا على بلدان الجنوب، وارتفعت معه صادرات البلدان السائرة في طريق النمو (أعضاء اتفاقية تكنولوجيا المعلومات) بين 1996-2008 بحوالي 6.33 بالمئة، بينما لم تتجاوز صادرات الدول المتقدمة أعضاء الاتفاقية نسبة 2.7 بالمئة.

ومع ذلك، تعارض أغلب البلدان هذا النموذج من تنظيم التجارة الدولية، بحيث أعربت الكثير من الدول الصاعدة كالهند والبرازيل مثلا عن قلقهما من المفاوضات المتعددة الأطراف حول قطاع الخدمات.

وعليه، فإن استثمار توجهات الدول العربية في تحرير اقتصادها والخروج من اقتصاد الريع يفرض أولا بناء عقلية اقتصادية تستند على تكوين إنسان عربي مبدع وحرّ، ينتج الثروة قبل أن يكون مستهلكا ومنفقا لها. ثم يمكن بموازاة ذلك البنـاء تنويـع شـراكاتها الاقتصادية بالانفتاح على سائر الدول، وفتح أسواقها أولا لبعضها البعض بأشكال أكثر مرونة، كما الاستفادة من وجود اختلافات في وجهات النظر في الساحة الاقتصادية العـالميـة مـن حيـث تحصيل الفـوائد المـرجـوة من مشاركتها في المنظمة التجارية العالمية.

باحث في جامعة السوربون

11