تحرير سعر صرف الجنيه المصري يعلن بداية عهد اقتصادي جديد

فاجأ البنك المركزي المصري الساحة الاقتصادية أمس بزلزال كبير، يعلن عن بداية عهد اقتصادي جديد، حين قرر تعويم الجنيه، لوضع نهاية لانفلات أسعار صرف الدولار في السوق السوداء، وذلك في إطار تحوّل كبير في السياسات الحكومية لإنعاش الاقتصاد المتعثر.
الجمعة 2016/11/04
خفوت بريق الدولار

القاهرة – تحولت القاهرة إلى ساحة حرب اقتصادية منذ فجر أمس، حين فاجأ البنك المركزي السوق بإجراءات حاسمة عقب فترة صمت طويلة، أوحت للكثيرين بأن الحكومة عاجزة عن اتخاذ القرارات الحاسمة لتحسين الأوضاع الاقتصادية.

وأصدر البنك المركزي مجموعة قرارات، أبرزها تحرير سعر صرف الجنيه أمام العملات الأجنبية، والرفع في سعر الإيداع والخصم بنحو نسبة 3 بالمئة من النقاط، والسماح للبنوك بالعمل طوال أيام الأسبوع حتى الساعة التاسعة مساء، بما فيها أيام العطل، كمحاولة لبث الطمأنينة في قلوب المواطنين.

وقالت مصادر مطلعة في الجهاز المصرفي إن البنك المركزي طرح عطاء استثنائيا بقيمة 100 مليون دولار، بأسعار تتراوح بين 13 إلى 13.4 جنيه، بدلا من الأسعار القديمة حتى تعاملات الأربعاء عند مستوى 8.88 جنيه.

ونفت المصادر شائعات حول عزم البنك المركزي على طرح عطاء استثنائي بقيمة 4 مليارات دولار، وهو ما أثار المزيد من اللغط حول طبيعة الخطوات التي جرى اتخاذها، وما إذا تمت دراستها جيدا أم لا.

وتزامنت القرارات مع إصدار بنوك الحكومة الثلاثة؛ وهي الأهلي ومصر والقاهرة، نوعين من شهادات الاستثمار بعائد غير مسبوق، تصل عوائد الأول إلى 16 بالمئة ولمدة 5 سنوات، في حين تصل عوائد الثاني إلى 20 بالمئة سنويا ولأجل 18 شهراً، في محاولة لجذب مدخرات المواطنين.

نجيب ساويرس: على الجميع التوقف عن التكالب على الدولار إلا للضروريات.. المضاربة خيانة

ووصف رجل الأعمال المصري نجيب ساويرس قرار تحرير سعر الصرف وفقا لآليات العرض والطلب بأنه “خطوة ممتازة” ودعا الجميع إلى المساعدة في إنجاح هذه الخطوة وعدم “التكالب على الدولار” إلا للضروريات.

وأكد في تغريدة على موقع تويتر أن من يشتري الدولار دون أن يكون بحاجة إليه ينبغي أن يكف عن الكلام عن الوطنية وحب الوطن. وقال إن “المضاربة خيانة”.

وتستهدف القاهرة من هذه الشهادات استيعاب تشجيع المصريين على بيع الدولار للبنوك واستثمار العملة المصرية في تلك الأوعية الجديدة، ووقف النزيف الاقتصادي الذي سببته السوق الموازية.

لكن اقتصاديين قالوا لـ“العرب” إن تلك الخطوة، قد تكون سلاحا ذا حدين، لأنها يمكن أن تؤثر سلبا على مناخ الاستثمار، بسبب رفع الفائدة على الاقتراض بنحو 15.75 بالمئة، ما يعدّ تحديا جديداً أمام المستثمرين خلال الفترة المقبلة.

وتسعى مصر إلى الحصول على قرض بقيمة 12 مليار دولار من صندوق النقد لمواجهة الفجوة التمويلية وإصلاح الخلل الهيكلي في الموازنة العامة.

وقامت مصلحة الجمارك المصرية برفع سعر الدولار الجمركي إلى نحو 13.1 جنيه للدولار. ويستخدم سعر الدولار الجمركي لتسعير المنتجات التي يتم استيرادها من الخارج في المنافذ الجمركية.

وقال مجدي عبدالعزيز رئيس مصلحة الجمارك لـ“العرب” إن القرارات الجديدة سوف ترفع الإيرادات الجمركية بنحو 30 بالمئة.

وأكد هشام عكاشة رئيس البنك الأهلي إن التعاملات المصرفية رصدت تنازل عدد كبير من المصريين عن الدولار للبنوك وفق الأسعار الرسمية التي أعلنها البنك المركزي أمس.

وأضاف لـ“العرب” أنه تم التنازل عن 5 ملايين دولار خلال ثلاث ساعات عمل وهو مستوى غير مسبوق لبيع المواطنين الدولار للبنوك. وارتفعت القيمة السوقية للأسهم المسجلة في البورصة المصرية أمس نحو 740 مليون دولار.

ورغم أن تلك القرارات تعدّ من أهم مطالب صندوق النقد الدولي، إلا أن الاقتصاد المصري كان في أمسّ الحاجة إليها، بعد أن تشوهت مؤشراته، ولم يبق سوى هيكلة دعم الطاقة التي يؤكد الصندوق على ضرورة القيام بها في أقرب وقت.

وقال مدحت نافع خبير الاقتصاد والاستثمار، إن الحكومة المصرية بدأت فعلا في هيكلة الدعم، بعد أن رفعت سعر السكر التمويني بنسبة 30 بالمئة.

وطالبت جمعية رجال الأعمال المصريين بضرورة طرح رؤية واضحة للحكومة في ما يتعلق بالإصلاحات وسياسات تعزيز الصادرات وترشيد الواردات غير الضرورية.

هشام عكاشة: تم رصد تنازل عدد كبير من المصريين عن الدولار للبنوك وفق الأسعار الجديدة

ويراهن بعض المستثمرين على قدرة الخطوات الحكومية خلال اليومين الماضيين، على تعزيز الثقة واستقطاب المزيد من الاستثمارات الخارجية.

ويقول آخرون إن حجم الغضب أو القبول الشعبي سيلعب دورا مهما في تمرير خطط الحكومة أو عرقلتها.

وتعاني مصر من خلل تمويلي كبير بسبب ارتفاع واردات السلع والخدمات إلى نحو 68 مليار دولار سنويا مقابل صادرات لا تتجاوز 22 مليار دولار.

وتؤدي تلك الفجوة إلى استمرار الطلب الكبير على الدولار، في وقت تعجز فيه البلاد عن زيادة مواردها من العملات الأجنبية.

وخسرت مصر مواردها من قطاع السياحة خلال الفترة الماضي، وفقدت تدفقات بنحو 7 مليارات دولار مما أدى إلى تفاقم الأمور.

ويترقب المضاربون في السوق الموازية مدى قدرة البنك المركزي على ضخ الدولارات لمواجهة طلبات الاستيراد، ومن المتوقع أن يوجهوا بالونات اختبار خلال الأسابيع المقبلة، لمستويات الأسعار التي تعلنها المصارف.

وأكدت مصادر لـ“العرب” إن البنك المركزي قد عيّن مراقبا في كل شركة صرافة لمتابعة نشاطها ومنعها من التعامل خارج السوق الرسمية.

11