تحرك إستراتيجي مهم لولي العهد السعودي

تكتسي الدبلوماسية السعودية برداء جديد يوفر لها المزيد من حرية الحركة وهامش المناورة الحيوي، الذي يمثل ورقة ضغط في إدارة العلاقات مع الحلفاء الأساسيين في الغرب.
الجمعة 2019/03/01
مركز ثقل سعودي جديد في آسيا

الجولة الآسيوية التي قام بها الأمير محمد بن سلمان ولي العهد السعودي، وشملت باكستان والهند والصين، مثّلت تحرّكا في غاية الأهمية للدبلوماسية السعودية، يصبّ في مصلحة الأمن الجماعي الخليجي والعربي بما للمملكة من ثقل هائل ودور رائد في قيادة المنطقة الخليجية والعربية.

لا تحتاج المملكة العربية السعودية لبراهين لإثبات مكانتها وثقلها إقليميا ودوليا، فهذه من بديهيات السياسة وحقائق العلاقات الدولية، ولكن أي تحرك خارجي للمملكة يضيف أهمية نوعية لدور المملكة سواء بحكم ما لولي العهد السعودي من تأثير كبير، أو بحكم ما تحمله أجندة الجولة نفسها من اتفاقات إستراتيجية تعزّّز دور المملكة، وتصبّ في سلّة تعزيز هذا الدور، ليصبح أكثر تأثيرا على المستوى الدولي.

فبالنسبة لزيارة ولي العهد السعودي إلى باكستان، بدت الزيارة مهمة للغاية في ضوء اعتبارات عدة أولها أنها تمثل تحركا سعوديا مهما لإعادة التأكيد على ثوابت العلاقات التاريخية بين البلدين اللذين تربطهما شراكة إستراتيجية منذ عقود، حيث تأتي الزيارة في ظل تولّي رئيس الوزراء الباكستاني عمران خان السلطة في البلاد، بعد فترة طويلة من تداول السلطة بين شخصيات باكستانية تاريخية عرفت بعلاقاتها القوية التقليدية مع دول مجلس التعاون، وتشير المؤشرات إلى أن رئيس الوزراء الجديد يدرك أهمية الحفاظ على علاقات الشراكة الإستراتيجية مع دول مجلس التعاون، والعمل على تطوير هذه الشراكة وتنميتها بما يصبّ في مصلحة تحقيق خططه وبرنامجه السياسي الذي حظي بثقة الناخبين الباكستانيين، وهذا ما تدركه الدبلوماسية السعودية، التي يحسب لها حسن التقدير ومواصلة المساعدة الاقتصادية والمالية لباكستان عقب انتخاب خان، حين كانت تدور في أذهان المراقبين تساؤلات كثيرة حول مسار العلاقات السعودية الباكستانية في المرحلة المقبلة رغم أن الشواهد كانت تؤكد استمرار علاقات التحالف في ظل قيام عمران خان بزيارتين إلى المملكة منذ انتخابه العام الماضي.

بالنسبة لزيارة ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان إلى الهند، فهي لا تقل أهمية من الناحية الإستراتيجية عن زيارته إلى باكستان، بحكم أهمية الدولتين من المنظور الإستراتيجي للمملكة، التي لا بد لها من بناء علاقات متوازنة مع الأطراف والقوى الإقليمية المؤثرة. صاعدة دوليا، سواء على المستوى الاقتصادي أو التنموي، كما أن وتيرة التطور الاقتصادي ولاسيما في مجال تكنولوجيا المعلومات، تجعل منها شريكا حيويا للغاية للمملكة التي تسابق الزمن أجل اللحاق بالتطورات التي يشهدها العالم في مجالات الاقتصاد الرقمي وبناء مجتمع المعرفة والرهان على إعادة إنتاج وابتكار مكامن القوة السعودية.

في المحطة الصينية من الجولة الأسيوية لولي العهد السعودي، هناك رسائل كثيرة حملتها هذه المحطة انطلاقا من قوة وثقل طرفي العلاقة، السعودية والصين، فالزيارة تعكس رهانا سعوديا على فرضية التوجه شرقا التي يمكن أن تتحوّل إلى إستراتيجية في السياسة الخارجية السعودية في حال استمرّت التوجّهات الغربية التي تصدر بين الفينة الأخرى إشارات مناكفة تضرّ بالعلاقات السعودية مع العواصم الغربية الكبرى.

في ظل هذا التوجه الآسيوي تكتسي الدبلوماسية السعودية برداء جديد يوفر لها المزيد من حرية الحركة وهامش المناورة الحيوي، الذي يمثّل بالنسبة لها ورقة ضغط قوية في إدارة العلاقات مع الحلفاء الأساسيين في الغرب، وفي مقدمتهم الولايات المتحدة الأميركية، لاسيما أن القوى الأسيوية.

8