تحدي الانتخابات والمتغيرات الدولية: كيف تخطط موسكو لتأمين نفوذها

صرح الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، الذي أعلن عن ترشحه لولاية رئاسية رابعة، أنه على روسيا التعامل مع التحديات المصيرية بجدارة. وأضاف بوتين، خلال منتدى أعمال الجبهة الشعبية الروسية، أن روسيا لديها الفرصة لاستعادة الكفاءات في المجالات التي كانت رائدة فيها دائما، ولا تنفصل هذه التصريحات عن تطور الأوضاع المحلية والإقليمية والدولية في ظل تحديات جديدة تطل برأسها مع اقتراب موعد الانتخابات الرئاسية وتوسع رقعة الخلافات في البيت الأبيض، وسط توقعات لا تستبعد عزل الرئيس دونالد ترامب بالإضافة إلى تطورات الملف السوري والأزمة في أوكرانيا وغير ذلك من المجالات التي شهدت عودة النفوذ الروسي فيها، وهو نفوذ أتاحه إلى حد كبير الإعياء الأميركي، وهو دورها الأنشط منذ سبعينات القرن الماضي.
الخميس 2018/01/04
الاستمرار على نفس النهج

موسكو - كشفت مجموعة الأحداث التي شهدتها روسيا خلال الأيام الأخيرة من عام 2017 عن مسارات السياسة الروسية وتحدياتها في عام 2018.

في اليوم التالي لإعلان وزارة الدفاع الروسية تشكيل قوات دائمة في سوريا وتأكيدها على إبقاء قواعدها العسكرية في طرطوس وحميميم ورفض بعض فصائل المعارضة السورية حضور مؤتمر السلام الذي ترعاه موسكو في مدينة سوتشي، تقدم الرئيس الروسي فلاديمير بوتين بأوراق ترشحه للانتخابات الرئاسية المقررة في مارس 2018. وعشية احتفالات رأس السنة وقع هجوم إرهابي جديد في مدينة سان بطرسبرغ، فيما تسعى موسكو لتحسين صورتها استعدادا لاستضافة كأس العالم في كرة القدم.

تقدم هذه التطورات صورة عن السياسة الروسية في عام 2018 وما ستواجهه من تحديات، تصنفها دراسة سامي السلامي، الباحث في مركز المستقبل للأبحاث والدراسات المستقبلية، كالتالي: الحفاظ على الاستقرار الداخلي وتعزيز قوة الاقتصاد ومواجهة ضغوط الدول الغربية والحرب الإعلامية المضادة ومحاولات الاختراق للمجال الحيوي الروسي في شرق أوروبا.

روسيا تواجه معضلة رئيسية في عام 2018 تتمثل في إدارة التحولات الداخلية والخارجية غير المتوقعة في ظل حالة اللانظام التي يتسم بها النظام العالمي

تحصين الداخل الروسي

يتبنى الرئيس الروسي فلاديمير بوتين مبدأ جوسودارستفينيكي الذي يتأسس على إقامة دولة وطنية قوية في مقابل معارضته الشديدة لمبدأ زابدنيكي الذي يدعو للتقارب مع الغرب على حساب السيادة الوطنية. ومع اقتراب الانتخابات الرئاسية في مارس 2018، فإن بوتين يضع على قائمة أولوياته عدة مهام على المستوى الداخلي تتمثل في ما يلي:

*حفظ الاستقرار الداخلي: يتصدر حفظ الأمن والاستقرار قائمة أولويات سياسة الدولة الروسية في عام 2018، ومن ثم فإن الرئيس الروسي، المرشح للانتخابات، سيركز على تدعيم قوة الدولة المركزية ودعم التماسك الداخلي ومواجهة تهديدات الفصائل المسلحة في الشيشان والتيارات والتنظيمات المتطرفة في شمال القوقاز.

*تحفيز الاقتصاد الروسي: يعاني الاقتصاد الروسي من حالة ركود وارتفاع مستويات التضخم، بسبب العقوبات الغربية وتراجع أسعار النفط، وهو ما سيجعل موسكو تركز على ضبط مستويات الإنفاق الحكومي، ومواصلة خطة الإصلاح التي سبق أن أعلنها بوتين في خطابه أمام الجمعية الاتحادية في 4 ديسمبر 2014، ودعم تدفقات الاستثمارات، والتصدي لهروب رؤوس الأموال الروسية، واتخاذ إجراءات حاسمة تجاه المضاربين الذين يتلاعبون بالعملة الروسية.

*تعزيز القوة العسكرية: تواصل روسيا عملية التحديث العسكري لتعزيز القدرات القتالية للقوات الروسية، وتزويدها بأحدث الأسلحة والمعدات العسكرية، وتركز موسكو على تطوير الدرع الصاروخية والتزود بأنظمة دفاع جوية متطورة (إس 500 وإس 400)، والإسراع في عملية تصنيع طائرات سوخوي باك فاي أو تي 50 من الجيل الخامس، والتي تشكل تحديا كبيرا، حسب مجلة ناشيونال إنترست الأميركية، لنظيراتها في سلاح الجو الأميركي من طراز أف 22 وأف 35.

في المقابل، تواجه عمليات تدعيم القوة العسكرية تحديات متعددة، مثل: ترشيد الإنفاق العسكري وعدم الانخراط في سباق تسلح مع واشنطن، خاصة في ظل تراجع العائدات الروسية من النفط والغاز، وهو ما أدى للضغط على الإنفاق العسكري الروسي بحيث لا يمثل سوى 11 بالمئة من حجم الإنفاق العسكري الأميركي.

*إدارة الاستحقاقات الانتخابية: يركز الرئيس بوتين خلال المرحلة المقبلة على إدارة مرحلة ما قبل الانتخابات على الرغم من عدم وجود منافسة قوية من التيارات المعارضة. وينقسم معارضو بوتين إلى معسكرين رئيسيين:

* معسكر المشاركة الانتخابية: يحرص المنتمون لهذا المعسكر على المشاركة في الانتخابات ومنافسة الرئيس الروسي على منصب الرئاسة، ويضم هذا المعسكر كلا من فلاديمير جيرينوفسكي، زعيم الحزب الليبرالي الديمقراطي الروسي، وجينادي زوغانوف، زعيم الحزب الشيوعي لروسيا الاتحادية، والملياردير ميخائيل ديمترييفتش بروخورف.

* معسكر البحث عن بديل: لن ينخرط المنتمون لهذا المعسكر في التنافس الانتخابي على الرئاسة الروسية، لكنهم يركزون على حشد الدعم الشعبي لإيجاد بديل لبوتين، ويضم هذا المعسكر كلّا من الملياردير ميخائيل خودروكوفسكي، والمحامي أليكسي نفالي، الذي تم الحكم عليه في قضية فساد في 8 فبراير 2017، مما سيفقده الأهلية للترشح للانتخابات المقبلة.

وتُعد نسبة المشاركة في الانتخابات المقبلة ضمن أهم التحديات التي يواجهها النظام السياسي الروسي، خاصة وأن معظم استطلاعات الرأي ترشح فوز بوتين بولاية رابعة.

ويمثل غياب منافس قوي لبوتين إضافة إلى التداعيات الداخلية لحالة الركود الاقتصادي عاملين محفزين لعزوف الناخبين، وهو أمر اتضح بشكل كبير في تراجع نسبة مشاركة الناخبين في انتخابات مجلس النواب الروسي (الدوما) من 60 بالمئة عام 2011 إلى 48 بالمئة في سبتمبر 2016، وهي الانتخابات التي حسمها حزب روسيا الموحدة الذي يقوده بوتين بحوالي 54 بالمئة من الأصوات.

ويبقى التحدي الأكبر هو زيادة مشاركة الناخبين في الانتخابات الرئاسية المقبلة، ومن المرجح أن يستغل الرئيس بوتين شعبيته الجارفة، وإنجازاته على الصعيد الخارجي، وخطابه القومي الذي يرتكز على استعادة المكانة العالمية لروسيا، بهدف تحفيز الناخبين على الإدلاء بأصواتهم لتتحول الانتخابات إلى استفتاء شعبي على شرعية النظام الروسي بقيادة بوتين.

سوريا.. ورقة بوتين

مواجهة التهديدات الخارجية

يكشف تتبع التداعيات الجيوسياسية للسياسات الروسية على المستوى الخارجي خلال فترة حكم الرئيس بوتين عن عدم صحة التقييمات السائدة في الأوساط الأكاديمية الغربية، إذ طالما وصفت المصادر الغربية في مراحل سابقة سياسات الروسي بالانفعال والتهور والتركيز على ردود الأفعال قصيرة الأمد والافتقاد لإستراتيجية واضحة.

وأكدت سياسة بوتين خلال الأزمتين الأوكرانية والروسية عن قدرة روسيا على فرض تصوراتها، والتصدي لمحاولات الهيمنة الغربية، بالإضافة إلى تطبيق استراتيجيات طويلة الأمد لتحقيق المصالح الروسية، والتعامل ببراغماتية مع التحولات الدولية والإقليمية. ولا يرجح سامي السلامي أن تشهد السياسة الخارجية الروسية تغيرا جوهريّا في مسارها الحاكم خلال عام 2018، حيث سيستمر:

*الثبات على نهج بريماكوف: ستواصل روسيا سياسات الانخراط النشط في أقاليم العالم المختلفة كقوة عظمى قادرة على التأثير في التفاعلات الدولية. كما تميزت سياسة بوتين بالتوفيق بين المصالح المتنامية لروسيا في الخارج وتهديدات تعارض هذه المصالح مع مصالح الدول الأخرى، وتجنب التصعيد غير المحسوب الذي يؤدي لاندلاع مواجهة عسكرية مباشرة في ظل إدراك براغماتي لحدود القوة الروسية، وعدم امتلاك روسيا الاتحادية نفس أدوات القوة التي كانت متاحة للاتحاد السوفيتي السابق.

وتركز روسيا على الحفاظ على حقها التاريخي في أن تكون قوية، وهو ما أشار إليه بوتين في خطابه أمام مجلس النواب الروسي في 5 أكتوبر 2016 بتركيزه على الثبات على نهج يفكيني بريماكوف الذي شكلت أفكاره حول عالم متعدد الأقطاب، إطارا عامّا للسياسة الخارجية الروسية، ومثلت سياسته حول محور موسكو، دلهي، بكين أساسا لتحرك موسكو في إطار تكتلات إقليمية أبرزها تكتل بريكس ومنظمة شنغهاي للتعاون.

*تعزيز التكامل الأوراسي: يتطلب الحفاظ على القوة الروسية، استقرار محيطها الإقليمي، وهو ما سيدفع بالقيادة الروسية إلى الاستمرار في العمل على تعزيز وجودها وتأثيرها في الجمهوريات السوفيتية السابقة، في إطار عقيدة الخارج القريب التي وضعها أندريه كوزيريف، التي تقوم على تعزيز تجربة التكامل في أوراسيا، بتحسين علاقات موسكو مع جيرانها في آسيا الوسطى والقوقاز والبلطيق، ومحاولة إقناع باقي دول هذه المناطق بالانضمام إلى الاتحاد الاقتصادي الأوراسي (روسيا، وبيلاروسيا، وكازاخستان، وقيرغيزستان، وأرمينيا)، كإطار مؤسسي يهدف لخلق مناخ سياسي واقتصادي بين الجمهوريات السوفيتية السابقة، عبر رفع الحواجز المادية، والسياسية، والاقتصادية، في المحيط ما بعد السوفيتي.

*احتواء الضغوط الأميركية: التحدي الأكبر لـبوتين يتجلى في كيفية التوصل إلى تفاهمات مع الرئيس الأميركي، الذي ينظر لأي اتفاق مع موسكو من منظور “الصفقة” التي تتطلب تفاوضا شاملا، تترابط فيه القضايا الأساسية (العلاقات الغربية مع روسيا، وأوكرانيا، وحلف الناتو)، مع “المصالح الثانوية” مثل (العلاقات مع الصين، وإيران، وسوريا).

ويربط ترامب تحسن العلاقات مع موسكو، وتخلي إدارته عن قضية أوكرانيا، بدعم بوتين للموقف الأميركي من السياسات الصينية، ومراجعة الاتفاق بشأن البرنامج النووي الإيراني، وهو أمر مستبعد بالنظر إلى حجم العلاقات الإستراتيجية التي تجمع روسيا بكل من الصين وإيران، ودرجة التنسيق التي بدأت تتصاعد بين هذه الدول في إطار محور (موسكو، طهران، بكين).

ويتوقع أن يتعامل بوتين مع ملف الدرع الصاروخي للناتو والأزمة الأوكرانية من خلال تطبيق الإستراتيجية الدفاعية الروسية تجاه الناتو، عبر تعزيز قدرات روسيا الدفاعية، لردع الحلف من التوغل في محيطها الحيوي، واتباع تكتيكات الحرب الهجينة إزاء الأزمة الأوكرانية، بدعم المقاتلين في كلّ من لوجانسك ودونيتسك.

وسيحاول بوتين الاستفادة من تآكل عناصر القوة الأميركية التي لم تعد لها القدرة الاقتصادية على تحمل تبعات تدخلها منفردة في كافة الأزمات الدولية، وهو ما يفرض على إدارة ترامب تحديد الأولويات وفق القدرات الأميركية الراهنة، وفي المقابل ستسعى الإدارة الروسية للتوصل إلى حدّ أدنى من التوافق مع واشنطن، بتقديم تنازلات لترامب، بعيدا عن ملف الناتو والأزمة الأوكرانية، وهو ما تجلى في قبول موسكو مطلب واشنطن في إقامة مناطق آمنة في سوريا.

*مواجهة التدخلات الخارجية: أكد نائب وزير الخارجية الروسي سيرغي رييابكوف، في 23 أغسطس 2017، وجود محاولات أميركية للتدخل في الانتخابات الرئاسية الروسية للتأثير على نتائجها، وترتبط هذه التصريحات بتدخلات أميركية سابقة في الانتخابات الروسية. ففي عام 2012، وصفت وزيرة الخارجية الأميركية آنذاك هيلاري كلينتون الانتخابات التشريعية الروسية في ديسمبر 2011 بالمضللة وغير النزيهة، وهو ما تبعه تفجر مظاهرات حاشدة في ميادين موسكو وسان بطرسبرغ، وبدء المعارضة حملات لحشد الرأي العام ضد بوتين، في محاولة لاستغلال زخم الثورات العربية في الإطاحة بحكمه.

وستركز سياسات التأثير الأميركي المحتمل في الانتخابات الرئاسية الروسية على صناعة وتسويق صورة سياسية سلبية عن فلاديمير بوتين ونظامه السياسي، مع العمل على دعم المظاهرات المعارضة لـبوتين، وتمكين المعارضة الروسية من الحصول على التغطية الإعلامية، إضافة إلى تشديد العقوبات الاقتصادية على روسيا، ومحاولة جرها في سباق للتسلح، وهو ما ستكون له انعكاسات على الاقتصاد الروسي.

سياسات التأثير الأميركي في الانتخابات الرئاسية الروسية ستركز على صناعة وتسويق صورة سياسية سلبية عن الرئيس فلاديمير بوتين ونظامه السياسي

وتطرح مراكز التفكير الليبرالية الأميركية توصيات ضاغطة تجاه روسيا، مثل: حجب القنوات الإخبارية المدعومة من موسكو، وتأسيس قنوات ناطقة بالروسية للتأثير على توجهات الرأي العام الروسي، ومنافسة المنصات الإعلامية الموالية للكرملين.

واتبع بوتين عدة إجراءات لمواجهة التدخل الروسي، في صدارتها تأخير الإعلان عن ترشحه رسميّا للانتخابات الرئاسية، لتأجيل الصدمات التي ستشكلها المظاهرات المناوئة عقب إعلان ترشحه، كما تسبب ذلك في اضطراب الحملات الانتخابية لمعارضيه بسبب تركيزهم على انتقاده دون طرح بدائل، بالإضافة إلى استعراض الدعم الشعبي لترشحه.

إدارة التحولات غير المتوقعة

تواجه روسيا معضلة رئيسية في عام 2018 تتمثل في إدارة التحولات الداخلية والخارجية غير المتوقعة في ظل حالة “اللانظام” التي يتسم بها النظام العالمي وانتشار القوة بين عدد كبير من الفاعلين الدوليين وصعود تأثيرات الفاعلين من غير الدول وتزايد حدة التهديدات العابرة للحدود، مثل الإرهاب وتهريب الأسلحة والهجرة غير الشرعية وتهديدات الأمن السيبراني.

ويفرض ذلك، وفق السلامي، على الدولة الروسية الاستعداد لمواجهة تهديدات ومخاطر يصعب التنبؤ باحتمالية حدوثها. ومن المرجح أن تركز روسيا على تحصين الداخل الروسي، والحفاظ على استقرار وتماسك الاتحاد الروسي من خلال تحسين أداء الاقتصاد الروسي والتصدي للتهديدات الأمنية، خاصة التطرف والإرهاب، بالتوازي مع سياسات استعادة مكانتها في النظام الدولي عبر تعزيز تحالفاتها مع القوى الصاعدة، والانخراط المباشر في بؤر الأزمات الإقليمية، وحماية العمق الإستراتيجي لروسيا من الاختراق الغربي.

7