تحديات ما بعد سرت

الخميس 2016/08/18

ليس هناك ما يدعو إلى التشكيك في كلام الناطق الرسمي لعملية البنيان المرصوص العميد محمد الغصري، من أن الموعد صار قريبا ولا تفصلنا عنه غير أيام قليلة، لحسم المعركة ضد داعش، وستكون مدينة سرت بكاملها متحررة من سيطرة قوات داعش، وواقعة بكامل مراكزها وضواحيها تحت سيطرة قوات البنيان المرصوص.

ولا بد من اعتبار هذه المعركة الناجحة ضد الإرهاب في سرت، والحشد العسكري الذي تم إعداده لدخول المعركة وإنجاز النصر، عملا إيجابيا يحسب لصالح المجلس الرئاسي، وحكومة الوفاق التابعة له، ويأخذ مكانه في سجلها كأحد نقاط النجاح، مقابل سلة من الإخفاقات التي لا بد أن تتحول إلى نجاحات إذا أرادت هذه الحكومة البقاء والاستمرار في حكم البلاد.

مرحلة ما بعد سرت ستطرح مجموعة من التحديات على المجلس الرئاسي، ستكون المحك الحقيقي لجدارته بالحكم والاستمرار فيه، وهي التي ستأذن إما بموته ونهاية فعاليته، وإما بفرضه كقوة حقيقية قادرة على تطويع الظروف لصالحها واعتراف الحراك السياسي في شرق البلاد وغربها بها.

أهم ما يأتي على رأس هذه التحديات، واتصالا بموضوع المعركة في سرت، تحويل قوات البنيان المرصوص إلى جزء من الجيش التابع للدولة، بما يقتضيه ذلك من ضبط وتراتبية والتزام بالقوانين العسكرية، فمعروف أن ما يسمى البنيان المرصوص هو تحالف ميليشيات، تتكون في أغلبها من ميليشيات مدينة مصراتة مع ميليشيات من مدن أخرى، ويشهد للعملية العسكرية التي قام بها هذا التحالف، أنه سقط فيها شهداء، ينتمون لأغلب مناطق الوطن، مما يؤكد أنها معركة وطنية بامتياز، وأن هذا التمازج لدم الشهادة وعنوان البذل والعطاء، ساعد على صهر هذه العناصر الميليشياوية في كيان عسكري واحد، يسهل معه أن يتحول إلى جيش نظامي، وستكون الخطوة التالية لهذه الخطوة انصهار هذا الجزء من الجيش في كيان واحد مع جزئه الثاني، وهو الجيش الموجود بالشرق الليبي، وليكن هناك مجلس عسكري تمثل فيه وحدات هذا الجيش وقياداته، مع التعامل بفكر وقلب مفتوحَيْن مع القيادة التي أسهمت في إعادة تأسيس هذا الجيش، المتمثلة في الفريق خليفة حفتر.

هناك خوف أبدته بعض الجهات وبعض المسؤولين السياسيين، من بينهم إبراهيم الدباشي المندوب الليبي في الأمم المتحدة؛ وهو الخوف من أن تَخْلف داعش في سرت قوة ذات ولاء للإسلام السياسي، قد لا تكون بنفس التشدد أو بنفس الرفض لدولة المؤسسات المدنية، وقد تبدي ولاء شفويا للمجلس الرئاسي وحكومة الوفاق الوطني، ولكنها ستباشر تطبيق حكم مختلف عن بقية أحكام البلاد مرجعيته جماعات الإسلام المتشدد، وهو أمر أراه غير وارد بعد كل هذه التضحيات، ولكن الحذر واجب وعلى المجلس الرئاسي بسط نفوذه كجزء من استكماله لبسط النفوذ في العاصمة ذاتها، التي ظهرت فيها قوى رافضة للاعتراف بها، لا تعترف إلا بسلطة هيئات دينية وجماعات متشددة مثل الجماعة الليبية المقاتلة ودار الإفتاء برئاسة الشيخ الغرياني، الذي يعلن رفضه للمجلس والحكومة ويدعو الجماهير المناصرة له للتظاهر ورفض الانضواء تحت لوائها.

ولن أتحدث عما هو خارج سيطرة المجلس الرئاسي وحكومته التي تعمل تحت التأسيس، وأقصد اعتراف المجلس التشريعي النيابي في طبرق به، فهو استحقاق لن تكتمل جوانب الترسيم لهذا المجلس وحكومته إلا به، لكن الأمر خاضع لإرادة مجلس النواب ولجماعات الضغط فيه، لأنه هو نفسه ستسقط شرعيته وتنتهي صلاحيته التي لا تتحقق إلا بإتمام المصادقة على الحكومة، واستكمال المراحل الأخيرة من اتفاق الصخيرات، ولعل للمجلس الرئاسي وحكومته دور في إقناع أغلبية النواب بحسن أدائهم وقوة برنامجهم لإنقاذ البلاد، ولكنني سأترك هذه النقطة إلى تحديات عاجلة وملحة، وتقع في نطاق قدرتهم، وأراها تسبق أيضا إخضاع الجماعات المتمردة من المنتمين إلى الإسلام السياسي المتشدد لسلطتهم مثل جماعة أنصار المفتي الشيخ الغرياني، وأتباع الجماعة الليبية المقاتلة، وأذهب مباشرة إلى الحالة الأمنية في العاصمة التي تقع تحت سلطتهم، ويمثل أمنها وأمن القاطنين فيها أهم مسؤولياتهم، فليس على ألسنة الناس في طرابلس إلا جرائم العصابات التي تقوم بخطف الناس ولا تطلق سراحهم إلا بعد الحصول على فدية كبيرة، وقد تتسلم الفدية وتمتنع عن إطلاق سراح الرهينة، الذي قد تجده أسرته قتيلا ومرميا على قارعة الطريق، وهو أمر ينشر الرعب بين أهل طرابلس، ويمثل حالة من الترويع لا أحد يستطيع أن يضمن لنفسه النجاة منها، وسر هذا الرعب ألّا أحد من مرتكبي هذه الجرائم تم القبض عليه أو محاسبته أو جلبه إلى العدالة.

ولا بد أن يرى الليبيون عملا على هذه الجبهة بالذات، ولن يستقيم الحال أو يتحقق حد أدنى من الأمان، إلا إذا نشط المجلسالرئاسي في القبض على عدد من هؤلاء المجرمين، واستخدم العقوبات الرادعة في إيقافهم عن إجرامهم.

كاتب ليبي

9