تحرير الجسد وتحرير العقل

الخميس 2016/03/10

تستهويني فكرة الجمال حتى تكاد تسيطر على كل شيء، ذلك أن الجمال مبدأ حياة.

من يعش بالجمال وللجمال، فإنه يطارده في أدق التفاصيل وأقلها أهمية، كل شيء جميل ما دمنا نراه كذلك. والجمال لا يحتاج قوة جسدية، ولا صحة، ولا مالا ولا تفوقا ولا ذكاء، لا امتيازات فيه ولا مفاضلة، هو متاح للجميع بنفس القدر، للغني والفقير، المريض والمعافى، القوي والضعيف، المرأة والرجل.

فالصبح لا يختار لمن يشرق، والوردة لا تفرق بين يد وأخرى، هي تعطي رائحتها للجميع دون تحيز، دون تفكير، لأن الأصل فيها هو الجمال، فإن لم تتفتح في وجه كل من وقعت عيناه عليها، وإن لم تطلق رائحتها في الهواء لأجل العابرين أيا كانوا، توقفت عن أن تكون وردة.

الإنسان أيضا كائن جميل، سواء كان امرأة أو رجلا، جسد المرأة قطعة فنية منحوتة بقدرة خارقة على تذوق الجمال، وكذلك جسد الرجل. لذلك يجب ألا يفوتنا أن نستمتع بجمال أجسادنا، حركاتها، تناسقها، تناغمها، تواصلها، ندائها الخفي، الضوء الذي يسكنها والعتمة. ولذلك أيضا يجب أن نربي لدينا الوعي بأجسادنا، بحضورها، قوتها، وسطوتها علينا، عقلها إذا شئنا.

أنا أسمي الجسد العقل الحسي، لاعتقادي في وجود ذكاء ما وراء كتلة الجسد الحسية، تضاهي قوته العقل الفكري، أو المجرد.

وعينا بأجسادنا لا يجب أن يقل عن وعينا بتفكيرنا، وتطوير العقل الحسي، لا يقل عن تطوير المهارات الفكرية للشخص. وكما نقرأ ونتعلم، ونتثقف من أجل تنمية وتطوير معارفنا الفكرية، يجب أن نعي تماما مطالبنا الحسية وننميها ونطورها ونهذبها ونصل بها إلى أرقى مستوى.

ولأن الجمال مبدأ حياة فهو لا يرتبط بزمن، أو حقبة من حياتنا، ولا يرتبط بشخص دون آخر، ولا بشكل أو وزن أو لون، هو فكرة مجردة متعالية، تتجاوز كل مظاهر تشكلها، ولا تقف عند جزئية صغيرة.

جسدنا ليس جهازا وظيفيا يقوم بما نحتاجه من مهام واحتياجات، وهو ليس ماكينة نرهقها، ونقسو عليها لأجل أن تستمر في الدوران. أجسادنا أكثر من ذلك بكثير، لذلك يجب أن نتأملها في تفاصيلها الصغيرة، أن نعي قوة العين وقدرتها على الرؤية والتمييز بين الظلام والنور، قوة أرجلنا، وقدرتها على تلمس الطريق، قوة اليد وقدرتها على تلمس الحياة.

أجسادنا لا تحملنا، كما هو متعارف، نحن من يحملها، كما نحمل عقولنا، ويجب أن نتعامل معها على هذا الأساس. أن نتوقف عن الاعتقاد أن أجسادنا مجرد وعاء للعقل، وحاضنة له، في حين أن العقل هو من يحمل الجسد ويحضنه.

الفلسفات القديمة تعاملت مع الجسد بوصفه وضيعا، ليس ذا قيمة في مقابل العقل، الذي يعني الرفعة والسمو. حطت من شأن الجسد ورفعت من قيمة الفكر، أفلاطون وفلاسفة الاغريق القدامى، تعاملوا مع الجسد على هذا النحو، ثم جاءت الأديان لتكرس هذه التفاضلية بين العقل والجسد، فدعت، جميعها، العقل، إلى تطوير معارفه، والتعلم، والتثقف، والانفتاح، والتحرر، في المقابل دعت الجسد الى التحفظ، والعفة، والتطهر، والانغلاق.

أنا أدعو كليهما إلى التكامل بدل التناقض، التواصل بدل القطيعة، الاقتراب من بعضهما وتلمس احتياجات كل واحد منهما، التطور بنفس القدر، وعلى وتيرة واحدة، كأنهما عقل واحد… كأنهما كتلة واحدة متكاملة… هي كتلة الجمال.

21