تحديات البقاء والانتشار أزمة الأغنية في مصر

المطرب المستقل في مصر يواجه مستقبلا غامضا خصوصا خصوصا في ظل ندرة المؤسسات الضخمة والداعمة التي من شأنها أن تدعمه ليحقق الرواج الواسع والاستمرارية.
الأربعاء 2019/02/20
فيروز كراوية تخلت عن الطب لصالح الطرب

تعصف الظروف الاقتصادية والاجتماعية في مصر بالمطربة/ المطرب المستقل وتضعه أمام تحديات البقاء، ويلجأ البعض إلى البحث عن مساحات جديدة من الجماهيرية عبر تقديم ألوان جديدة واستعادة أنماط تراثية بشكل أكثر حداثة. واحدة من هؤلاء، وهي المغنية المصرية الشابة فيروز كراوية، التي تقول لـ”العرب”، إن مزج الموسيقى واستنباط الكلمات غير التقليدية يحملان المطرب المستقل نحو مساحات أوسع من الإبداع وجذب الجمهور.

وائل توفيق

القاهرة - ظهر المطربون المستقلون بكثافة منذ سنوات في الوسط الفني المصري، ولاقت أعمالهم الفنية صدى جيدا لدى الشباب والفتيات، لما أبرزته من أغان سماتها التمرد على المألوف، في الكلمة والشكل والمضمون والأداء.

تواترت أغاني هؤلاء وشملت تنويعات بعيدة عن أغاني الحب والعواطف، وأدخلت موضوعات مستحدثة تمس الواقع السياسي والاجتماعي والاقتصادي، بالإضافة إلى قضايا تمس المرأة والرجل، والتراث الشعبي وفق رؤية معاصرة، وجاء ذلك من خلال اعتماد المزج الموسيقي بين الشرقي والغربي، وخليط من الأنواع المختلفة مثل الروك والجاز والجيبسي.

وبات المطرب المستقل يواجه مستقبلا غامضا في ظل ظروف عامة خانقة، ونُدرة في توفير الكيانات المؤسسية الضخمة التي تدعمه وتعضد موقفه، ليصل إلى شريحة واسعة من الجمهور يحقق له الرواج الواسع، ويمنحه الاستمرارية.

أصبح المطرب أو المطربة أمام تحدي تقديم عمل فريد يمهد له الطريق للاستمرار والازدهار، ومن ضمن هؤلاء المطربين الذين سعوا لتقديم ألوان مميزة ومختلفة، عما هو موجود على الساحة، الفنانة المصرية الشابة فيروز كراوية.

تقول فيروز في حوارها مع “العرب” إن “حياة كل مطرب مقسمة إلى مراحل، الأولى انطلاق شرارته الفنية بأن يتعرف عليه الجمهور، والثانية امتلاكه شعبية وجماهيرية، والثالثة المحافظة على تلك الشعبية، وأغلب المغنين المستقلين يقفون عند المرحلة الأولى دون القدرة على الوصول إلى جمهور أوسع.. تحقيق معادلة الوصول تأتي عبر تقديم أنماط جديدة تجذب شرائح مختلفة”. واختارت فيروز كراوية، التي تركت عملها في مجال الطب لصالح الطرب، العديد من الأدوات المجددة أدخلتها على الأغاني التي قدمتها، منها الاستعانة بكلمات بعض الشعراء الجُدد، واستخدام الآلات الموسيقية التقليدية الشعبية والتراثية، واستعادت بعض المقامات والأنماط الموسيقية المندثرة، وفق رؤية معاصرة مستحدثة يستسيغها الجمهور.

وتؤكد أن ألبوم “قلبك زحام” الذي قدمته في العام 2016 شمل تنويعات موسيقية، وكان رحلة بحث طويلة وشاقة في الموسيقى المحلية بمصر وشمال أفريقيا بعمقهما، وأدخلت نغم السمسمية البورسعيدي، والأغنية الشعبية القاهرية مع الأغنية الصعيدية والفلاحية في أغانيها.

وتتابع “اجتهدت كثيرا في تقديم كل هذه الألوان وفق رؤيتي المعاصرة، واستعملت العديد من الآلات التقليدية التي اختفت تقريبا من الألبومات الغنائية، مثل المزمار والربابة والأرغول والمجرونة والآلات الإيقاعية الشعبية، واستخدمت مقامات قاربت على الاندثار ووضعتها في صيغ حديثة ومقبولة للمستمع المعاصر”.

وكانت من أصعب العمليات التقنية التي واجهتها كراوية تلك المتعلقة بمزج كل ما سبق بالهارموني المستوحى من الجاز، وكيفية إحداث ذلك دون افتعال أو إقحام لعالمين مختلفين، وتضيف “كنت أبحث عن الآفاق التي يمكن أن تتطور فيها وتذهب لها موسيقاي الشعبية في عالم اليوم”.

وتسعى المطربة كراوية إلى التجديد عبر التعاون مع شعراء شباب يقدمون أغاني للمرة الأولى، ومؤلفين موسيقيين مُثقلين بالخبرة، مثل الفنان رمز صبري، وأسامة الهندي، وهمها التعبير عن المشاعر الممزقة والمبـعثرة، وطرح أسئـلة الحياة والمستقبل.

وتوضح لـ”العرب” قائلة “بحثت في دواوين الكثير من الشعراء، مثل عمر طاهر وأمين حداد ومحمد خير، وآمنت بأن الدخول إلى لغتهم في عالم الأغنية يحمل جديدا”.

وتبين كراوية أن الاعتبار الأول لديها ما تقدمه مع الآخرين، لا بمفردها، فلم تطلب من الفنانين المتعاونين معها نسخا من أعمالهم السابقة، وكانت تدفعهم ويدفعونها إلى التجربة خارج حدود ما قدموه من قبل، كي لا تشبه أغنياتها معهم ما قدموه لفنانين آخرين، وتعلمت من الجميع، الجدد بما يحملون من تمرد، والكبار بما يحملون من خبرة.

وتشير فيروز إلى أن طموحها في مشروعها “مزاجنج” كان مكتملا بوجود موسيقيين ومهندس صوت ومخرجة مسؤولة عن صورة المشروع، والجميع يعملون بانتظام معا في ورشة عمل مفتوحة، ويقدمون أفكارهم ويمتلكون جزءا من المشروع.

وتتعدد المعوقات التي تواجه الفنان المستقل ويأتي على رأسها، تحقيق الربح التجاري للاستمرار، ما يخالف صيغة الفن المستقل الذي يشغله مضمونه، والمطرب المستقل لا يقبل التدخل في خيارته الفنية، ويحتاج إلى فضاءات واسعة من الحرية.

ولم تختر فيروز كراوية، أن تستقل إنتاجيا، وتعاونت مع شركات توزيع لألبوماتها ووسائل إعلامية أحيانا، لكن بعض المغامرات الفنية لم تثر بالضرورة اهتمام المنتجين فاضطرت للإقدام عليها متحمّلة مسؤوليتها.

وترى المطربة المصرية الشابة أن رأس المال لم يعد متحكما في القرارات الموسيقية والخيارات الفنية، فالفنان له الرأي الأخير في مُنتجه الموسيقي، بعد التغيرات التي طرأت على مجال صناعة الموسيقى وتوفر بعض المنصات الموسيقية التي يطرح الفنان من خلالها ألبوماته دون الحاجة إلى رأس مال كبير، ويعد مستقلا أيضا مهما كان دور الشركة المنتجة، طالما كان الترويج والتوزيع لمنتجه يقوم على اسمه وليس اسم الشركة، ومع مرور الوقت اختفى دور المنتج من صناعة الموسيقى، والفنان الذي يمتلك حقوق أعماله الفنية أصبح أكثر قيمة في العالم الرقمي.

وتؤكد فيروز على أن الحركة الفنية لن تنتعش مستقبلا، إلّا في وجود حركة سياسية واقتصادية منتعشة، وكلما تحسنت ظروف الاقتصاد والحياة يزيد الاستثمار في الفن ومجالات الترفيه، والمعاناة لا تساعد سوى الفنان الفرد، والقوانين واللوائح وإلغاء المهرجانات والحفلات تعيق الحركة الفنية من التطور والإنتاج.

وتختم فيروز كراوية حوارها مع “العرب” بقولها “التكهنات تشير إلى أننا في نهاية عصر النجاح الساحق والمطلق، من ينجح اليوم يتغير غدا ولا يستطيع الفنان البقاء على القمة وقتا طويلا، لذا يحتاج الفنانون في مصر بالتأكيد إلى كيانات إدارية ومؤسسية تستطيع الاستفادة من المحتوى الغزير وتوسيع قاعدة المهرجانات الفنية والحفلات المتنوعة، وإيصال كل نوع موسيقي إلى جمهوره المستهدف”.

16