تحديث الخطاب الديني في مصر بعقلية التتار

السبت 2015/04/18

تصدرت الصحف، ومواقع التواصل الاجتماعي صورة بعض المسؤولين عن التعليم في محافظة الجيزة وهم يشكلون نصف دائرة، وخلفهم علم مصر بالحجم الكبير، وبيد كل منهم علم صغير، وألقيت أمامهم بعض الصناديق الكرتونية التي قيل أنها تحتوي على كُتب التراث الإسلامي، التي تم حرقها ولم يبق منها إلا الرماد.

ولا أدري لماذا ذكرني هذا السلوك الأهوج بما فعله التتار في مكتبة بغداد، فهو سلوك لا دلالة له سوى إثبات ضحالة من أمر بإتيانه، كما راودتني بكل أسى ذكرى ما فعلته أيادي الفساد (التي ما زالت منتشرة بوطني) في دار الأوبرا المصرية التي تم الإجهاز عليها حرقاً بلا رحمة، وبالمناسبة منذ 29 أكتوبر عام 1971 وحتى اليوم، لم أسمع عن إدانة أحد في هذه الكارثة الثقافية التي حاقت بالوطن، اللهم إلا الفاسد الاحتياطي مُنقذ الكبار، سيء الذكر المعروف بـ "الماس الكهربائي".

إن تظاهرة حرق كُتب التراث الإسلامي ما هي إلا إحدى ألاعيب محدودي العقول من مسؤولي هذا الوطن للظهور كمن يُساهمون في تحديث الخطاب الديني في مصر تنفيذا لتوجيهات السيد الرئيس، فبشراك يا سيادة الرئيس، فها هي العقول التي أوليتها هذه المهمة المقدسة تؤديها على أكمل وجه، وهناك غيرهم الكثير من القيادات التي لم يعد لهم هم بالليل أو بالنهار إلا التمجيد باسمك والتقرب منك بشتى وسائل النفاق، ويستطيع الآن أي مسؤول في مصر إتيان كبائر الأعمال الضالة والمضلة طالما أثبت أنه من أنصارك وأدعى السير في ركابك، فهل هكذا تنهض مصر؟

هل يظن أحد من المسؤولين عن أمر هذا البلد، أن حرق مجموعة من الكتب مهما كان بها من أفكار يشكك فيها البعض، سيؤدي إلى تحديث الخطاب الديني؟ إن كان يوجد من يظن ذلك – وأعتقد بوجود الكثيرين - فيا لها من كارثة، لماذا؟ لأن مثل هذه الأعمال لا تمس سوى السطح وتتجنب الأعماق، فهل سيقنع مستشارو الرئيس، بأن ما قامت به وزارة التربية والتعليم من إشعال الحرائق في الكتب هو السبيل الصحيح لتحديث الخطاب الديني، وإنه إنجاز يجب أن يُرضيه؟

تلك هي العقول التي يتخذ منها الرئيس أسلحة لمحاربة التطرف والجهل والفقر، وليته يعلم أنهم سيوف من ورق سيخذلونه، ولن يسعفونه في معركة البناء، إنهم يأخذونه للخلف بإصرار شديد، فهم يفتقدون إلى الذكاء والفكر الواعي الذي يفرز لإبداع الذي يحتاجه الوطن، وهذا تثبته تصرفاتهم، وفاقد الشيء لا يعطيه كما أن التطوير ليس من صالحهم، وإن كان في وطني من يؤمنون بأقوال العلماء الكبار، فليسمحوا لي أن أهديهم بعضاً من أقوال ألبرت آينشتاين، لعلها تضيء ظلام أفكارهم، وتشحذ فراغ خيالهم:

- الأذكياء يحلون المشاكل، العباقرة يمنعون وقوعها.

- إن المشاكل الموجودة في عالم اليوم لا يمكن أن تحلها عقول خلقتها.

- يستطيع أي أحمق جعل الأشياء تبدو أكبر وأعقد، لكنك تحتاج إلى عبقري شجاع لجعلها تبدو عكس ذلك.

- الجنون هو أن تفعل ذات الشيء مرة بعد أخرى وتتوقع نتيجة مختلفة.

- كل ما هو عظيم ومُلهم صنعه إنسان عمل بحرية.

من سوء الطالع، أن الناس قدر ما يحبون، سريعاً ما يكرهون، وأخشى أن نصل إلى المرحلة التي يمتنعون فيها عن الاقتناع ببعضٍ مما يقول به الرئيس أو ربما جميعه، لن يكون ذلك لأنهم يكرهونه لا سمح الله، ولكن لأن السذاجة لم تعد من صفاتهم، والأحداث تجبرهم على إعمال عقولهم، وفوق هذا وذاك لهم أعين يرون بها الحقائق المجردة البعيدة عن الإعلاميون الكاذبون الذين يتحدثون بلسان الرئيس ويضربون بسلطانه.

إنني أعلم أن الرئيس يريد الخير لهذا الوطن، وهذا ما يريده الشعب الذي أختاره لهذه المهمة التي لا يمكن إتمامها إلا باقتحام الواقع المظلم بأدوات المستقبل، وما نراه الآن ما هو إلا تسيير الأمور بالطريقة التي كانت، والنتيجة أنها ساءت، فأصبحت الدنيا تتندر علينا، حيث أصبح المصريون الشعب الوحيد في العالم الذي قام بثورة على رئيس ليعود ويختار نظامه ورجاله ويسلمهم مصيره وأحلامه. ولو كنت مكان الرئيس لما وافقت مطلقاً على القيام بعملٍ بذات الأسلوب الذي مارسه به من سبقوه، فنتيجته معلومة مُقدما، فليس من الحكمة الاستمرار في تجربة الأداء الفاشل، فلا تهمك الإحصائيات فهي أرقام تدور في الفضاء، ولتسأل المريض قبل أن يقنعك الطبيب بأنه تماثل للشفاء.

6