تحرير الطالب فكريا يبدأ بتغيير دور المدرس في مصر

المنظومة التعليمية في الكثير من الدول العربية تحتاج إلى ثورة إصلاحية، ويمثل المدرس وتطوير آليات تدريسه رأسا تلك المنظومة التي من خلالها يمكن تحرير الطالب من فجوة التعليم المبني على الحفظ إلى آخر يعزز الابتكار والإبداع.
الثلاثاء 2018/07/31
التغيير ضروري للفهم

مـي أشرف ـ القاهرة - انتهى ماراثون الثانوية العامة الطويل في الدول العربية (الباكالوريا)، وجاءت المرحلة الصعبة المتعلقة بإعلان النتائج والبدء في مرحلة تنسيق القبول بالجامعات للطلبة والطالبات.

وتعتبر مرحلة الثانوية العامة في دولة مثل مصر مرحلة شديدة الإرهاق على جميع أفراد الأسرة، حتى وصل الأمر بالبعض إلى وصفها بـ”الكابوس″ لأسباب أغلبها يتعلق بصعوبة الدراسة وتدهور التعليم وارتكان أغلب الطلاب إلى الدروس الخصوصية بدلا من المدرسة.

ويعطي الجميع أهمية قصوى للثانوية العامة باعتبارها مقياس النجاح في المستقبل وكونها نقطة مصيرية في حياة الطالب. ورغم ما تحمله قصص نجاح المشاهير حول العالم، أمثال بيل غيتس وستيف جوبز، من حكايات طموحة لم تقم على التعليم المصيري القائم على الدرجات، لكن على جودة التعليم نفسه التي خلقت جيلا متفتحا على العالم لديه القدرة على تحقيق طموحه بشكل مبدع، فإن الطالب العربي يبقى حبيسا لتدهور منظومة التعليم وتأخرها في معظم البلدان العربية.

وتطرح القصص الناجحة في العالم الغربي الكثير من الأسئلة حول التعليم النظامي ورؤيتنا لفكرة الخط الفاصل بين الطالب المتفوق والطالب الضعيف، بل وأبعد من ذلك، هل يمكن إعادة التفكير في الفارق بين المعرفة والجهل بشكل عام؟

والإجابة على تلك الأسئلة تبدأ بالنظر إلى كيفية فهم العالم العربي للعملية التعليمية ككل، ودور كل من المدرس والطالب فيها وديناميكيات العلاقة بينهما. وتشير أغلب الدراسات والتجارب الأوروبية إلى أن العلامة الفارقة في تحقيق تقدم ملموس بالتعليم تبدأ من المدرس نفسه وتعديل دوره الذي يعد جوهر العملية التعليمية.

جاك رانسيير: باستطاعتنا تعليم الطالب ما نجهله إذا حررناه وألزمناه باستعمال ذكائه الخاص
جاك رانسيير: باستطاعتنا تعليم الطالب ما نجهله إذا حررناه وألزمناه باستعمال ذكائه الخاص

وفي أواخر القرن التاسع عشر، هزّ المدرس الفرنسي جوزيف جاكوتو الأوساط التعليمية بآرائه في تلك القضايا، مؤكدا أنه من الممكن لشخص جاهل بأمر ما أن يُعلّم شخصا آخر هذا الأمر الذي يجهله، مما يُجبرنا على إعادة التفكير في الحدود التي تفصل بين المعرفة والجهل. كما دعا إلى أهمية التحرير المعرفي بدلا من تمرير الحكمة من المدرس والإيمان بأن الطلبة هم بالتأكيد أقل ذكاء منه.

وتبدأ القصة عندما سافر جاكوتو إلى هولندا للعمل كمدرس بإحدى الجامعات. ولم يكن جاكوتو يتحدث الفلمنكية ولم يكن طلبته يتحدثون الفرنسية لذا كانت مهمة التدريس بالنسبة إليه شبه مستحيلة. لم يستسلم جاكوتو وأحضر نسخة من رواية “تليماك” والتي كان من المفترض تدريسها لطلابه باللغتين الفرنسية والفلمنكية، وناشد الطلبة تعلم الفرنسية.

بدأ الطلاب بمقارنة القصة باللغتين وكانت المفاجأة أنه مع نهاية العام تمكن الطلاب من تعلم الكتاب كاملا كل بطريقته ومناقشته بالفرنسية واستطاعوا تجاوز الحاجز الصعب دون مساعدة.

وبنى الكثير من فلاسفة التعليم العديد من الأنظمة والنظريات على نموذج جاكوتو. فالطلاب في حالة جاكوتو لم يكونوا متلقين سلبيين، بل كانوا جزءا فاعلا وأصيلا من العملية التعليمية. كما لم يكن المدرس مصدر الحكمة والمعرفة الذي ينقل معارفه إلى طلابه كي يصلوا بدورهم إلى منزلة علمه، بل اقتصر دوره على التوجيه والتشجيع.

وعلى عكس النموذج السائد في الكثير من الأنظمة التعليمية العربية، فقد طبّق جاكوتو ما أطلق عليه جاك رانسيير الفيلسوف الفرنسي المعاصر لاحقا نظرية “الذكاءات المتساوية”، ويقصد بهذه النظرية أن كل شخص له نفس القدرة على التفكير والتفسير، لأن كل عمل من إبداع الإنسان هو نتاج الإمكانيات الذهنية نفسها.

ويناقش رانسيير هذه الفكرة في كتابه “المعلم الجاهل”، وهو من أوائل الكتب التي ناقشت نموذج جاكوتو. فالتدريس بالنسبة إلى رانسيير ليس عبارة عن تفسير وتبليغ للمعرفة وتكوين للعقول كي تنتقل، عبر تدرج منتظم، من البسيط إلى المعقد من خلال تلقين المدرس للطلاب، وإنما هو عملية تفاعلية يشارك فيها المدرس والطالب، وكلاهما لديه القدرة ذاتها على فهم وتفسير ما يدرسانه سويا.

ويمكننا رؤية مثال حي وواضح على صحة تلك النظرية خارج الكتب والفصول المدرسية، وهو نموذج تعلُم الأطفال للغتهم الأم أثناء نشأتهم. فالأطفال لا يتم تلقينهم قواعد الإملاء والنحو والصرف في بداية تعليمهم اللغة، لكنهم يتعلمون ذلك بطريقتهم الخاصة، يحفظون ويقلدون ويردّدون ويخطئون ويصححون أخطاءهم، وينجحون بالصدفة ويعيدون الكرة بشكل منهجي.

وعلى النقيض في نظام التعليم في مصر، خاصة في المرحلة الثانوية، يعاني الطلاب في المدارس من التعامل مع منظومة كاملة من “الهيراركية” أو التقسيم الهرمي المبني على الدرجات في الامتحانات.

وهنا تبقى النقطة الفاصلة في إصلاح المنظومة التعليمية والاستفادة من التجربة الغربية، بالبدء في تحرير المدرس من أجل التحرير المعرفي أو الفكري للطلاب، ويمكن لهذا أن يبدأ بتفكير المدرس في مراجعة طبيعة دوره وما يفعله داخل النظام الاجتماعي.

17