تحديات تواجه زعماء السلفية بالمغرب للانخراط في العملية السياسية

اعتبر محللون وباحثون في الجماعات الإسلامية أن فتح الرباط المجال السياسي أمام بعض قيادات السلفية الجهادية الذين أقدموا على مراجعات ذاتية، هي خطوة ذكية لاحتواء الفكر المتشدد داخل المملكة، ولكن تبقى أمام هذه الزعامات تحديات كبيرة لتثبيت أقدامهم في المشهد المغربي.
الأحد 2016/01/24
بحث عن التموقع

الرباط - ذكرت مصادر مطلعة أن هيئة جديدة سيتم الإعلان عنها في نهاية الشهر الجاري من قبل بعض رموز التيار السلفي الجهادي في مدينة فاس المغربية تحت مسمى “جمعية وطنية”، وهي هيئة تحمل أبعادا دعوية وسياسية وحقوقية.

وأكدت المصادر أن عبدالرزاق سماح المدان بـ20 سنة لتزعمه “حركة المجاهدين بالمغرب”، وحسن الخطاب، زعيم خلية “أنصار المهدي” المدان بالسجن لـ30 سنة، واللذين تم الإفراج عنهما في عفو عام أصدره الملك محمد السادس بمناسبة ذكرى المسيرة الخضراء في نوفمبر الماضي، هما مؤسسا هذه الجمعية، التي تأتي ثمرة لعملية مراجعة ذاتية كانا بدآها في السجن.

وتنبني هذه المراجعة على أحقية تبني “التدافع السلمي المشروع بغية تحقيق التجانس مع الآخر من خلال احترام الخصوصيات والبيئات ومراعاة آليات الاجتهاد”.

وسبق هذا المسعى لتشكيل جمعية وطنية، قيام عبدالكريم الشاذلي الذي يعتبر أحد رموز تنظيم القاعدة في المغرب، بتأسيس “التيار السلفي للإصلاح السياسي”، بعد أن أعلن عن تراجعه عن كل أفكاره السابقة التي تدعو إلى العنف والقتل وتكفير المجتمع والدولة وتحريم الديمقراطية.

وقال عبدالإله سطي الباحث في العلوم السياسية والقانون الدستوري بجامعة محمد الخامس بالرباط والمتخصص في الجماعات الإسلامية ومؤسس لمركز تكامل للدراسات والأبحاث لـ”العرب”: أعتقد أن اتجاه بعض الرموز السلفية التي استفادت من العفو الملكي خلال السنة الماضية إلى الاندماج في الحياة السياسية الرسمية، يأتي في إطار وسياق المراجعات الفكرية والتنظيمية التي انخرطت فيها هذه الأطر السلفية منذ سنوات بعد أن كانت تصنف في خانة السلفية الجهادية التي تكفّر كل من يخرج عن طاعة الشريعة الإسلامية وفق تصوراتها المتطرفة.

وأضاف سطي “إن هناك تحولا جذريا في نظرة بعض التيارات السلفية التي كانت حتى وقت قريب تحرّم المشاركة السياسية، وتعبّر عن معاداتها للديمقراطية، والأحزاب السياسية، وتحرم العمل بكل القوانين الوضعية، إلى الإيمان بالقواعد الرسمية المنظمة للحياة السياسية، ونبذ كل أشكال العنف واحترام الحرية الدينية للآخرين”.

وقال إن “الانخراط في العمل السياسي من قبل هذه الرموز السلفية، هو توجه يريد به أصحابه أن يكون لهم دور في الحياة السياسية المقبلة، والمساهمة في التدافع السياسي مع باقي الفرقاء السياسيين حتى يكون لهم صوت وكلمة في مناخ المشاركة السياسية، وإدراك ما لم تستطع تحقيقه من خلال العمل في الخفاء ومعاداة اللعبة السياسية برمتها”.

ويرى العديد من المتابعين والباحثين بأن عديد التحديات تواجه محاولات هذه الزعامات الجهادية لفرض نفسها على الساحة المغربية.

وأوضح الباحث في شؤون الجماعات الإسلامية إدريس الكنبوري في تصريحات لـ”العرب”، أن هذا التيار لديه فعلا القدرة على استقطاب الشباب المتحمس للأفكار المتشددة ولكن داخل السجون فقط.

وأضاف الكنبوري، أن هذا راجع إلى مناخ الاعتقال ولتجميع السلفيين في نفس المعتقلات ما يسمح بنوع من الاندماج في ما بينهم، تكون نتيجته زيادة التطرف والتشدد.

وبرّر الباحث في الجماعات الإسلامية، رأيه بأن هذه الزعامات السلفية لا تتوفر على الخبرة السياسية الكافية، وليس لديها تصور أو برنامج واضح للعمل السياسي الذي تريده، كما أن المواطنين المغاربة لديهم حساسية من التوجه السلفي بسبب التداعيات السلبية للقضية السلفية بشكل عام، والربط بينها وبين العنف في الذهنية الجماعية، وكذا عدم قدرة هؤلاء السلفيين على إحداث تحولات حقيقية في قناعاتهم.

الزعماء السلفيون لا يتوفرون على الخبرة السياسية الكافية، وليس لديهم تصور أو برنامج واضح للعمل السياسي الذي يريدون

ولا ينظر إلى هذه التحولات في فكر بعض الزعامات المفرج عنها بعيدا عن المتغيرات الإقليمية، فقد ثبت بالتجربة أن الفكر المتشدد لا استمرار له، والسلفيون يعمدون إلى سلك طريق الجماعة السلفية في مصر التي قامت بمراجعة في السجن انتهت بمشاركتها عبر حزب النور جناحها السياسي في العملية السياسية.

ولكن يبقى الوضع في مصر في بعض تفصيلاته مغايرا للمشهد المغربي.

واعتبر جواد الرباع الباحث في العلوم السياسية والقانون الدستوري بجامعة القاضي عياض بمراكش، أن الحركة السلفية أو المكون السلفي في التجربة المغربية، ليس تيارا أو فكرا موحدا بل هناك تعدد وتباين على مستوى الحركة السلفية نفسها، وتعدد في التصورات والمناهج والمواقف نحو العمل السياسي أو المشاركة السياسية، هذا التعدد والتباين يجعل من الحركة جسم مشتت ومتفكك.

وأشار الباحث بجامعة القاضي عياض بمراكش، أن هذا راجع بالأساس إلى مجموعة من العوامل والأسباب، وهيمنة عقلية الزعيم والشيخ التي يعاني منها شيوخ السلفية، فضلا على أن استراتيجية الدولة في السماح لهذا التيار بدور محدود ومتحكم فيه.

وأكد محمد شهيد أستاذ الفكر الإسلامي، لـ”العرب”، أن خيار اندماج بعض القيادات السلفية كأفراد داخل أحزاب متعددة، على أساس الانضباط إلى قوانين الحزب الذي اختاروه، يتوقف على خلفية ومدى جدية الجهة الحزبية التي تبنت هذا الاندماج.

وجدير بالذكر أن العديد من الأحزاب خاصة الضعيفة تحاول اللعب على هذه الورقة كحزب النهضة والفضيلة وحزب الحركة الديمقراطية الاجتماعية..

وبغض النظر عن قدرة هذه القيادات السلفية على فرض نفسها على الساحة المغربية، يقول محللون إن مجرّد فتح الباب أمامها خطوة تحتسب للملك محمد السادس.

ويرى بعض الفقهاء في المغرب أن قيام الملك محمد السادس باحتواء التيار السلفي، يعتبر حلا ناجعا لضبط الخطاب المتطرف والقضاء عليه.

وفي هذا الجانب، قال عبدالحكيم أبو اللوز الباحث المغربي في شأن الديني والسلفية الجهادية في اتصال مع “العرب” إن “هذه المبادرة تأتي في إطار تخطيط بعيد المدى الذي ينتقل من مقاربة أمنية إلى مقاربة إدماجية في المجتمع، وهذه المحاولة تأتي في إطار دمج سياسي واجتماعي لهؤلاء الجهاديين، بحيث أن الدولة المغربية تعمل على الدفع بالسلفيين إلى العمل السياسي والثقافي والاجتماعي بهدف محاربة الإرهاب والتطرف”.

وأضاف أبو اللوز أن” الدولة المغربية ترى بأن السلفيين يشكلون قوة سوسيولوجية بالمجتمع، لذلك فالدولة اليوم تعمل على إدماج هذه القوة وإدخالها للهياكل السياسية الموجودة، معتبرة أن ذلك يساهم في اعتدال الكثير منهم والرفع من وعيهم السياسي”.

وأشار الباحث في الشأن السلفي، إلى أن “مؤسسة إمارة المؤمنين بالمغرب تعتبر جدار عزل لأيّ محاولة لربط الدين بالسياسة، وبالتالي فالمغرب يرى أن إدماج التيارات السلفية على اختلافها في الحقل السياسي فيه دعم للتسامح، ورفض قاطع لأيّ مذهب متطرف يمكنه أن يهدد ثوابت المملكة”.

2