تحديات مغادرة العالم الحقيقي إلى الواقع الافتراضي

تقترب تقنيات الواقع الافتراضي من إحداث زلزال كبير في طبيعة الحياة على هذا الكوكب، وخلق حياة موازية يتدفق إليها مئات الملايين من الأشخاص ليعيشوا مع أشخاص بمشاعر “حقيقية”. وستكون لذلك تداعيات اجتماعية واقتصادية، حين يقضي الكثيرون معظم أوقاتهم هناك، فتخلو الشوارع وتتراجع حركة السفر وتتعثر المطاعم والمقاهي والمنتجعات السياحية وأماكن اللهو بسبب غياب الزبائن.
الثلاثاء 2016/12/13
النوم في العسل

يبدو التسارع الانفجاري في التطورات التكنولوجية مخيفا، من ناحية قدرة البشر على استيعابه وهضمه في منظومة حياتهم الغريزية والاجتماعية، التي بنيت بطريقة تدريجية على مدى الملايين من السنين. قريبا ستصبح الثورات العلمية المذهلة التي شهدناها في السنوات الماضية بدائية مقارنة بما يتبلور في المختبرات حاليا، لتكون في المتناول خلال السنوات المقبلة وخاصة من خلال قفزة “خطيرة” في الواقع الافتراضي.

سيتدفق العشرات وربما مئات الملايين من البشر عبر بوابات العالم الافتراضي ليتفاعلوا مع أشخاص مثلهم بمشاعر “حقيقية” وهم مستلقون في السرير. في ذلك العالم لن تكون هناك سيادة للقانون والقيم الأخلاقية، وتمكن للجميع السخرية والتحرش والإساءة، بل حتى ارتكاب الجرائم وقتل بعضهم البعض دون وازع أو رقيب.

تداعيات خطرة

نشاطات افتراضية تطوي المسافات
* القيام بمغامرات دون قيود أو تكاليف

* عقد اجتماعات الأعمال المباشرة

* محاكاة الرحلات الفضائية إلى الكواكب

* مكاتب عمل افتراضية للشركات

* التحاق الطلاب بالمدارس افتراضيا

* التجوال في المباني أثناء تصميمها

* التسوق في متاجر افتراضية

* تدريب المهندسين والحرفيين

* لقاء الأصدقاء والأهل رغم المسافات

* جراحات افتراضية تسبق إجراء العمليات

* مناهج دراسية عملية و«ملموسة»

ستكون لذلك تداعيات وعواقب اجتماعية واقتصادية، حين يقضي الكثيرون معظم أوقاتهم في عوالم افتراضية، فتخلو الشوارع وتتراجع حركة السفر وتنهار المطاعم والمقاهي والمنتجعات السياحية وأماكن اللهو بسبب غياب الزبائن. قبل سنوات أنتجت هوليوود فيلما بعنوان ساروغيتس “surrogates”، حيث يقبع الناس في بيوتهم ويخرجون إلى الشارع بهيئة روبوتات، يختارونها كما يشاؤون، فتختار شابة رقيقة هيئة رجل مفتول العضلات ويختار رجل كبير السن هيئة شابة شقراء فاتنة، ويعيش الجميع حياة موازية ومثيرة دون مغادرة غرفة النوم.

في الفيلم ينقسم العالم بين طبقة مترفة تعيش في عالم افتراضي وأخرى مهمشة تعيش في أحياء فقيرة خارج أسوار المدينة، تعمها الفوضى وغياب القانون وتحكمها الميليشيات الرافضة للعيش داخل روبوتات. ويبدو اليوم أن العالم الافتراضي سيقدم لنا قريبا عالما شبيها بذلك الفيلم الخيالي، بعد أن تتسع بوابة العالم الافتراضي فيدخلها الملايين لزيارة مدن افتراضية والقيام برحلات سياحية دون قيود وتكاليف أو حتى مغادرة المنزل.

انقلاب في الحياة

سيجتمع الأصدقاء للقيام بمغامرات يعجز العالم الحقيقي عن توفيرها وتعجز طاقة الجسم البشري عن القيام بأفعالها أو المخاطرة بالتعرض للأذى في عالم بلا قيود أو قوانين. سنخوض مغامرات مع أشخاص موزعين في أنحاء العالم، مثل الخروج للصيد والرحلات مع الأسود في الأدغال أو مع الدببة في القطب الشمالي أو أسماك القرش في أعماق البحار.

كما سنتمكن من زيارة مدن ومعالم عالمية والتفاعل دون قيود أو فواتير مع أشخاص “حقيقيين” بمشاعر حقيقية. وسنغامر دون إجراءات أمان صارمة بتسلق جبل إفرست أو أعلى برج في العالم والقفز من القمة والتمتع بمشاعر لم تتحها الحياة الطبيعية. عنصر الإدمان الأكبر هو زوال جميع القيود وصعود إفرازات الأدرينالين بطريقة لا تتاح إلا لأبطال سباقات الفورمولا1 والمغامرين الكبار، وهو عنصر قد يجذب مئات الملايين من الأشخاص إلى بوابات العالم الافتراضي.

قد لا يكون العالم الافتراضي جديدا، لأن معظم ألعاب الفيديو ترتكز إليه، لكنه يقترب من قفزة هائلة يمكن أن تقلب الحياة رأسا على عقب، وقد يصبح ذلك العالم أكبر من العالم الحقيقي وقد نقضي فيه أوقاتا أكثر. ألعاب الفيديو لم تعد تقتصر على اللعب والتفاعل مع أشخاص آخرين، وهناك اليوم ألعاب كثيرة، جميع أطرافها أشخاص حقيقيون مثل لعبة “بيبيلون: باتل رويال” (بابل: الصراع الملكي).

وتجري أحداث اللعبة بعد اكتشاف حبة الخلود التي وضعت حدا لتقدم العمر، ليبقى الناس على هيئة أطفال ينافسون لكسب الشهرة ويتقاتلون في حلبة شبيهة بالمسارح الرومانية مثل مدرج كولوسيوم. جميع المتبارزين داخل اللعبة وكذلك الجمهور هم أشخاص حقيقيون، يمكنهم التفاعل بمشاعر حقيقية، من القتال في ما بينهم إلى تزويد غيرهم بالأسلحة. وتشكّل التجربة الاجتماعية جوهر تلك اللعبة.

إياد بركات: إدخال العنصر الاجتماعي إلى الواقع الافتراضي أحدث انقلابا في آفاقه المستقبلية

وتنوي شركة “كايت أند لايتنينغ” المنتجة للعبة، السماح لمستخدميها بإضافة طابع شخصي على أشكالهم لمنحهم شعورا أقوى وأكثر واقعية بالاندماج في اللعبة. عنصر الإغراء الهائل هو إمكانية القيام بأفعال لا تستطيع فعلها الحياة الفعلية والمخاطرة بالتعرض للأذى واحتمال الموت دون أن تصاب بخدش، وتعيش مشاعر الإثارة وكأنها حياة حقيقية.

التحول النوعي

ويرى الكاتب المتخصص في التطورات التكنولوجية إياد بركات أن العالم الافتراضي لم يلق رواجا واستثمارات كبيرة في الماضي، بسبب انطباع عن أنه عملية انزوائية تتطلب عزلة المستخدم عن الواقع وعن الناس في محيطه الاجتماعي. ويضيف أن الإنسان باعتباره كائنا اجتماعيا، فإنه يمنع رواج أي منتج لا يساعده على الانغماس في حياته الاجتماعية، سواء بشكل مباشر أو غير مباشر، ويجعل انتشاره مقتصرا على شرائح صغيرة من المستخدمين الهواة.

ويقول بركات إن الثورة والاستثمارات الكبيرة اللتين تحدثان الآن في تقنيات العالم الافتراضي، سببهما إضافة العنصر الاجتماعي والتفاعل بين المستخدمين إلى قلب الآفاق المستقبلية للواقع الافتراضي. وتتصدر شركة فيسبوك اليوم السباق إلى العالم الافتراضي، منذ شرائها قبل عامين لشركة أوكولوس المتخصصة في هذا المجال مقابل ملياري دولار، لتملك بذلك كل المكونات الضرورية لإنجاح الواقع الافتراضي وأهمها التواصل الاجتماعي.

وتنبأ رئيس الشركة مارك زوكيربرغ مؤخرا بأن يصبح “الواقع الافتراضي المنصة الأفضل والأنسب لتلبية رغبات الناس، لأنها تضعهم في المركز وتجعلهم يشعرون وكأنهم هناك فعلا مع غيرهم من الناس”. ويسعى فيسبوك حاليا لتمكين مستخدميه من مشاركة مغامراتهم في الواقع الافتراضي مع أصدقائهم على موقع فيسبوك والسماح للأصدقاء بالتفاعل معها.

ويتوقع زوكيربرغ أننا “سنعيش قريبا جدا في عالم يتمكن فيه الجميع من المعايشة المشتركة بمشاهد تشعرك وكأنك في قلب المشهد الحقيقي فعلا”. ويضيف “تخيلوا كيف سيتاح للجميع الجلوس مع أصدقائهم في أي وقت بالبراري حول نار مخيم أو مشاهدة فيلم سينمائي من الواقع الافتراضي.. تخيلوا كيف ستتمكن مجموعة من الأشخاص من عقد اجتماع عمل في أيّ مكان في العالم دون مغادرة مكاتبهم”.

آفاق لا نهائية

تداعيات اقتصادية واجتماعية
* إدمان الأشخاص على العالم الافتراضي

* تراجع حركة السفر والنقل

* انتقال السلوك الافتراضي غير المنضبط إلى الحياة الواقعية

* انهيار المتاجر والمطاعم والمقاهي

* ركود السياحة ومراكز اللهو

* تزايد الانقسام بين الفقراء والأغنياء

* فقدان الوظائف وتفاقم البطالة

* هزة عنيفة لبنية المجتمعات التقليدية

* صراعات بشأن آثار الواقع الافتراضي

هذه الآفاق الهائلة دفعت أكبر شركات التكنولوجيا مثل غوغل وسوني وأتش.تي.سي إلى التسابق لفتح أبواب المستقبل أمام الواقع الافتراضي وجعله منصة أساسية لأعمالها. ويرى أندرو هاوس، مدير التفاعل الترفيهي في شركة سوني، أن “الواقع الافتراضي يوشك أن يحقق قفزة نوعية ليصبح في متناول الجميع وجزءا من الفضاء الاجتماعي والاقتصادي العام”.

ويحظى الواقع الافتراضي اليوم باهتمام الشركات والعلماء والمخترعين ووسائل الإعلام، لكن بعض الخبراء يتوقعون أن تتراجع مكانته أمام تقنية أخرى منافسة هي “الواقع المعزّز” بعد النجاح الهائل للعبة “بوكيمون غو” للواقع المعزز. ومن أبرز المشككين رئيس شركة أبل، تيم كوك، الذي يتوقع أن يكون الاهتمام بالواقع المعزز أكبر بكثير من الواقع الافتراضي. واستبعد أن تستخدم نسبة كبيرة من سكان العالم الواقع الافتراضي بشكل يومي”. ويبدو أنه يشير إلى المستقبل القريب ويرجح أن يحتاج العالم الافتراضي إلى وقت طويل ليتمكن من الانتشار على نطاق واسع.

لكن كلاي برافو، مدير الواقع الافتراضي في غوغل، يرى أن “التساؤل حول ما إذا كان الواقع المعزز سيحل محل الواقع الافتراضي ليس في محله”. وأكد أن “الواقع الافتراضي أصبح متطورا جدا الآن، ولكن الواقع المعزز مازال بحاجة لسنوات من العمل والتطوير”. وأكد برافو أن التقنيتين مترابطتين وتتشاركان في الكثير من الأجهزة والمعدات والمحتوى. وقال إذا كان “الواقع الافتراضي يستطيع أن ينقلك إلى مكان ما، فإن الواقع المعزز يستطيع نقل أي شيء إليك أينما كنت”.

وتطمح شركات مثل “هاي فيداليتي” و”ليندين لاب” إلى ابتكار عالم افتراضي يحاكي العوالم الافتراضية الغنية التي يُحكى عنها في كتب الخيال العلمي والأفلام. ويرى مؤلف كتاب “التواصل في عصر الواقع الافتراضي” فرانك بيوكا أن الواقع الافتراضي يمثل نقلة نوعية كبيرة في علاقة الإنسان بالكمبيوتر، لأنه يمنح المستخدمين شعورا أكبر وأعمق بالاندماج في التفاعل الاجتماعي”.

فوائد علمية وعملية

أما على صعيد الفوائد العملية، فإن تقنيات الواقع الافتراضي ستساعد الأشخاص على الالتقاء افتراضيا رغم المسافات التي تفصل بينهم، ومشاهدة بعضهم البعض وكأنهم في غرفة واحدة. وتعمل وكالة الطيران والفضاء الأميركية “ناسا” على استخدام الواقع الافتراضي لمحاكاة تجربة الهبوط والعيش على كوكب المريخ، لمساعدة العلماء على فهم الكوكب بشكل أفضل.

ويستخدم ديفد لايدلو في جامعة براون الأميركية الواقع الافتراضي لبناء نسخ من الأماكن الأثرية، لتتسنى للباحثين دراستها. وتختبر شركة غوغل مشروع “إكسبيدشنز” ليستكشف الطلاب المعالم العالمية خلال دروس التاريخ والجغرافيا. ويمكن استخدام تقنيات الواقع الافتراضي في تدريب المهندسين من كافة الاختصاصات مثل تجوال المهندسين المعماريين داخل المباني أثناء التصميم وقبل تنفيذها.

مارك زوكيربرغ: الواقع الافتراضي سوف يصبح المنصة الأفضل والأنسب لتلبية رغبات الناس

كما تتيح هذه التقنيات للأطباء تشريح جسم المريض افتراضيا مثل مراجعة البنية التشريحية للدماغ البشري قبل إجراء العمل الجراحي، إضافة إلى فهم آلية عمل العقاقير على مستوى الخلية. ومن المتوقع أن تصبح هذه التقنيات متاحة خلال سنوات قليلة. وستقلص تقنيات الواقع الافتراضي حاجة رجال الأعمال ومسؤولي الشركات للسفر وعقد الاجتماعات المباشرة، بل إن الطلاب سيحضرون إلى قاعات الدراسة افتراضيا دون مغادرة المنزل.

ويؤكد هنري فوكس، الأستاذ في جامعة نورث كارولينا، إمكانية بناء مكاتب افتراضية شبيهة بالمكاتب الفعلية، تجمع الموظفين للتفاعل في ما بينهم وكأنهم داخل مقر الشركة دون اعتبار للمسافات. ونجح الواقع الافتراضي في معالجة حالات الخوف واضطرابات ما بعد الصدمة، مثل معالجة رهاب المرتفعات من خلال السماح للمرضى بالسير فوق المباني المرتفعة افتراضيا.

ولإشراك جميع الحواس في المشاهد الافتراضية طورت شركة “فيلريل” قناعا قادرا على إصدار الروائح مثل رائحة الاحتراق عند اقتراب المستخدم من مشهد نار افتراضية، إضافة إلى جميع المؤثرات الصوتية. وتتسابق التقنيات لتجعل المستخدم قادرا على الشعور بملمس الأجسام الافتراضية وتعزيز انفصاله التام عن الواقع والسماح للخيال بالتحرك بحرية تامة في الواقع الافتراضي.

ومهما كانت فوائد وإغراءات هذا العالم الجديد، فإنه سيقذف بالكثير من التحديات الاجتماعية والاقتصادية التي قد لا يستطيع الإنسان التأقلم معها فتؤدي إلى هزات عنيفة للمجتمعات. وقد تؤدي إلى انقسام البشرية بين مجتمع يعيش في العالم الافتراضي وآخر يعيش في الهامش، وقد تظهر أيديولوجيات وعقائد تتناقض وتتصارع بسبب موقفها من ذلك العالم الافتراضي.

كاتب عراقي مقيم في لندن

13