تحدي الموت

الأسلوب التربوي الصحيح يبدأ بتحفيز الطاقة الإيجابية واستخراج طاقات النور والتفاؤل لدى الأبناء.
الاثنين 2019/09/23
"عصرنة" تطغو على التعامل الأسري الحي

ينتشر بين الشباب والمراهقين هوس التحديات، فلا نتخلص من تحدّ حتى يفاجئنا آخر؛ تحدي دلو الثلج، تحدي التفحيط بالسيارات والدراجات النارية الكبيرة، وتحدي الأكل والشرب، والكثير من التحديات المثيرة التي لا تنتهي حتى بلغ التحدي العبث المباشر بالجسد والروح.

ويسجل تحدي التشطيب (ضرب الموس)، وتحدي الموت أخطر التحديات المنتشرة حاليا بين المراهقين إذ يعتمد الأول على تجريح الجسد بموس الحلاقة أو أي أداء حادة، والثاني يشبه سباقا بين المراهقين على تناول أكبر كمية من دواء الباراسيتامول (مسكن وخافض للحرارة)، ودواء الديجوكسن (مثير لعضلة القلب)، في غياب كامل عن أعين الآباء.

على سلالم البناية يقابلني هشام ابن جارتي في بداية مرحلة التعليم الثانوي، لم يكمل عامه السادس عشر بعد، ودود، لطيف، متعاون، فجأة ودون مقدمات تبدل الحال بالشاب الصغير، لم يعد يهتم بأحد، أهمل دراسته، وحتى مظهره الخارجي، لم يعد الشاب الأنيق المفعم بالحيوية والنشاط والحماسة، تبدلت أحواله للنقيض تماما.

مظهر سيء، تراجع مستواه التعليمي وعلاماته السلوكية بالمدرسة وبين أقرانه، حالته المزاجية المتقلبة تشي بحدث ما، والأعجب ارتداء ملابس غريبة فرغم ارتفاع درجات الحرارة ولفحات الهواء الساخنة، إلا أنه يتخفى دائما داخل أكوام من الملابس. أثارت أكمامه الطويلة وملابسه المتدلية حفيظة الأم وتساؤلاتها.

يجيب هشام عن تساؤلات أمه بلا مبالاة، حين كشفت عن ذراعه لتجدها في حالة مقززة، مليئة بالجروح والنتوءات، تشريط وجروح قطعية غائرة وبارزة. ماذا تفعل المسكينة؟ ماذا حدث لابنها ليصل إلى هذه الحالة المزرية، هو يصف الأمر بالعاديّ، وتقليد الشلة.

وبلعبة ذكاء في تبادل الأدوار، وتبادل المقاعد الشهيرة وضع الفتى أمه في ذات الموضع موجها إليها السؤال، هل لاحظت هذه التغيرات من قبل؟ هل حقا تعنيك حالتي الصحية والنفسية؟ كيف تقيمين دورك كأم داخل هذه الأسرة؟ هل تعد قيمة مضافة لأسرتنا؟

رأيت هذه التساؤلات بعين مغايرة، فهي تنم عن شخصية ذكية، لكنها ذات مأزومة، تسقط في اللاشيء هربا من واقع مؤلم، وربما تقليد أعمى لبعض أفراد الشلة.

تشطيب الجسد، يعتمد على جرح الجسد بطريقة سطحية وسريعة دون إحداث جروح بليغة، وتنتشر بين المراهقين في بعض المدارس كتحد لإثبات الذات المغايرة، والتعبير عن مشاكلهم وغضبهم في هذه المرحلة العمرية. تزداد وتيرة الحمق والخلل النفسي بشعور بعضهم براحة بمجرد نزول الدم ورؤيته. بينما تحدي الموت حسب وصفهم اختبار للحظات الاحتضار من باب الفضول، وتكمن خطورته الشديدة على الأطفال والمراهقين في كونه مزهقا للروح.

ثقافة الوسطية في ممارسة السلطة التربوية، سواء الأمومية أو الأبوية، ضرورة قصوى للتعاطي مع مشكلات الصغار

تعالت مؤخرا نداءات التحذير لمركز السموم بجامعة الإسكندرية، بعد دراسة أُجْرِيت على مجموعة من الأطفال والمراهقين والشباب نقلوا إلى مستشفيات ومراكز طبية إثر تدهور حالاتهم الصحية وتدني مستويات عمل كافة أجهزة الجسم.

وأكد المركز في بيان له على أن الأطفال كانوا يستخدمون دواء الباراسيتامول في التحدي، لوفرته ورخصه وسهولة الحصول عليه، وطور بعضهم هذا التحدي بالوصول إلى أدوية كارثية مثل الديجوكسن.

كما رصد ثلاث حالات لأطفال تتراوح أعمارهم بين 8 و14 عامًا، أصيبوا بتسمم حاد نتيجة التحدي المزعوم، اثنان منهم تسمما بدواء الديجوكسن، والثالث بدواء الباراسيتامول، لافتا إلى وجود تحديات أخطر كالألعاب الانتحارية مثل الحوت الأزرق، وتحدي مومو.

في كتابها “العقل الخفي”، ذكرت الكاتبة فردوس عبدالرحمن هذه الفئة التي تعمل على سرقة الطاقة الإيجابية من بعض الأشخاص وإحباطهم بالضغط الدائم على مواطن الجروح والألم لديهم وإفقادهم الثقة في ذواتهم، وما يتحكم في النفس البشرية من أشباح داخلية تؤثر كثيرا على طريقة حياتهم.

عادة ما يلجأ الأبوان إلى المبالغة في المتناقضين، أحدهما أو كليهما، إما المراقبة الشديدة والصارمة على الأبناء، وإما منح الحرية المطلقة بغير قيود ولا شروط، وكلاهما قاتل للعلاقة بين الأبناء والوالدين. ثقافة الوسطية في ممارسة السلطة التربوية، سواء الأمومية أو الأبوية، ضرورة قصوى للتعاطي مع مشكلات الصغار.

في ظني، أن الحل بسيط للغاية وعلى الأبوين استخدامه بطريقة جيدة وأسلوب تربوي صحيح، عليهما تحفيز الطاقة الإيجابية واستخراج طاقات النور والتفاؤل، النجاح والتحقق، حب الذات والسعي لإسعادها، تقبل ذواتنا كما هي وعدم العبث بمقدرات الأمور، والبعد عن سارقي الطاقات الإيجابية المتمثلين في أصدقاء السوء والحلقة الضيقة من المقربين المصدرين لطاقتهم السلبية والأحاسيس المتناقضة التي تجذب الشباب والمراهقين نحو إيذاء الذات والإضرار بها.

تظل الأم في بلادي محكومة بنظرة المجتمع طوال الوقت، غاضة البصر عن احتياجات أبنائها، بينما الصغار لا تعنيهم نظرة المجتمع قدر ما تعنيهم حاجاتهم النفسية والإنسانية.

ثمة اختلاف قاتل بين الأبوين وأبنائهما في هذا العصر الذي طغت فيه التكنولوجيا الرقمية والعصرنة المقيتة على التعامل البشري الحي بين أفراد الأسرة الواحدة.

21