تحذير خليجي وانتقاد بريطاني يطبعان سلسلة زيارات أوباما الأخيرة

لم تخل تصريحات الرئيس الأميركي باراك أوباما بمناسبة زيارته لبريطانيا من جمل سياسية تمثل مفاتيح فهم السياسة الأميركية في الآونة الأخيرة. فبعد حضوره لقاء قمة جمعته بقادة دول مجلس التعاون الخليجي والتي كانت بمثابة قمة التحذير من مغبة مواصلة سياسة التساهل مع إيران، فإن الأجواء المشحونة دبلوماسيا تتابع أوباما حتى في زيارته للحليفة التاريخية بريطانيا التي تشهد حركية في شارعها السياسي من إشكالية البقاء في الاتحاد الأوروبي ومن التبعية البريطانية للولايات المتحدة، على مستوى التدخلات العسكرية بالأساس.
السبت 2016/04/23
الملكة إليزابيث تجد في لقائها مع باراك أوباما مجالات قليلة للاتفاق مقارنة بتلك التي كانت متوفرة مع 11 رئيسا من أسلافه

لندن – “إبلاغ الولايات المتحدة لنا في بريطانيا بأن علينا التنازل عن جانب كبير من ديمقراطيتنا مثال مذهل على مبدأ افعلوا مثلما أقول وليس مثلما أفعل”، هذا التصريح الصادر عن رئيس بلدية لندن بوريس جونسون، كاف حسب مراقبين لوضع زيارة الرئيس الأميركي باراك أوباما في إطارها الراهن في علاقة بموقف بريطانيا من إصرار الولايات المتحدة على بقائها في الاتحاد الأوروبي.

ورغم تأكيد التقارير الأميركية على أن زيارة أوباما لبريطانيا، التي تلت القمة الخليجية الأميركية الصعبة، سوف تتضمن نقاشات حول ملفات عديدة، إلا أن محور الاتحاد الأوروبي يعتبر الشغل الشاغل للقادة الحكوميين والسياسيين والرأي العام البريطاني وأيضا للرئيس الأميركي الذي تزامنت زيارته مع انطلاق حملة الاستفتاء حول بقاء بريطانيا في الاتحاد الأوروبي.

أرجوكم لا تخرجوا

إصرار الولايات المتحدة على عدم خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي ليس جديدا، بل يعد ملفا مؤرقا للبيت الأبيض منذ سنتين وزادت أهميته في أعين المسؤولين الأميركيين خاصة بعد تبلور الكتلة الرافضة للبقاء في الاتحاد الأوروبي داخل التيار المحافظ الذي يحكم بريطانيا اليوم، والذي شكّل مجموعة ضغط كبيرة تسمى “محافظون من أجل بريطانيا”.

وينعكس القلق الأميركي من خلال تصريحات أوباما، التي حثّ فيها الناخبين البريطانيين على التصويت للبقاء في الاتحاد الأوروبي. وقد كتب أوباما، في مقال لصحيفة ديلي تليغراف نشر صبيحة وصوله إلى لندن، “الولايات المتحدة تحتاج نفوذكم للاستمرار. وهي ترى أن صوتكم القوي في أوروبا يضمن موقفا أوروبيا قويا في العالم ويحافظ على التطلعات الخارجية المنفتحة للاتحاد الأوروبي واتصاله عن كثب بحلفائه على الجانب الآخر من الأطلسي”.

وأضاف أوباما في مقاله، الذي حمل عنوان “باراك أوباما: دعوني أخبركم كصديق أن الاتحاد الأوروبي يجعل بريطانيا أعظم”، “رغم أننا جميعا نهتم بسيادتنا فإن الأمم التي تمارس نفوذها بشكل أكثر فعالية هي الأمم التي تفعل ذلك من خلال العمل الجماعي الذي يلبي التحديات الراهنة. وهذا النوع من التعاون -ابتداء من تبادل المعلومات المخابراتية ومكافحة الإرهاب إلى إبرام اتفاقيات لتوفير فرص العمل والنمو الاقتصادي- سيكون أكثر فعالية بكثير إذا امتد عبر أنحاء أوروبا”.

ينعكس القلق الأميركي من خلال تصريحات أوباما، التي حثّ فيها الناخبين البريطانيين على التصويت للبقاء في الاتحاد الأوروبي

واختتم الرئيس الأميركي “نصيحته” بنبرة يحاول من خلالها اللعب على وتر مشاعر البريطانيين، بقوله “الاتحاد الأوروبي ساعد على نشر القيم والعادات البريطانية مثل الديمقراطية ودولة القانون والأسواق الحرة إلى القارة الأوروبية وما بعدها”. وأضاف “معا، الولايات المتحدة والمملكة المتحدة والاتحاد الأوروبي، حوّلنا قرونا من الحروب في أوروبا إلى عقود من السلام، وعملنا معا لجعل هذا العالم مكانا أفضل وأكثر أمنا. كان هذا إرثا رائعا، ويمكننا تحقيق إرث رائع آخر، في حال واجهنا معا تحديات هذا القرن الجديد أيضا”.

لكن، الخبراء يشكّكون في أن ينجح أوباما، في إقناع البريطانيين مثلما فشل في استرضاء الخليجيين الذين التقاهم في الرياض التي جاء منها إلى لندن. ومثلما اصطدم في الرياض بسياسة “تغيرنا” وجد أيضا نفس الموقف في بريطانيا، في خطوة يقول خبراء إنها تؤشّر على بوادر تغييرات في طبيعة العلاقة الخاصة التي تجمع المملكة المتحدة والولايات المتحدة.

ويشير تقرير لمركز ستراتفور الأميركي للأبحاث والاستخبارات إلى أن تاريخ البلدين المتشابك لم يمنع من أن تشهد العلاقات الأميركية البريطانية تراجعا ملحوظا، بعد أن كان البلدان أهم حليفين خاصة في الفترة الممتدة بين 1945 و2007. وهذه الفترة، بالذات، محل انتقادات بريطانية كبرى، حيث يشير خبراء ستراتفور إلى أن بعض البريطانيين المحافظين ذهبوا إلى حدّ تصوير إدارة رئيس الوزراء البريطاني طوني بلير على أنها نائبة لإدارة الرئيس الأميركي جورج دبليو بوش، وذلك على خلفية الدعم الرئيسي الذي قدمته له المملكة المتحدة في مختلف التدخلات العسكرية في العراق وأفغانستان.

وتاريخيا، مرّت علاقة بريطانيا مع الولايات المتحدة بعدة تحولات؛ ففي عام 1944، في ظل تشكُّل عالم ما بعد الحرب في بريتون وودز، بدت القوتان متكافئتين. ثم خلال العدوان الثلاثي على مصر في 1956، كان واضحا أن الولايات المتحدة متفوقة على بريطانيا، التي انسحبت من الأراضي المصرية بأمر أميركي. ومع ذلك، بقيت الدولتان شريكتين ثابتتين منذ سقوط الاتحاد السوفيتي.

بوريس جونسون: لا نريد تلقي نصائح من الأميركيين بشأن عضوية الاتحاد الأوروبي

تغير الأهداف

تحاول الولايات المتحدة إعادة توجيه تركيزها من الشرق الأوسط إلى شرق آسيا، حيث ترى أن الصين الصاعدة هي منافستها القادمة. هنا، يعتبر تحالف المملكة المتحدة أقل وضوحا وذلك لسببين، الأول هو الجغرافيا، فخلافا للمشاريع الأمنية التي كانت قائمة خلال العقدين الماضيين، فإن أي مواجهة محتملة بين الصين والولايات المتحدة تبدو أشبه بالحرب الباردة، والتي تتطلب وضع استراتيجية أكثر من الدعم السياسي. فعندما كان الاتحاد السوفيتي خصما وألمانيا ساحة للمعركة، كان موقع المملكة المتحدة مثاليا.

على مستوى شرق آسيا، تبدو المملكة المتحدة أكثر تضاربا، خلافا لما كانت عليه في المنافسات السابقة. من خلال مغازلتها للاستثمارات الصينية في العام الماضي، عارضت المملكة المتحدة رغبات الولايات المتحدة بشكل مباشر، ووقعت اتفاقات مع البنك الآسيوي للاستثمار في البنية التحتية. وباتالي وإلى حد ما، يبدو أن تغيير التيارات العالمية سوف يتسبب في تباعد الأصدقاء القدامى.

تتطلب “العلاقة الخاصة” بين البلدين، كما وصفها ونستون تشرشل، القليل من الجهد للحفاظ عليها، لكن، الأمر لا يبدو مبشرا لأوباما، حيث تلقي تراكمات السياسات السابقة مع ارتفاع عدد مؤيدي الخروج من الاتحاد الأوروبي بظلالها على العلاقات الأميركية البريطانية الراهنة.

اليوم، بعض المبادئ التي يقوم عليها التحالف بين البلدين لم تعد موجودة، وحتى دور المملكة المتحدة في مواجهة أنشطة روسيا في أوكرانيا، كان في الآونة الأخيرة محدودا، بما أنها ليست من بين البلدان التي دخلت في المفاوضات، ومن وجهة نظر المملكة المتحدة، جعلت الفرص الاقتصادية في جميع أنحاء العالم من الانضمام إلى الولايات المتحدة في كل مغامرة، أمرا أقل تحفيزا مقارنة بالماضي. وعلى سبيل المثال، في عام 2013، فشلت المملكة المتحدة في دعم تدخل الولايات المتحدة في سوريا. وقبل عشرة أعوام، كان من الصعب تخيل أن يفعل بلير الشيء ذاته مع بوش.

لئن كانت دعوات أميركا منذ فترة إلى عدم ترك بريطانيا لمكانها ضمن دول الاتحاد إحدى أهم النقاط التي تتعلق بالملف الأوروبي بالنسبة إلى الخارجية الأميركية، إلا أن ثبات الناخبين البريطانيين على موقفهم يعد تحديا جديا أمام ما تطمح إليه الولايات المتحدة، وفي ذلك عدة تصريحات تلخص حالة موقف الرأي العام البريطاني، خاصة السياسيين.

موقف الولايات المتحدة الأميركية يدعم في جانب منه وبشكل غير مباشر النزعة الانفصالية

بل إن الموقف الأميركي يدعم في جانب منه وبشكل غير مباشر النزعة الانفصالية، حث يرى البريطانيون الداعمون للخروج من الاتحاد الأوروبي، أن دور المملكة المتحدة كقوة مؤثرة في أوروبا هو ما كانت الولايات المتحدة تقدره أكثر في حليفتها، ولولا ذلك لكانت العلاقات ربما شديدة التعارض.

وحتى وإن كان قرار الحكومة البريطانية، التي يرأسها المحافظ ديفيد كاميرون في فبراير الماضي، يؤكد بقاء بريطانيا في الاتحاد الأوروبي على مستوى الصيغة الحالية، إلا أن استطلاعات الرأي الأخيرة تقول إن البريطانيين ينتظرون استفتاء 23 يونيو المقبل كي يقولوا كلمتهم الأخيرة والمرجح أن تكون رافضة لبقاء بريطانيا ضمن دول الاتحاد إلا بشروط، لذلك فإن آراء تقول إنه من المرجح أن تكون جهود أوباما الساعية لإبقاء بريطانيا في الاتحاد، بل وتقديمها للمزيد من التنازلات السيادية، جهودا غير فعالة.

استفاقة متأخرة

أهم إنجازات إدارة أوباما على المستوى الخارجي كانت الاتفاق النووي الإيراني، وهو اتفاق لا يحظى بالتوافق داخل الولايات المتحدة قبل خارجها، فقد غرقت واشنطن في السنوات الأخيرة في ملف إيران والمسألة السورية واقتسام النفوذ مع روسيا، ونسيت أن لها مصالح في أوروبا عليها رعايتها.

سنوات المفاوضات مع الجانب الإيراني حول برنامجه النووي أخذت حيزا كبيرا من تركيز العمل الدبلوماسي الأميركي

سنوات المفاوضات مع الجانب الإيراني حول برنامجه النووي أخذت حيزا كبيرا من تركيز العمل الدبلوماسي الأميركي، دون أن تصل واشنطن إلى حلول ملائمة للقوانين الدولية وطبيعة التهديدات الخطيرة التي تمثلها إيران على منطقة الشرق الأوسط، وهذا ما يفسر الجفاء الأخير الذي طبع زيارة أوباما إلى الرياض والتي ظهرت كأنها زيارة اعتذار قوبلت بلا مبالات خليجية.

وفي الحين الذي تفشل فيه سياسة أوباما في مناطق عديدة في العالم، آخرها ترقيع الحلول في العراق بزيادة عدد الجنود، فإن حلوله في ما يتعلق ببريطانيا وبقائها في الاتحاد الأوروبي لا تظهر على أنها ناجعة. وما يزيد الأمر تعقيدا أن انطباع الفشل في سياسات أوباما مؤخرا يهيمن على زيارة نهاية الخدمة، التي ستحمله بعد السعودية وبريطانيا، إلى ألمانيا حيث يلتقي أنجيلا ميركل ومسؤولين أوروبيين آخرين. وقد ظهر الأمر بالنسبة إلى الرأي العام الخليجي كما البريطاني على أنها آخر الدعوات التي يرجو من خلالها أوباما ترك البيت الأبيض بعلامة جيدة أو مقبولة بالنسبة إلى الحلفاء.

7