تحركات إثيوبية لرأب الصدع تغير قواعد العلاقة مع الخصوم

تغير موقف إثيوبيا من إريتريا وتوطيد العلاقات مع دول الجوار يمكن أن ينعكس سلبا على مفاوضات السد النهضة ويؤدي إلى المزيد من التشدد والتعنت.
الأحد 2018/06/10
هل ستتخلى إثيوبيا عن سياسة المماطلة

القاهرة - وصل وزير الري والكهرباء الإثيوبي سلشى بيكيلى القاهرة، السبت، للقاء عدد من كبار المسؤولين المصريين؛ وإجراء مباحثات ثنائية بشأن ملف سد النهضة الإثيوبي والتنسيق للاجتماع التساعي الثالث لوزراء الخارجية والري ورؤساء المخابرات في كل من مصر والسودان وإثيوبيا والمقرر انعقاده 18 يونيو الجاري.

وكشفت مصادر مصرية لـ”العرب” أن الزيارة المقرر لها أن تستمر بضعة أيام، تأتي في إطار تنسيق متفق عليه في آخر اجتماع بين مسؤولي الدول الثلاث، وأن اللقاء سيناقش بالأساس سبل التعاون الاقتصادي وزيادة المشروعات الاستثمارية في مجالات البنية التحتية للزراعة والري.

 ويأتي الاجتماع متسقا مع ما أفضت إليه الوثيقة المبرمة بين ممثلي مصر والسودان وإثيوبيا في الاجتماع الماضي على مخرجات تم الاتفاق فيها على توجيه ملاحظات الدول إلى المكتب الاستشاري بشأن التقرير الاستهلالي، وعقد قمة ثلاثية كل 6 أشهر، وإنشاء صندوق الاستثمار المشترك، وتشكيل مجموعة علمية مستقلة لتحقق التقارب حول السد.

وتؤكد القاهرة أنها معنية بالتركيز على التعاون الاقتصادي والاستثماري مع إثيوبيا كوسيلة مثلى لتحسين العلاقات المتوترة بسبب خلاف وجهات النظر حول بناء سد النهضة، الذي تخشى القاهرة من تأثيره على حصتها المائية القادمة من نهر النيل وتقدر بـ55.5 مليار متر مكعب.

وإنشاء صندوق استثماري ليس المشروع الأول الذي تدعمه مصر لتوطيد العلاقات مع أديس أبابا، فقد أعلنت الحكومة عزمها تعزيز التعاون في مجالات التجارة والاستثمار وتكنولوجيا المعلومات والصحة والصناعات الدوائية وإرسال القوافل الطبية، وإقامة المناطق الصناعية والاستثمار الزراعي. واقترحت على الجانب الإثيوبي المساعدة في بناء السد وتقديم كفاءات وخبرات كبيرة في إدارة السدود.

ويقول خبراء أن الحكومة المصرية بدأت تستفيد من سياسة الانفتاح التي يتبناها آبي أحمد، وتتبع إستراتجية مختلفة مؤخرا في تناولها الدبلوماسي لأزمة سد النهضة، فهي تسعى لتوطيد العلاقات مع الجانب الإثيوبي وزيادة حصة المصالح المشتركة بينهما، ما يؤدي إلى زيادة الاستثمارات المصرية في إثيوبيا بصورة تساعد على تجسير الفجوة بين البلدين.

ويرى هؤلاء أن زيادة الاستثمارات يمكن أن تكون ورقة ضغط في المستقبل على أديس أبابا لمنعها من تصعيد موقفها في ملف سد النهضة، خوفا على الاستثمارات الأجنبية التي تريد إثيوبيا زيادتها، وتحرص على توفير مناخ ملائم لنموها.

الحكومة المصرية بدأت تستفيد من سياسة الانفتاح التي يتبناها آبي أحمد، وتتبع إستراتجية مختلفة مؤخرا في تناولها الدبلوماسي لأزمة سد النهضة

وتميل إثيوبيا مع الإدارة السياسية الجديدة إلى تغيير قواعد سياستها الخارجية وتحسين علاقاتها مع دول حملت معها عداوة لفترات طويلة.

وأعلنت أديس أبابا قبل يومين موافقتها على تنفيذ اتفاق الجزائر الموقع عام 2000، لإنهاء النزاع الحدودي مع دولة إريتريا. وقالت “على الحكومة الإريترية تبني الموقف نفسه بلا شروط مسبقة والقبول بدعوتنا إلى إحلال السلام المفقود منذ فترة طويلة بين البلدين الشقيقين، كما حدث في الماضي”.

كانت إريتريا أعلنت استقلالها 1993 مما حرم إثيوبيا من واجهتها البحرية الوحيدة على البحر الأحمر. وأسفرت الحرب الحدودية الطويلة والتي انتهت بتوقيع اتفاق الجزائر وترسيم الحدود التي منحت بلدة “بادمي” إلى إريتريا، لكن إثيوبيا رفضت سحب قواتها من البلدة حتى الآن. وقدم آبي أحمد منذ توليه منصب رئيس الوزراء خطابا يفيد بتبني سياسة تقوم على التهدئة على المستوى الداخلي الذي يعج بالغضب والفوضى بسبب الوضع الاقتصادي المتأزم والخارجي بدعم فكرة التفاوض بشكل أشمل وأوسع.

وترى دوائر في القاهرة أن التحول الإثيوبي الظاهر سيكون محل اختبار في طريقة التعامل مع ملف سد النهضة، وهل ستتخلى أديس أبابا عن سياسة المماطلة التي اتبعتها طوال السنوات الماضية وتعتمد بالأساس على إفشال منهج المفاوضات والمضي في البناء ليصبح السد أمرا واقعا.

ويقول هاني رسلان، الخبير في الشؤون الأفريقية، أن التوافق الإريتري الإثيوبي لا يعبر عن تغير شامل في السياسة الخارجية في كافة الملفات، وتوطيد العلاقة مع أسمرة له أبعاد داخلية تتلخص في تحسين الوضع الاقتصادي من خلال فك العداوة التاريخية ومحاولة تقليص هيمنة قبيلة التيجراي التي كانت تسيطر على الحكم في إثيوبيا لسنوات طويلة قبل أن يأتي آبي أحمد من قبيلة الأورمو، إثر غضب شعبي ضد الحكومة السابقة، بسبب مستوى المعيشة المتدني وعدم توفر المواد الأساسية.

ويضيف رسلان لـ”العرب”، “أن تغير موقف إثيوبيا من إريتريا وتوطيد العلاقات مع دول الجوار يمكن أن ينعكس سلبا على مفاوضات سد النهضة ويؤدي إلى المزيد من التشدد والتعنت، ويسد على مصر الثغرات التي أزعجت أديس أبابا مؤخرا”.

ومثلت إريتريا صداعا لإثيوبيا وثغرة للضغط على الحكومة. واتهمت أديس أبابا القاهرة بتقديم مساعدات مالية ودعم لوجيستي وعتاد وسلاح لدعم الحكومة الإريترية في نزاعها الحدودي مع إثيوبيا.

3