تحديث المجلات النسائية

الأحد 2016/03/13

لا أعرف سبب الانعكاس الذي تسببه لي المجلات النسائية في عالمنا العربي حين أتفحّصها، إذ يفرز خيالي للتوّ صورة امرأة بلا رأس! فهذه المجلات المتخصصة بشؤون المرأة العربية والمُتكاثرة كبذر البقلة، وذات الطباعة الفاخرة والأنيقة والغاصّة بصور الحسناوات، مجلات لا علاقة لها إطلاقا بواقع المرأة العربية خاصة بعد اندلاع ثورات الربيع العربي، ولا تُعبر عنها ولا تمثلها، بل هي مجلات تجارية دعائية بامتياز للعطور الفاخرة والساعات الأنيقة والأزياء المميزة التي لا تستطيع امرأة عادية اقتناءها.

تشترك المجلات النسائية في عالمنا العربي بقواسم مشتركة عديدة فهي:

أولا: أكثر من 70 بالمئة من صفحاتها تهتم بالموضة والتجميل والماكياج من أرقى وأغلى الماركات العالمية، إضافة إلى أنواع الحمية من أجل رشاقة القوام، ثم تهتم بأثاث المنزل وضرورة تبديله كل مدة لمحاربة الاكتئاب!

ثانيا: غالبا ما تختار تلك المجلات كاتبا مرموقا أو كاتبة مرموقة ليكتبا في كل عدد زاوية، مجرد زاوية تحمل اسم مبدعها اعتقادا من مدير المجلة أو مموّلها بأن هؤلاء الكتاب يضيفون قيمة أدبية وفكرية للمجلة النسائية، وغالبا ما تكون الكتابة الأدبية مُفتعلة ومُفبركة وغير متجانسة مع مواضيع المجلة التي تهتم بالشكل والإبهار الشكلي والدعايات للعطور والمكياج والمجوهرات. وبعد أشهر يستنفد الكاتب أو الكاتبة المواضيع التي يكتب عنها حتى أن أحدهم أخذ يروي لنا أحلامه!

ثالثا: وهو الأهم، فما تبقّى من المجلة وهو أقل من 20 بالمئة من صفحاتها، والتي يعتقد القيمون عليها أنها تُعالج مشاكل المرأة، أعتبره كارثة من ناحية اختيار الموضوع وطريقة معالجته وأعطي بعض الأمثلة مثلا:

ثمة مجلة تناولت موضوعا -اعتبرته خطيرا- بعنوان "خاطفات الأزواج"، وقد خصصت صفحات لعلاج هذه المشكلة وعرضت صفحة كاملة للصورة النمطية لخاطفة الأزواج: صورة امرأة تشبه الساحرة بعينين مكحّلتين حتى صيوان الأذن ونظرة يقدح منها الشرر وأظافر كالمخالب مصبوغة بالأحمر الفاقع، كما لو أن خاطفة الأزواج من فصيلة مصاصي الدماء.

واستفاضت الدراسة بالنصائح الكثيرة التحذيرية للزوجات من مخاطر خاطفات الأزواج، كما لو أن الزوج طفل بريء يتم الإيقاع به بسهولة وتُنصب له الفخاخ، وكما لو أنه لا يتحمل أيّ مسؤولية في خطفه من قبل الساحرة خاطفة الأزواج. وأكدت الدراسة إياها أن كل الخطر يكمن في الأرامل والمُطلقات -خاطفات الأزواج النموذجيات- ولم تلمّح الدراسة أنه غالبا ما يسعى الزوج لملاحقة النساء خاصة أن القانون يسمح له بالزواج من أربع.

موضوع آخر تطرقت له إحدى المجلات العربية النسائية هو موضوع العنوسة، وهو موضوع بالغ الأهمية في الحقيقة لكنني صُعقت أن من قامت بالدراسة اختارت عيّنة لدراستها أعمارها ما بين 25 و30 سنة! معتبرة أن هذا هو مجال العنوسة في عالمنا العربي.

الأهم من اختيار الموضوع هو طريقة معالجته فهنالك تغييب عفوي بسبب الجهل أو مُتعمد لتغييب العقل والمنطق والكرامة أيضا، ولا أنسى تلك الصفحة في إحدى المجلات المتخصصة بحل المشاكل، وكانت المشكلة التي طرحتها سيدة متزوجة في السابعة والثلاثين من عمرها ولديها أربعة أولاد في سن المراهقة، فوجئت بأن زوجها تزوّج من قريبة لها بعد ترمّلها بأشهر، وطلبت السيدة المفجوعة النصيحة من المرأة الحكيمة التي تحلّ المشاكل في المجلة فكان الجواب على النحو التالي: زوجك رجل عظيم حمى أرملة من السقوط في الغواية وتبنى أطفالا أيتاما! ولم يكن لموضوع الكرامة والصدمة النفسية والعاطفية للزوجة الأولى وأولادها أيّ ذكر وأيّ قيمة!

لماذا لا توجد مجلات نسائية عربية تعكس واقع المرأة العربية الحقيقي، ومعروف أن أفقر الفقراء هم من النساء؟ لماذا لا تُعالج تلك المجلات بشكل علمي وصادق وعميق حقيقة مشاكل عمل المرأة ومسؤولياتها في البيت والأسرة وتجاه الأهل، وتحميلها مسؤولية التقصير بأيّ مشكلة تواجهها الأسرة، حتى خيانة الزوج تُبرّر بأن زوجته لم تعرف كيف تجذبه جيدا! أين التناول الفعلي والحقيقي لمشاكل المرأة العربية وقد تحوّلت نسبة كبيرة منهن إلى أمهات ثكالى بعد أن فقدن فلذات أكبادهن في حروب أجبروا عليها، لماذا كل عناوين المجلات تهتم بالشكل، الجميلة، الحسناء، لها، هي، الفارسة، الفاتنة.. لماذا لا يوجد عنوان واحد لمجلة نسائية عربية مثل المُفكرة مثلا أو المثقفة، أم أن الشكل هو جوهر المرأة العربية والتفكير والثقافة تحصيل حاصل والبعض يعتبر هاتين الصفتين متعارضتين مع الجمال والأنوثة: كوني جميلة واصمتي. شعار لا يزال يؤمن به الكثيرون.

وأخيرا أحبّ أن أسرد تلك الحادثة التي جرت معي شخصيا فمنذ سنوات طلبت مني إحدى المجلات النسائية أن أكتب قصة بمناسبة عيد الأم وأرسلت قصة عن أم لديها ابن معوق وقد استعملت تعبير (قلبها المطعون بحربة الألم) وتم حذف العبارة وأثار هذا استغرابي فاتصلت بالمسؤولة عن المجلة لأستوضح الأمر فقالت بأن العبارة توحي بالعنف وبأن كلمة الطعن ترضّ مشاعر المراهقين بما أن قسما كبيرا منهم يقرأ هذه المجلات. لكن في العدد نفسه أفرد أكثر من 12 صفحة لسفّاح ذبح أربعا من أطفاله على مرأى عيون زوجته والمقال حافل بالصور والساطور -أداة الجريمة- الذي يقطر دما وصور الأطفال المذبوحين. فهل ينفع التعليق!

أتمنى أن توظّف كل هذه الأموال الطائلة من أجل المجلات النسائية العربية ليس لإنعاش المرأة كدمية ومجرد جسد يجب تزينه دوما بل أن يتذكر هؤلاء الممولون أن للمرأة رأسا وعقلا مُفكرا وبأن أنوثتها لا تساوي شيئا إن لم يلتحم رأسها بجسدها.

كاتبة من سوريا

21