تحرير الموصل.. تحرير جيش العراق

الأحد 2017/07/02

أيام قليلة تفصلنا عن تحرير الموصل، وأيام معدودة يكتب لجيش العراق وفتيته الأبطال تاريخ جديد هو امتداد لبطولاته في كل الأزمان والأماكن التي سطرها في تاريخه المجيد، وهو الجيش الذي لا يراد له أن ينتصر، لأن هناك في الخفاء بديلا يخطط له لأخذ مكانته قسرا.

ما يهمني القول إن هؤلاء الفتية وقادتهم، سيعيدون كبرياء الجيش وشموخه ببطولاتهم الخيالية وتضحياتهم الشريفة ونبلهم الإنساني ورقيهم في تعاملهم مع الأهل ونكرانهم للذات، وهم يواجهون التخلف ويدافعون عن عراقيتهم بشيم الأهل والحضارة والتاريخ.

ما نشاهده اليوم في الموصل من مشاهد بطولية وإنسانية، تعكس حقيقة وتاريخ هذا الجيش وأفعاله ومواقفه ومعاركه الوطنية مع الأجنبي التي ترسّخت في أذهاننا عبر مختلف العصور، وهي بطولات لفتية نجباء من أهل العراق ومدنه كافة هدفهم إنقاذ العراق من جرثومة داعش الإرهابي، ومناصرة إخوتهم من أهل الموصل ليمتزج الدم الجنوبي مع الدم الموصلي ويكوّن “هيموغلوبية” عراقية تساعد في الحفاظ على الشكل الطبيعي لعلاقات أبناء الوطن الواحد. وهو الأمر الذي لا يسرّ من حلّ الجيش العراقي سابقا، ومن يحاول إضعافه اليوم.

لم يكن بريمر غبيا، ولا إدارته، في حل الجيش العراقي عام 2003، لأنه يعرف جيدا أن هذا الجيش تأسس على عقيدة رصينة، وولاء وطني راسخ في جذور أرض الأنبياء وثقافة عروبية، فكان القرار الأول من أجل إنهاء الدولة العراقية كاملة لنشر الفوضى وتفتيت النسيج الاجتماعي وتشجيع ظهور الميليشيات الطائفية والقومية لخلق الاقتتال بين أبناء الوطن الواحد.

الجيش واستعادة المكانة

كما لم يكن المالكي غبيا في إضعاف الجيش، حينما أدخل تقاليد ممسوخة وقبيحة لنظام العسكرية وتقاليدها المعروفة، حيث ادخل الآلاف من حزبه من المدنيين ليمنحهم رتبا عالية تحت مسميات عديدة، وأبعد الكثير من العسكريين المهنيين تحت يافطة اجتثاث البعث.

ولعل أخطر ما فعله هو التشجيع على إنشاء ميليشيات طائفية لتكون بديلا حقيقيا عن الجيش العراقي، بل إنه حاول أن يقلل من قيمة وكبرياء هذا الجيش عندما حاول أن يصنع له مكائد في ميدان المعارك، تجعله في مهب النقد والتساؤلات لإضعاف معنوياته.

ولعل نكسة العاشر من يونيو عام 2014، وهي سقوط الموصل، تبقى إحدى المكائد التي كان يراد منها تدمير العراق وتقزيمه وتدمير جيشه، حيث كان السقوط السريع بفعل فاعل لأن هناك من أصدر أمر الانسحاب لقادة عسكريين ومن المالكي نفسه فضاعت الموصل واصطبغت شوارعها ومساجدها وكنائسها بالدم المسفوح والتراث المهدور والمباح بيعا، وبالتقطيع للرموز والتماثيل الكبيرة.

ليس من المعقول اليوم أن يساهم البعض تحت مسميات وحجج واهية وقصر نظر وثقافة طائفية وقومية في تهديم مؤسستنا العسكرية ورجالها وقادتها وهم قادة الجيش العراقي السابق، مثلما ساهم المحتل الأميركي والطائفيون من ساسة العراق بتدمير وتشويه سمعة جيش العراق، وهو جيش الدولة العراقية.

أقول ليس من المنطق والمعقول تشويه النصر بتصورات أيديولوجية سقيمة ورؤى طائفية ضيقة بحدود الطائفة وتبرير الأفعال بأفعال الجاهلية وتضخيم بعض أحداث الموصل المؤسفة وكأنها هزيمة للجيش وتصوير المنازل القديمة المهدمة اضطرارا، وكأنها معركة طائفية بامتياز.

والعكس فمن الجانب الآخر من يتصور أن معركة الموصل بين “الحسين ويزيد”، أو هي منة لطائفة على طائفة أخرى، أو أنها معركة ضد أهل الموصل الدواعش لأننا بهذه الأفعال والأقاويل العبثية نقتل روح النصر في قواتنا ونؤسس لثقافة الحقد والتبرير، ونعطي الفرصة للآخرين أن يشمتوا بالجيش ورجاله، ويقزموا دوره الوطني.

لا يهمني ما يقال، لأنني أعرف أن البعض من الجانبين ينظر من ثقب إبرة، وهذا الثقب يجعل من المشهد بحجم هذا الثقب الضيق، فالرؤية الطائفية والقومية عند البعض تجعل من هذا الجيش وكأنه ملك للطوائف والقوميات حصرا وليس للوطن، والرؤية السياسية الضيقة تنظر لها وكأنها حامي السلطة، بحيث ينتهي الولاء للوطن وتموت الوطنية تحت رماد العبثية السياسية والطائفية.

إن اختلافنا مع العملية السياسية الفاسدة ومنهجها الإقصائي ونزوعها الطائفي لا يفسد من الوقوف بقوة مع جيش العراق، وهو يدافع بدمه الغالي عن وجودنا ومستقبلنا أمام أشرس عدو متخلف وهمجي دمر مدننا وآثارنا وأعدم الآلاف من أهالينا من كل الطوائف والأديان. وهي رؤية نابعة من أن تقوية جيش العراق هي بمثابة قوة حقيقية للعراق الذي هو وطن الجميع، والحفاظ على وحدته، وتفويت الفرصة لإنشاء جيش طائفي مواز له، وبديل عنه، مثلما هو أمل العراقيين لتغيير خارطة الحياة السياسية، وتثوير الواقع المظلم إلى واقع عراقي مشرق.

نعم.. إن درس تحرير الموصل هو تحرير الجيش من ثقافة الولاءات الطائفية والقومية إلى ثقافة الولاء للوطن.

كاتب وأكاديمي من العراق

3