تحركات الشاهد تصطدم بعودة المفاوضات بشأن إقالته

رئيس الحكومة التونسية يستعد لتعديل فريقه الوزاري وسط اتفاقات بين السبسي والطبوبي والغنوشي تحسم مصير الحكومة.
الجمعة 2018/06/08
الشاهد متهم بتطبيق أجندات النهضة للحفاظ على منصبه
 

تزامنا مع تسارع تحركات يوسف الشاهد رئيس الحكومة التونسية التي بدأها بإقالة وزير الداخلية لطفي براهم تأهبا للقيام بتعديل وزاري يشمل حقائب أخرى في الأيام القليلة القادمة، عجّلت الأزمة السياسية الحادة بعودة مفاوضات جدية غير معلنة يقودها الرئيس الباجي قائد السبسي مع الطرفين السياسيين الهامين، وهُما حركة النهضة الإسلامية والاتحاد العام التونسي للشغل.

تونس - يُحاول رئيس الحكومة التونسية يوسف الشاهد توظيف الرياح السياسية التي تخدم مصلحته خاصة بتلقيه مساندة سياسية كبرى من حركة النهضة الإسلامية وذلك عبر نهج خيارات هامة شملت أهم مراكز النفوذ صلب أجهزة الدولة ومن أهمها إقالة وزير الداخلية لطفي براهم الذي يُوصف في الأوساط السياسية داخل البلاد بأنه أحد أقوى المنافسين للشاهد على نيل رضا الرئيس الباجي قائد السبسي قبل انتخابات عام 2019.

وأكّدت مصادر مطلعة على كواليس تحركات الشاهد، لـ”العرب”، أن رئيس الحكومة ضرب عبر إقالته لطفي براهم عصفورين بحجر واحد إذ تخلص من أحد أهم مساندي حافظ قائد السبسي المدير التنفيذي لحزب نداء تونس المستميت في وجوب إقالة رئيس الحكومة وعزز أيضا علاقته مع حركة النهضة الإسلامية المساندة له والرافضة منذ البداية للطفي براهم في منصب وزير الداخلية.

وأضافت نفس المصادر المقربة من قصر القصبة (قصر الحكومة) أن يوسف الشاهد لن يكتفي بإقالة لطفي براهم بل إنه سيستبق ما ستؤول إليه مفاوضات قصر قرطاج الداعية لإحياء المشاورات حول وثيقة قرطاج 2 وخاصة النقطة 64 التي تتعلق بتعيين رئيس حكومة جديد عبر الإعلان عن تعديل وزاري جزئي خلال الأسبوع القادم على أقصى تقدير.

عماد الخميري: لقد تعودنا على اتهام حركة النهضة في كل مرحلة تشهد فيها البلاد تغيرات
عماد الخميري: لقد تعودنا على اتهام حركة النهضة في كل مرحلة تشهد فيها البلاد تغيرات

وأكّد إياد الدهماني الناطق الرسمي باسم الحكومة هذا الطرح بإعلانه، الأربعاء في تصريحات إعلامية، أن يوسف الشاهد سيجري تعديلا وزاريا جزئيا في الساعات القادمة رافضا الإفصاح عن الوزراء الذين سيشملهم التغيير.

وتعددت التحليلات حول خلفيات إقالة وزير الداخلية لطفي براهم، كما تعكف مؤسسة رئاسة الجمهورية على إجراء مفاوضات جادة مع الأمين العام لاتحاد الشغل نورالدين الطبوبي وراشد الغنوشي زعيم حركة النهضة.

وقال الطبوبي، عقب لقائه رئيس الجمهورية الأربعاء، “إنه تم التوصل إلى اتفاقات ستساهم في انفراج الأزمة السياسية بالبلاد”. واعتبر مراقبون أن هذا التصريح يدل على وجود تفاهمات سياسية ستفضي إلى إقالة يوسف الشاهد بعد إقناع رئيس حركة النهضة بذلك.

وأسرت مصادر مطلعة على كواليس قصر قرطاج، لـ”العرب”، بأن اللقاء الذي جمع الأحد الماضي الرئيس قائد السبسي بالغنوشي والذي دام أكثر من ساعتين تم فيه الحديث بإطناب عن سيناريوهات عديدة لحل الأزمة السياسية علاوة على  التطرق إلى الجدل حول النقطة 64 من وثيقة قرطاج 2 والتي تنص على تغيير الحكومة.

ورجحت نفس المصادر أن يكون قائد السبسي والغنوشي قد اتفقا بصفة غير معلنة على تقديم تنازلات متبادلة منها قبول رئيس الجمهورية بإقالة وزير الداخلية لطفي براهم (المحسوب على قصر قرطاج) في مقابل تنازل حركة النهضة عن التمسك ببقاء يوسف الشاهد كرئيس للحكومة.

وأكدت مصادرنا أن العودة إلى المفاوضات حول وثيقة قرطاج 2 ستكون عل أقصى تقدير نهاية هذا الأسبوع. ولم تستبعد نفس المصادر فرضية الإعلان عن إقالة يوسف الشاهد وتكليف شخصية أخرى بتشكيل كفاءات سياسية حزبية ومضيقة تقود المرحلة القادمة إلى غاية انتخابات 2019.

ويرى مراقبون أن قرار الشاهد إقالة براهم زاد في تعقيد المشهد لتتحول المعركة من معركة سياسية إلى صراع حول مراكز النفوذ بين نداء تونس وحركة النهضة، مما يفتح الباب أمام سيناريوهات عدة خصوصا أن رئاسة الجمهورية لم تؤكد بصفة رسمية موافقة الرئيس الباجي قائد السبسي على إقالة وزير الداخلية.

وقال عماد الخميري الناطق الرسمي لحركة النهضة، لـ”العرب”، إن “النهضة تبقى ممدودة الأيدي لكل طرف يريد أن يعمل من أجل مصلحة البلد” دون أن يستبعد فرضية إحياء المفاوضات حول وثيقة قرطاج والتوصل إلى اتفاقات نهائية بشأنها.

وقال الخميري، بشأن الاتهامات الموجهة لحركته بالضغط على الشاهد لإقالة وزير الداخلية، “لقد تعودنا على مثل هذه الاتهامات التي توجه لحركة النهضة في كل مرحلة تشهد فيها البلاد تغيرات سياسية أو اقتصادية أو اجتماعية”.

وأكّد أن إقالة الوزراء هي من صميم صلاحيات رئيس الحكومة فقط بالتشاور مع رئيس البلاد.

عمار عمروسية: الوضع خطير ويؤشر على وجود صراع بين قصري قرطاج والقصبة
عمار عمروسية: الوضع خطير ويؤشر على وجود صراع بين قصري قرطاج والقصبة

وأمام المزيد من تعقد الأزمة السياسية في تونس، تطرح أحزاب المعارضة مقاربات أخرى منها ما قدمه حزب التيار الديمقراطي الذي دعا على لسان أمينه العام غازي الشواشي إلى وجوب أن يتحمل الرئيس قائد السبسي مسؤوليته إزاء الأزمة السياسية التي تعيشها تونس وتصحيح المسار السياسي.

وقال الشواشي، في تصريح لإذاعة محلية خاصة، “يجب على رئيس الجمهورية العودة إلى دستور 2014 وطرح مسألة تجديد الثقة في حكومة يوسف الشاهد من عدمها على البرلمان” وذلك بتطبيق الفصل 99 من الدستور التونسي.

وينص هذا الفصل من الدستور على أنه يمكن “لرئيس الجمهورية أن يطلب من مجلس نواب الشعب التصويت على تجديد الثقة في الحكومة مرتين على الأكثر خلال كامل المدة الرئاسية، ويتم التصويت بالأغلبية المطلقة لأعضاء مجلس نواب الشعب”. ويوضح الفصل أنه إذا لم يجدد البرلمان الثقة في الحكومة تعتبر مستقيلة، حينها يكلف رئيس البلاد الشخصية الأقدر لتكوين حكومة في أجل أقصاه 30 يوما”.

فيما ذكر عمار عمروسية القيادي بالجبهة الشعبية، لـ”العرب”، أن “الائتلاف الحاكم -وفي مقدمته رئيسا الجمهورية والحكومة- أسهم في إدخال البلاد في منزلقات خطيرة لا تتعلق بمصلحة الشعب بقدر ما تتعلق بالسيطرة على مراكز النفوذ والأجهزة الأمنية”.

وأضاف “الجبهة الشعبية لا تأسف لإقالة لطفي براهم لأنه منذ تسلمه منصبه على رأس وزارة الداخلية قام بانتهاكات عديدة منها قمع الحراك الاجتماعي في مطلع العام أو من خلال تأكيده في البرلمان وضعه أجهزة للتنصت على الصحافيين والإعلاميين”.

واعتبر عمروسية أن “المشهد ضبابي” حاليا خاصة مع عدم التأكد من موافقة الرئيس السبسي على إقالة وزير الداخلية. وقال “الوضع خطير ويؤشر على وجود صراع كبير بات معلنا بين قصري قرطاج والقصبة، بسبب الاستحقاقات الانتخابية التي ستجري العام القادم، عوض البحث عن حلول لأزمات البلاد الخانقة”.

وقال عمروسية “رغم أن الوضع دقيق وصعب فإنه يتطلب -وفق تصورات الجبهة الشعبية- إخراج الائتلاف الحاكم الذي تقوده حركة النهضة ونداء تونس من جهة والباجي قائد السبسي والغنوشي من جهة ثانية عبر صناديق الاقتراع، وذلك من خلال إجراء انتخابات تشريعية ورئاسية مبكرة”.

4