تحذيرات مصرية من مخاطر عملية عسكرية للجيش الليبي في طرابلس

المشير خليفة حفتر يجري مشاورات مع قيادات من الغرب الليبي لتمهيد الطريق إلى العاصمة.
الأربعاء 2018/12/19
الخطة جاهزة

طرابلس والقاهرة - تؤكد معلومات حصلت عليها “العرب” أن قائد الجيش الليبي المشير خليفة حفتر بدأ سلسلة من الاجتماعات مع قيادات عسكرية تنحدر من الغرب الليبي، لقياس مدى تقبل الوضع العام في البلاد لعملية نوعية للجيش باتجاه طرابلس، وهو الأمر الذي لا يلاقي ترحيبا من مصر التي تعتبر نفسها أهم رعاة المشير.

وكشفت المعلومات أن حفتر يركز الآن على ضبط استراتيجية تضع في حسابها تهيئة الظروف المناسبة لتجنب وقوع خسائر كبيرة، من خلال التنسيق بين الأذرع المسلحة التي يمكنها الانسجام مع القوات القادمة من الشرق والجنوب لتطويق العاصمة، والتعاون مع بعض الجيوب التي تكن الولاء لقائد الجيش الليبي.

وتعتقد قيادات من الجيش الليبي أن الظروف صارت مواتية لتنفيذ عملية نوعية في طرابلس مستندة على ما أصاب الميليشيات من تراجع في الأشهر الماضية، وغضب شرائح كبيرة من سكان المدينة على نفوذ الميليشيات المسيطرة على حياة الناس.

وفي ردة فعل سريعة ومباشرة على المعلومات بشأن استعداد حفتر لدخول طرابلس، أصدرت أربع مجموعات مسلحة في العاصمة الليبية بيانا حذرت فيه من خطوة بمثل هذا الحجم.

وتعهدت كتائب القوة الثامنة (النواصي) وكتيبة ثوار طرابلس، وقوة الردع وكتيبة باب تاجوراء، في بيان لها بالحفاظ على أمن العاصمة، وتوفير الأمن للبعثات الدبلوماسية.

ويدعم الناشط السياسي سليمان البيوضي ما يتردد من أنباء بشأن إمكانية دخول الجيش إلى العاصمة. وقال لـ”العرب” إن “الجيش قادر على أن يكون في طرابلس متى أراد ذلك، بناء على قناعات سكانها الذين ملوا من الفوضى”.

وقلل المتحدث باسم الجيش العميد أحمد المسماري في تصريح أدلى به لـ”العرب” من هذه التسريبات، وقال إن الجيش لن يدخل طرابلس إلا في حال وجود خطر إرهابي، مشيرا إلى أن القوات المسلحة تحارب الإرهاب والعصابات الإجرامية في محيط الهلال النفطي.

وقال متابعون إن المسؤولين المقربين من حفتر يتكتمون على أخبار التحرك الكبير باتجاه طرابلس، وهذا ما يفسر النفي الصادر عن الناطق باسم الجيش.

وبدأ الحماس للحسم عسكريا في العاصمة يسيطر على فكر حفتر رغم التحذيرات التي تلقاها من دوائر إقليمية ودولية عن صعوبة المهمة، وعن تعقيدات الوضع في طرابلس. كما أنه لم يتجاوب مع دعوة مصرية لاستئناف اجتماعات توحيد المؤسسة العسكرية الليبية في أقرب وقت، وهي اجتماعات تتم بترتيبات ومتابعة مصريين.

ودرج حفتر، ومسؤولون مقربون منه، في الأسابيع الماضية، على القول إن الجيش الليبي موحد حاليا وقوي، ولا يحتاج إلى تركيبة جديدة يمكن أن تحمل معها مشاكل وخلافات الجيش في منأى عنها.

وتلقى حفتر إشارات فرنسية داعمة للتقدم بقواته نحو طرابلس، وأن بإمكانه وقف الفوضى التي أحدثتها الكتائب المسلحة، وأنه سيجد دعما من باريس لهذه الخطوة.

الحسم في طرابلس
الحسم في طرابلس

وتعتقد أوساط دبلوماسية أن الدعم الذي قد يتلقاه حفتر من باريس لن يكون عسكريا، وأنه قد لا يتجاوز الدعم الدبلوماسي بوجه تناقض الأجندات على الأرض الليبية، وخاصة من نفوذ متصاعد لإيطاليا.

وشددت على أن دخول طرابلس لن يكون من دون عوائق، وأن الأوضاع في ليبيا معقدة، ما يجعل الحديث عن عملية عسكرية كبيرة أمرا غير واقعي، خاصة في ظل انتشار الميليشيات واستمرار تحكمها في مفاتيح كثيرة، ناهيك عن الوجود القبلي المحيط بالعاصمة ومداخلها الرئيسية، وفي الطريق إليها، لا سيما من مصراتة والزنتان.

وبدأت ثقة حفتر في دوره تتزايد مع وعود تلقاها من باريس بدعمه، والسعي إلى الحصول على رفع جزئي لتوريد المعدات العسكرية لفائدته. كما أن انفتاحه على روسيا، جعله يرى أن موسكو الطامحة يمكنها دعمه في أي وقت، وتأييده سياسيا في هجوم الحسم على طرابلس، وتوفير غطاء دولي له يخفف حدة الانتقادات المتوقعة.

كما أخذت فكرة الهجوم تتبلور أكثر في ذهن قائد الجيش الليبي، عندما شعر أنه حقق اختراقا في العلاقة مع إيطاليا، التي بذلت جهودا لإقناعه بحضور مؤتمر باليرمو في نوفمبر الماضي.

وقالت مصادر مصرية مطلعة على الملف لـ”العرب” إن ثمة مبالغة في قراءة الاعتراف الخارجي بحفتر، وأن القاهرة لا تخفي انزعاجها مما اعتبرته “تمردا” على بعض القوى الإقليمية التي دعمته من البداية، وبينها مصر، والذي لم يتجاوب مع الكثير من التحذيرات التي وجهتها له، وأهمها أن “دخوله إلى طرابلس في هذه الأجواء ومن دون استعدادات كافية قد يكون فخا للتخلص من دوره على المسرح الليبي”.

وتجسدت ملامح الجفاء بين حفتر ومصر في محددات عدة، أبرزها التلكؤ في المضي قدما حيال ملف توحيد المؤسسة العسكرية، الذي أيده بقوة سابقا، وهو ملف تكمن حيوته في أنه يمنح القاهرة دورا مؤثرا في إطفاء الأزمة الليبية في سياق حماية أمنها القومي.

وتؤاخذ القاهرة على قائد الجيش الليبي التلكؤ في تسليمها القيادي المتشدد هشام العشماوي، وأن ذلك لم يتم إلا بعد حوالي ثلاثة أشهر من إلقاء القبض عليه. وبدا البرود في علاقته بالقاهرة خلال زيارته لمصر، الأسبوع الماضي، لحضور حفل زفاف ابنته، حيث لم يحظ بأي اهتمام رسمي على عكس زياراته السابقة.

وتقول أوساط مصرية مطّلعة إن القاهرة تدرك الأهمية الكبيرة التي يمثلها حفتر للأمن والاستقرار في شرق ليبيا القريب من حدودها، وأنها لم تصل بعد إلى مرحلة القطيعة معه، على الرغم من امتلاكها خيارات وبدائل أخرى.

1