تحديات شاقة تنتظر محافظ البنك المركزي المصري

ساد التفاؤل الأوساط الاقتصادية المصرية بانتهاء مرحلة من السياسات المالية المرتبكة، مع بدء مرحلة جديدة في البنك المركزي، بمحافظ جديد ومجلس تنسيقي للسياسات يضم خبرات عالمية كبيرة.
السبت 2015/11/28
طارق عامر يواجه مهمة التوفيق بين عوامل متناقضة

القاهرة - تنفست الأوساط الاقتصادية المصرية الصعداء أمس، عندما تولى طارق عامر دفة القيادة في البنك المركزي، وسط آمال عريضة من المصرفيين إلى المستثمرين والتجار وصولا إلى صناع السيارات، في أن يتمكن من إصلاح سياسة نقدية قوضت الاستثمار والنمو.

كان تغيير القيادة الذي أعلن الشهر الماضي أفرج عن مشاعر الغضب المكبوتة إزاء المحافظ المنتهية ولايته هشام رامز الذي فرض سقفا على الودائع الدولارية عند 50 ألف دولار شهريا، مما حرم الشركات من العملة الصعبة وأصاب حركة التجارة بالشلل وذلك في خضم دفاعه عن العملة المحلية.

وبدأ عامر رئيس البنك الأهلي السابق، بضخ السيولة في النظام المالي المصاب بالجمود ومن المتوقع على نطاق واسع أن يلغي سقف الإيداع الدولاري.

لكن سيتعين عليه في ظل ارتفاع التضخم والسعر المرتفع للجنيه بفعل عمليات بيع الدولار، التي يقوم بها البنك المركزي أن يوازن بدقة بين السماح للعملة بالانخفاض وتفادي خفض حاد للقيمة سيؤدي إلى تفاقم الاختلالات التي يحاول إصلاحها.

ويتوقع متعاملو السوق السوداء والمصرفيون ورجال الأعمال على حد سواء أن يعمل عامر مع الحكومة لإضعاف الطلب على الدولار عن طريق ترشيد الـواردات ودعـم الصادرات التي أضرت بها القيـود الرأسمالية.

ويعاني الاقتصاد من اختلالات كبيرة منذ انتفاضة 2011 التي أدت إلى عزوف المستثمرين والسياح مما حرم البلد من العملة الأجنبية ووضع الجنيه تحت ضغط حاد.

وتخوفا من تضخم جامح حافظ البنك المركزي على الجنيه داخل نطاق ضيق لكن الضغوط لم تخف.

وفي فبراير فرض رامز سقفا على الإيداع وأجبر البنوك على إعطاء الأولوية للأغذية والأدوية عند توفير الدولارات الشحيحة.

لكن الإجراءات جعلت من الصعب على الشركات تدبير الائتمان لتمويل الواردات ومع تلف سلع في الموانئ وتوقف بعض المصانع عن الإنتاج تهاوت الصادرات 19 بالمئة في الأشهر التسعة الأولى.

وسادت مشاعر الارتياح في مجتمع الأعمال عندما أعلن الرئيس عبدالفتاح السيسي في أكتوبر أن رامز لن يستمر محافظا للبنك المركزي بعد انتهاء مدته في 26 نوفمبر.

وقال رؤوف غبور الرئيس التنفيذي لشركة جي.بي أوتو “ما دام في البنك المركزي أشخاص يديرون الأمور بحكمة… فلن تقع أزمة صرف أجنبي أبدا”. وأضاف أنه إلى جانب إلغاء الإجراءات الوقائية التي اتخذها رامز فإن على عامر رفع أسعار الفائدة أيضا.

محمد النجار: السوق تتوقع رفع قيمة الجنيه في أول عطاء تحت رئاسة طارق عامر

وبدأ عامر وهو مصرفي محنك يعزى إليه الفضل في إنعاش البنك الأهلي المصري المملوك للدولة عقد اجتماعات مع قيادات القطاع منذ الشهر الماضي. وفي غضون أسبوعين وفرت البنوك 1.8 مليار دولار لتصفية متأخرات الاستيراد.

وفي الأسبوع التالي رفعت البنوك أسعار الفائدة على شهادات الإيداع إلى 12.5 بالمئة من حوالي 10 بالمئة في خطوة قال الاقتصاديون إنها تستهدف كبح الدولرة قبيل خفض محتمل لقيمة العملة.

الخطوة التالية لعامر جاءت في 11 نوفمبر عندما رفع البنك المركزي سعر الجنيه 20 قرشا وأمد البنوك بمليار دولار لتلبية نحو 25 بالمئة من عمليات تغطية الحسابات الدولارية على المكشوف لدى البنوك.

وانتقد بعض الاقتصاديين رفع قيمة العملة لكن آخرين قالوا إنه يستهدف المضاربين الذين يراهنون على انخفاض الجنيه كخطوة مرحلية قبل السماح للعملة بالانخفاض لاحقا.

وقال محمد النجار مدير الأبحاث في المروة لتداول الأوراق المالية لوكالة رويترز إن “السوق تتوقع أن يرفع البنك المركزي قيمة الجنيه 10 قروش في أول عطاء لبيع الدولار تحت رئاسة طارق عامر.. هناك توقعات لمفاجأة كبيرة”.

وتلقت توقعات التغيير دعما عندما تم تعيين فاروق العقدة ومحمد العريان في المجلس التنسيقي للبنك المركزي الذي يضم وزراء وخبراء اقتصاديين مكلفين بوضع جدول أعمال السياسة النقدية.

ويعزى إلى العقدة الذي ترأس البنك المركزي من 2003 إلى 2013 الفضل في جلب الاستقرار للجنيه في إطار سياسة للتعويم المحكوم والمساعدة في إقامة سوق للصرف الأجنبي بين البنوك ساهمت في كبح جماح السوق السوداء.

وقال أنغوس بلير رئيس معهد سيجنت للأبحاث الاقتصادية “البنك المركزي شبه مستقل لكن في تلك الظروف سيتعين عليه العمل يدا بيد مع الحكومة للتوصل إلى حلول”.

وفي حين يبدو خفض قيمة العملة في نهاية المطاف أمرا حتميا فإن إصلاح السياسة النقدية لمصر سيتطلب توازنا صعبا.

فالجنيه يبدو أعلى من قيمته الحقيقية بعد التراجعات الحادة في الأسواق الناشئة رغم انخفاضه نحو 10 بالمئة هذا العام. لكن الخفض الحاد لقيمة العملة سيؤجج التضخم في بلد يعتمد على الاستيراد ويعيش الملايين فيه على حد الكفاف مما قد يغذي احتجاجات على غرار تلك التي أطاحت برئيسين في غضون 3 سنوات.

وأعلنت الحكومة هذا الأسبوع أنها ستسيطر على أسعار عشر سلع أساسية في خطوة رأى فيها البعض جهدا لحماية فقراء المصريين من تداعيات التضخم الذي سيسفر عنه خفض قيمة العملة.

ويتوقع محمد السويدي رئيس اتحاد الصناعات المصرية أن تنفذ الحكومة آلية تسعير إرشادية للواردات قبل نهاية السنة لاحتواء الممارسة الشائعة لتفادي الرسوم الجمركية عن طريق تقدير الواردات بأقل من قيمتها الحقيقية في الفواتير.

11