تحديات الجمهورية التونسية الثانية: من أين يبدأ السبسي

الأربعاء 2014/12/24
التونسيون بمختلف شرائحهم يعولون على حنكة السبسي وخبرته لتجاوز الأوضاع الصعبة التي أثقلت كواهلهم

تونس -ملفات حارقة تلك التي يتعيّن على الباجي قايد السبسي مرشّح حزب "نداء تونس" الفائز بالجولة الثانية للانتخابات الرئاسية التي جرت، الأحد الماضي، بكامل مناطق البلاد، إيجاد حلول جذرية لها، أهمّها النهوض بالقطاعات الاقتصادية، وتبديد شبح الإرهاب، واستعادة ثقة 44 بالمئة من التونسيين الذين قاطعوا صناديق الاقتراع، مما يطرح عليه العديد من التحديات المقبلة، ويؤهله ليكون “مهندس الجمهورية الثانية” في تونس، وفق عدد من المحللين.

فاز الباجي قائد السبسي، مرشّح حزب "نداء تونس" الفائز بالانتخابات التشريعية التي جرت بتونس أواخر أكتوبر الماضي، على منافسه محمد المنصف المرزوقي، المترشّح بصفة مستقلّ، خلال الجولة الثانية والحاسمة للرئاسية التونسية التي تمّ الإعلان عنها من قبل الهيئة العليا المستقلة للانتخابات عن نتائجها الرسمية، أول أمس الاثنين. وقد حصد السبسي أكثر من 1.7 مليون صوت لصالحه، مقـابل 1.3 مليــون صوت للــمرزوقي.

وتضع هذه النتائج المتمخّضة عن أوّل انتخابات رئاسية حرّة بالاقتراع المباشر تشهدها البلاد، حدّا لفترة انتقالية امتدّت لنحو أربع سنوات، عرفت خلالها تونس تقلّبات واضطرابات على كافّة الأصعدة، إثر الحراك الشّعبي والانتفاضة التي هزّت أوصال البلاد في يناير 2011، ورسمت جدارا فاصلا بين حقبة حكم الرئيس التونسي الراحل الحبيب بورقيبة (1957 – 1987) والرئيس الأسبق زين العابدين بن علي (1987 – 2011)، وهي حقبة – أضحت تعرف الآن بـ”الجمهورية الأولى” كونها بدأت في إرساء مؤسسات الدولة لكنّها اتّسمت بعدد من النقائص شّأن غياب التعدّدية السياسية الحقيقية وهيمنة الحزب الواحد على دواليب الدولة، وهو ما لم يعد قائما بعد انتفاضة 2011، وهو كذلك ما يطرح تحديات كبرى على الرئيس الباجي قائد السبسي، الذي كان فوزه محتملا وطبيعيا في نظر أغلب المراقبين، لإنجاح المرحلة القادمة.


كيف كان حصاد فترة حكم الإسلاميين؟


أكثر من سبب وعلى أكثر من صعيد يقف وراء تمكن مرشح حركة نداء تونس، السياسي المخضرم، الباجي قائد السبسي، من حسم المعركة الانتخابية لصالحه أمام منافسه الرئيس المنتهية ولايته محمد المنصف المرزوقي في الدور الثاني من انتخابات تونس الرئاسية، الأحد الماضي.

هناك أسباب عامة تخص الوضع القائم بتونس منذ انتفاضة 2011 إلى اليوم، وأخرى خاصة بالمرشّحيْن الاثنين جعلت جولة الإعادة تحسم لفائدة قائد السبسي.

أمّا في ما يتعلق بالوضعية العامة التي عاشتها البلاد، فتظلّ الأزمة الاقتصادية الحادة التي فاقمت أزمة البطالة وزادت في غلاء الأسعار، هي الأكثر وطأة على التونسيين.

مهمة السبسي لا تبدو يسيرة على الأقل على المدى القريب، من أجل إعادة الاستقرار الذي يبحث عنه التونسيون

وقد تعمّقت تلك الأزمة أكثر بحصول حركة النّهضة الإسلامية على أغلبية نسبية في انتخابات المجلس الوطني التأسيسي في 23 أكتوبر 2011، حيث انضافت إلى الأزمة الاقتصادية أزمة سياسية قسّمت البلاد إلى شقّين؛ “الترويكا” الّتي شكلت الحكومة بعد انتخابات أكتوبر 2011 (ائتلاف بين حركة النهضة والمؤتمر من أجل الجمهورية – المنصف المرزوقي رئيسا، التكتل الديمقراطي من أجل العمل والحريات – مصطفى بن جعفر رئيسا للمجلس الوطني التأسيسي) من جهة، وأغلب الأحزاب السياسية اليسارية والليبرالية حيث نجح الباجي قائد السبسي في ضمّ العديد منها تحت راية حزب حركة نداء تونس الّذي أسّسه في يونيو 2012 من جهة أخرى.

وقد تصاعدت الأعمال الإرهابية بداية من ديسمبر 2012 بعد أن شكل الإرهابيون جيبا لهم في مرتفعات جبال الشعانبي بمحافظة القصرين ومرتفعات محافظات الكاف وجندوبة غربا على الحدود الجزائرية، ثمّ جاءت الاغتيالات السياسية لتعمق الأزمة السياسية لحكومة الترويكا بقيادة النهضة، إذ تمّ اغتيال المعارض اليساري شكري بلعيد في فبراير 2013 والمعارض القومي محمد البراهمي في يوليو 2013.

وقد حمّلت الأحزاب المعارضة على إثر ذلك المسؤولية المعنوية عن تلك الاغتيالات والأعمال الإرهابية إلى حكومة “الترويكا” التي يقودها الإسلاميون.

وقد أدى ذلك إلى إجبار “الترويكا” على التخلي عن الحكم بعد ضغوط سياسية ونقابية مارستها المعارضة والنقابات العمالية ونقابات الأعراف، بتخلي حكومة علي العريض عن السلطة في نهاية يناير 2014 لصالح حكومة كفاءات مستقلة بقيادة مهدي جمعة.


ما الذي أسهم في فوز السبسي؟


بالتوازي مع الفشل الذي اتسمت به فترة حكم الإسلاميين وحلفائهم للبلاد، كان الباجي قايد السبسي السياسي المخضرم، يقدم نفسه وحزبه للتونسيين بتكتيك ذكي كبديل عن “صنّاع ذاك الفشل”، فبدأت منذ تلك اللحظة قاعدته الشعبية في التشكّل والاتّساع شيئا فشيئا.

ونتيجة لذلك كانت انتخابات أكتوبر 2014 التشريعية تحمل معها أولى “بشائر” انهيار منظومة “الترويكا” بالفعل، إذا تراجعت حركة النهضة – صاحبة المركز الأول في انتخابات المجلس التأسيسي عام 2011 - إلى المرتبة الثانية بـ 69 نائب في مجلس نواب خلف المتصدّر حزب حركة نداء تونس (86 نائبا)، فيما مني شريكا النهضة في حكومة “الترويكا” بنتائج هزيلة.

فتحي النوري: "أوّل إنجاز ينتظره التونسيون هو النهوض بالاقتصاد"

وبحكم النتائج الهزيلة التي تحصّل عليها الحزب الذي أسّسه المرزوقي في الانتخابات التشريعية أكتوبر 2014 (4 مقاعد) وغياب مرشح رئاسي لحركة النهضة الإسلامية، التي استندت إلى تقدير خاطئ مفاده أنّها ستفوز بالانتخابات التشريعية، وبالتالي تجنبت تقديم مرشح للرئاسية حتى لا تتُّهم بالسعي لاحتكار الحكم (خاصة وقد ثبت سعيها ذاك للسيطرة على مفاصل الدولة في فترة حكمها)، فقد ذهبت تقديرات الكثيرين مبكّرا إلى القول بفوز السبسي بل إنّ إدارة حملة الباجي قائد السبسي كانت تقدّر فوز مرشحها من الدور الأول من الانتخبات الرئاسية في 23 نوفمبر الماضي.

إلا أن عدم حسم النتيجة من الدور الأول الذي شهد احتلال المرزوقي (الذي دعمته حركة النهضة في الخفاء) للمرتبة الثانية خلف السبسي وبفارق بينهما لا يتجاوز 6 نقاط، شكل “جرس إنذار” لحملة قائد السبسي جعلها تراجع حساباتها وحتى تكتيكاتها وتستعد بشكل أقوى وأكثر فعالية لضمان نجاح مرشحها في الدور الثاني.

وبالفعل، فخلال حملة الدور الثاني للانتخابات الرئاسية بذلت حملة السبسي مجهودات كبيرة لضمان أكبر دعم لمرشحها من القوى السياسية المناهضة للترويكا، خصوصا تلك التي برزت خلال الانتخابات التشريعية الأخيرة وأثبتت ثقلها الانتخابي، مثل حزب الاتحاد الوطني الحر (ليبرالي) لرجل الأعمال سليم الرياحي، والجبهة الشعبية (ائتلاف يساري) بزعامة حمة الهمامي، ويمثلان ثالث ورابع كتلة برلمانية على الترتيب.

وفيما أعلن الاتحاد الوطني الحر، عن دعم صريح للسبسي، إثر خروج مرشحه الرياحي من الدور الأول للرئاسيات، تمخضت مشاورات الجبهة الشعبية اليسارية التي جاء مرشحها الهمامي في الدور الأول في المرتبة الثالثة بأكثر من ربع مليون صوت، على ما يمكن اعتباره “دعما غير معلن” للسبسي، إلى جانب رفض صريح للمرزوقي.

وظهرت أرملة أبرز قادة الجبهة الشعبية، الراحل شكري بلعيد، إلى جانب قائد السبسي في الاجتماع الاختتامي لحملته الانتخابية في شارع بورقيبة بالعاصمة تونس، مؤكدة أنه “سيكشف عن قتلة بلعيد”، في إشارة دعم واضحة من اليسار إلى السبسي.

وقد حظي السبسي أيضا بدعم كتلة الأحزاب ذات المرجعية الدستورية، كما اصطفّ خلفه جزء كبير من رجال الأعمال والفنانين والمثقفين في الحملة الانتخابية.

كلّ هذه العوامل لم تترك مجالا للمفاجأة في نتيجة الانتخابات، بالإضافة إلى حرص الحملة بشكل مفصل ودقيق على أن تضمن لمرشحها كل أسباب الدعم والنجاح على المستويات الحزبية والشعبية والإعلامية، فكان أن أضاف السبسي لرصيده في الدور الثاني 15 نقطة جديدة أكثر من الدور الأول، فيما بقى منافسه على نفس الرصيد تقريبا الذي اعتمد بشكل رئيسي على أنصار حركة النهضة، التي يبدو أنها حصّلت فشلا آخر بهزيمة المرزوقي، وفق مراقبين.

إلى جانب الملفات الاقتصادية والاجتماعية والأمنية، سيجد السبسي نفسه أمام إلزامية إعادة الاعتبار أو الهيبة للدولة


هل ستكون المهمة سهلة؟


تسونامي من الأحداث غيّرت إحداثيات المشهد السياسي التونسي 180 درجة.. من الأحادية الحزبية إلى التعدّدية ومن الدكتاتورية إلى الديمقراطية.. خطى حثيثة تخطوها تونس نحو بناء الدولة الجديدة، بناء تونس الديمقراطية، غير أنّ الطريق لمن سيتكفّل بهذه المهمّة الشائكة لن تكون محفوفة بالورود، وإنّما تنتصب على جوانبها أشواك وتحدّيات بالجملة تجعل مهمّة الرئيس الجديد غير يسيرة بالمرّة.

فبالنسبة للباجي قائد السبسي، وإلى جانب الملفات الاقتصادية والاجتماعية والأمنية، يجدُ نفسه أمام إلزاميّة العمل على جوانب أخرى قد لا يكون لها تشكّل ماديّ واضح، إلاّ أنّها محورية ومصيرية بالنسبة لمن يتأهّب لدخول قصر قرطاج.. أوّلها إعادة الاعتبار أو الهيبة لمنصب رئيس الجمهوريّة، ومحاولة الحصُول على ثقة جميع التونسيّين وخصوصا الشباب منهم.. فهذه الأهداف تعدّ من الأولويّات في هذا السّياق الّذي تعيشه البلاد.

وفي هذا الإطار، عقّب الباحث بمعهد البحوث حول المغرب العربي المعاصر جيروم هيرتو عن هذه الجزئية الأخيرة، قائلا “على الباجي قايد السبسي أن يتّخذ القرارات المناسبة لطمأنة الشّعب التونسي”.

ومن هذا المنطلق، فإنّ مهمّة السبسي لا تبدو يسيرة على الأقلّ على المدى القريب، فإعادة الاستقرار الذي يبحث عنه التونسيون، والذي انتخبوا لأجله “الرجل المناسب”، في نظرهم، تمرّ وجوبا عبر بوابة إنعاش الاقتصاد الّذي جنحت مؤشّراته نحو التراجع، حسب المختصّ التونسي في الشؤون الاقتصادية فتحي النوري، فـ”أوّل إنجاز ينتظره التونسيون هو النهوض باقتصاد ناهزت فيه معدّلات التضخم الـ 5.3 بالمئة وبلغت فيه البطالة الـ 15.2 بالمئة”، حسب بيانات شبه رسمية.

وفي سياق متّصل أوضح النوري، أنّ “السبسي يريد إرساء دولة قوية من الناحية الاقتصادية، ولذلك يتحتّم عليه أن يكون خياره الحكومي استراتيجيا بأتمّ ما تعنيه الكلمة من معنى، إذ عليه أن يختار وزراءه الذين سيحصلون على الحقائب الهامة بدقّة متناهية”.


اقرأ أيضا:


نساء ورجال دعموا فوز السبسي

6