تحركات قطرية في شرق أفريقيا لمواجهة العزلة الخليجية

يضيق الخناق على الدوحة بعد أن كشفت دول المقاطعة دورها في دعم الإرهاب ورضوخها للوصاية الإيرانية دون اكتراث لأمن دول الخليج والمنطقة العربية، وقد أخذت تتحرك في الآونة الأخيرة لمواجهة العزلة الإقليمية بالتوجه نحو شرق أفريقيا، حيث تعمد قطر إلى استغلال نفوذها الاقتصادي والضخ بأموال طائلة لترويض حلفائها وللضغط على دول المقاطعة، خاصة وأن القاهرة والرياض وأبوظبي تسعى إلى تأمين نفوذها عبر الصومال وإريتريا وجيبوتي، لمواجهة الاختراقات الإيرانية الداعمة للحوثيين في حرب اليمن.
الاثنين 2017/11/20
الدوحة تستثمر في الفوضى أينما حلت

القاهرة- تفصح التحركات القطرية خلال الآونة الأخيرة في منطقة شرق أفريقيا عن رسائل مضادة لتحجيم عزلتها الإقليمية إثر المقاطعة التي أعلنتها الدول الأربع (السعودية ومصر والإمارات والبحرين) للدوحة في يونيو الماضي على خلفية تمويل الإرهاب والتدخل في الشؤون الداخلية للدول.

وفي الوقت الذي اتجهت فيه الدوحة إلى توسيع علاقاتها مع دول المنطقة التي اتخذت موقفا محايدا إزاء الأزمة، مثل إثيوبيا والصومال، صعدت بالمقابل الضغوط على الداخل الاريتري، عبر أدوات إعلامية متنوعة، بعد موقف أسمرة الرافض لدعم نظام قطر في عزلتها.

وتستشعر الدوحة أن المقاطعة سحبت نسبيا من النفوذ الذي راكمته، خلال العقدين الأخيرين في شرق أفريقيا، عبر أدوات أمنية واقتصادية، وترغب في بعث رسالة بأن تضامن دول، مثل جيبوتي وإريتريا وأرض الصومال (أعلنت استقلالها من جانب واحد في العام 1991) مع محور المقاطعة لم ينل من دورها كـ”وكيل إقليمي” ينظر للفضاء الأفريقي كساحة لاستيعاب حركته، كدولة صغيرة تمارس أدوارا خارجية تتجاوز حجمها على حساب القوى الإقليمية الرئيسية في الشرق الأوسط.

واستهدفت الدوحة في الفترة الماضية محاولة الإمساك بأوراق ضغط خلفية على دول المقاطعة العربية، في ضوء مصالح هذه الدول في شرق القارة السمراء، القريبة من ساحل البحر الأحمر ومضيق باب المندب وخليج عدن، وهي نقاط تكتسب أهمية استراتيجية مشتركة، للأمن الخليجي والمصري في آن واحد.

قطر تنظر لدول شرق أفريقيا ليس فقط كساحة خلفية للضغط على دول المقاطعة، لكن أيضا كأحد مخازن التجنيد العسكري

وتسعى القاهرة والرياض وأبوظبي إلى تأمين نفوذها عبر الصومال وإريتريا وجيبوتي، في مواجهة الاختراقات الإيرانية لدعم الحوثيين في حرب اليمن، بخلاف أن الدولتين تعدان أحد أبرز الشركاء الاقتصاديين الأساسيين لدول المنطقة.

وفي المقابل تواجه القاهرة تهديدات متصاعدة من أديس أبابا التي تحاول تغيير موازين القوى لصالحها، عبر الملف المائي، خاصة أن مفاوضات سد النهضة شهدت تعثرا على الصعيد الفني، بما فتح الباب أمام سيناريوهات متأزمة بين البلدين -قد لا تخلو من استخدام القوة العسكرية- في المرحلة المقبلة، في حال استمرار التعنّت الإثيوبي.

استغلال النفوذ الاقتصادي

مع تبني نظام الرئيس عمر البشير سياسة براغماتية تنطوي على الدعوة للحوار في أزمة المقاطعة، سعت الدوحة إلى تثبيت الموقف السوداني، عبر توسيع الاستثمارات في هذا البلد، والتي تقدر بـ3.8 مليار دولار.

وبرز ذلك في إعلان وزير النقل السوداني مكاوي عوض في 15 نوفمبر الجاري أمام البرلمان، عن أن قطر تنوي تأسيس أكبر ميناء للحاويات على البحر الأحمر، بعد أيام من زيارة وزير المالية القطري إلى الخرطوم.

وتحركت الدوحة لمحاولة استعادة دورها في أزمة دارفور غربي السودان، لا سيما وأنها كانت راعية لاتفاق بين الخرطوم والحركات المسلحة بالإقليم في العام 2011، ووقعت الخرطوم في شهر أغسطس الماضي اتفاقا مع صندوق قطر للتنمية لتنفيذ 10 مجمعات سكنية بقيمة 70 مليون دولار، بالتعاون مع منظمة قطر الخيرية والهلال الأحمر القطري.

وتحاول قطر تعظيم توظيف الأداة الاقتصادية لترويض النظام السوداني، ولا يزال الرئيس البشير متمسكا بمنطق الوساطة في أزمة المقاطعة، مثلما تجلى الأمر خلال زياراته إلى كل من قطر والكويت والسعودية في الشهر الماضي. ويسعى البشير إلى بناء معادلة “غير حدية” لا يخسر فيها مصالحه مع مختلف أطراف الأزمة، لأن الخرطوم تعد أحد حلفاء الرياض في التحالف ضد الحوثيين في اليمن، بخلاف ما تملكه كل من الرياض وأبوظبي من استثمارات في هذا البلد.

واتسع الرهان القطري على إثيوبيا، والتي اتخذت موقفا داعيا للحوار منذ بداية أزمة المقاطعة، وبرز ذلك في الاتفاقيات الثلاث التي وقعتها البلدان إبان زيارة رئيس الوزراء الإثيوبي هايلي ماريام ديسالين إلى الدوحة في الـ14 من نوفمبر الجاري.

ففيما استهدفت اتفاقيتان منهما إلغاء متطلبات التأشيرة الدبلوماسية والخاصة وتشجيع الاستثمار المتبادل بين البلدين، فإن الاتفاقية الثالثة المتعلقة بـ”التعاون الدفاعي” أثارت جدلا حول دلالاتها وتوقيتها.

سياسة إغراء

وبرغم أن ما تم تداوله حول مضمون الاتفاق الدفاعي لا يعدو سوى مناورات وتدريبات مشتركة بين البلدين، فإن ما يلفت النظر أن قطر ذاتها تعتمد بالأساس في منظومتها الدفاعية على قوى دولية مثل الولايات المتحدة، أو إقليمية مثل تركيا التي أسست لها قاعدة عسكرية في قطر وزارها رجب طيب أردوغان مؤخرا، فضلا عن أن جيش قطر ذاته لا يزيد عن 12 ألف جندي.

وأخذا في الاعتبار السخاء المالي القطري لترويض الحلفاء في شرق أفريقيا، فإن أحد الاحتمالات وراء تعزيز التعاون الدفاعي الإثيوبي – القطري يتجه إلى تحول الدوحة إلى ممول لصفقات السلاح الإثيوبية، خاصة أن الأخيرة تتحسب حاليا لخيارات عسكرية، كنشوب مواجهة محتملة مع القاهرة، ما لم يتم التوصل إلى تسوية بشأن سد النهضة.

ناهيك عن المساعي الإثيوبية لدعم منظومتها الدفاعية لتعزيز دورها كشرطي في شرق أفريقيا، خاصة في ظل وجود أزمات، كجنوب السودان أو السودان أو الصومال، بخلاف تحسّب أديس أبابا للتوتر القائم مع جارتها إريتريا ودفعها إلى بناء تعاون دفاعي في العام الماضي مع جيبوتي التي تمثل المنفذ الاستراتيجي الوحيد لإثيوبيا حاليا على البحر الأحمر.

وفي المقابل، تنظر قطر إلى دول شرق أفريقيا ليس فقط كساحة خلفية للضغط على دول المقاطعة أو مزاحمة استثمارات الأخيرة لكن أيضا كأحد مخازن التجنيد العسكري، عبر تجنيس الأفارقة لدعم مؤسسات الأمنية والعسكرية، وهي آلية تم توظيفها لمواجهة ثغرات التركيبة السكانية الديموغرافية.

ويؤكد ذلك ما أشارت إليه تقارير مؤخرا بأن “قطر لجأت إلى كل من الصومال والسودان لتجنيد أفراد من البلدين في مؤسساتها الأمنية، وهو ما يمتد بدوره إلى أديس أبابا، في ظل وجود تدفقات عمالة تصل إلى 20 ألف إثيوبي في الدوحة، والتي حرصت خلال السنوات الأخيرة على توطيد علاقتها مع إثيوبيا مع زيارة أمير قطر الشيخ تميم بن حمد آل ثاني لهذا البلد في أبريل الماضي، بعدما كانت العلاقات وصلت إلى حد القطيعة قبل سنوات، عندما اتهمت أديس أبابا الدوحة آنذاك بالانحياز لإريتريا، ودعم جماعة شباب المجاهدين في الصومال.

توظيف الصومال

على صعيد الصومال، الذي مالت حكومته للحياد إزاء المقاطعة على غرار الموقفين السوداني والإثيوبي، سعت الدوحة لتوثيق علاقتها الأمنية مع مقديشو، كما برز في اللقاء الذي عقده رئيس الوزراء القطري عبدالله بن خليفة آل ثاني خلال شهر نوفمبر الجاري مع وزير الأمن الداخلي الصومالي محمد أبوبكر إسلو، وناقشا خلاله تعزيز العلاقات الأمنية ومكافحة الإرهاب.

بل إن الدوحة سارعت إلى إقامة جسر جوي مع الصومال لإخلاء المصابين من التفجير الدامي في مقديشو، والذي أسفر الشهر الماضي عن مقتل 300 شخص وإصابة المئات. ويبدو توظيف قطر لعلاقاتها مع الصومال منطلقا من عدة أمور مضادة لدول المقاطعة، فمن جهة يمكن أن تضغط الدوحة على الإمارات في الساحة الصومالية، لا سيما وأن حكومة مقديشو كانت قد رفضت تأسيس أبوظبي لقاعدة عسكرية في الصومال في هذا العام، والتي دعمت مقاطعة قطر، ومن جهة أخرى فإن الصومال يشكل أحد مخارج الدوحة لتسيير رحلاتها في مجاله الجوي بعد إجراءات منع مرور طائرات الدوحة في أجواء دول المقاطعة.

وتمدّد قطر تحالفها مع تركيا من الشرق الأوسط إلى شرق أفريقيا، خاصة وأن أنقرة تملك قاعدة عسكرية في مقديشو، فضلا عن نشاط إنساني واسع، بخلاف اتفاق البلدين على دعم حركات الإسلام السياسي، خاصة حركة الإصلاح، فرع جماعة الإخوان المسلمين في الصومال. وقد لا يمنع الاندفاع القطري نحو إيران إثر المقاطعة، احتمال تحول الدوحة إلى وكيل إقليمي لتخفيف أزمة طهران مع الصومال، لأن الأخير قطع علاقاته مع إيران في العام 2016 تضامنا مع السعودية، إبان أزمة الاعتداء على سفارتها في طهران.

مع تبني نظام الرئيس عمر البشير سياسة براغماتية تنطوي على الدعوة للحوار في أزمة المقاطعة، سعت الدوحة إلى تثبيت الموقف السوداني، عبر توسيع الاستثمارات في هذا البلد

وتعرضت طهران لاتهامات متعددة على الساحة الصومالية، تارة بتهريب أسلحة باتجاه هذا البلد كممر لدعم الحوثيين في اليمن، وتارة أخرى بأن جماعة شباب المجاهدين تبيع لطهران اليورانيوم من مناجم تسيطر عليها، وهو ما دفع وزير خارجية الصومال في سبتمبر الماضي إلى دعوة واشنطن للتدخل لمواجهة ذلك.

أما إريتريا التي تضامنت مع دول المقاطعة، فقد تعرضت في الآونة الأخيرة إلى ضغوط على الداخل السياسي من قبل الذراع الإعلامي القطري “قناة الجزيرة”، إثر التغطية الموسعة للاحتجاجات الطلابية الإريترية على خلفية إغلاق مدرسة دينية إسلامية ترفض الانضواء صلب المنظومة الرسمية للدول، وأبرزت القناة مؤخرا حضورا لافتا لقيادات إسلامية معارضة لنظام أسمرة، أبرزهم محمد جمعة أبورشيد.

وليست هذه فحسب الضغوط القطرية على أسمرة، بل إن الدوحة كانت قد سحبت جنود حفظ سلام تابعين لها من الحدود المتنازع عليها بين إريتريا وجيبوتي بعد أيام من قرار مقاطعة الرباعية العربية في يونيو الماضي.

ويعد ذلك رسالة مضادة لأسمرة، في ظل تحالفها الإقليمي سواء مع القاهرة وأبوظبي أو الرياض، لا سيما مع استخدام التحالف العربي بقيادة السعودية لقاعدة “عصب” الإريترية في عملياته العسكرية ضد الحوثيين في حرب اليمن.

وتستدعي كل تلك التحركات القطرية في دول شرق أفريقيا رؤية جماعية إقليمية لتحركات أكثر فاعلية من قبل كل من مصر والسعودية والإمارات للحد من الاختراق القطري المضاد لمصالحها بالمنطقة، خاصة أن الدول الثلاث تملك أدوات ضغط متعددة على الصعيد الأمني، والاقتصادي، والإنساني يمكن أن تشكل – حال التنسيق والتكامل في ما بينها – قوة مضادة للنفوذ القطري، وبما يمثل في الوقت نفسه إيذانا بتمدد تحالف المقاطعة من قضايا الشرق الأوسط إلى شرق أفريقيا.

ولعل نذر هذا التوجه برز مؤخرا إبان زيارة وزير الخارجية المصري سامح شكري للرياض، عندما أكدت السعودية تفهمها لشواغل القاهرة بخصوص سد النهضة وأهمية الالتزام بالاتفاقيات وقواعد القانون الدولي.

باحث في الشؤون الأفريقية

7