تحريم الصورة وتمرد الواسطي

الأحد 2016/07/17

يتساءل عبدالفتاح كيليطو في قصته الطويلة “خصومة الصور” عن علاقة العرب بـ”الصورة” ويضع أمامنا حشدا من الأسئلة حول الموضوع وكأن افتتاحية روايته القصيرة مشروع دراسة أو مقالة عن علاقتنا بالصور فيقول “كثيرا ما تساءلت كيف كان ممكنا للعرب في الماضي أن يستغنوا عن الصورة. يبدو أنهم ما كانوا يهتمون بذلك إطلاقا، وهم على أيّ حال لم يبذلوا أيّ جهد لتخليد صورهم. ماذا كانت صورة هارون الرشيد والمتنبي وابن رشد؟ لن نعرف ذلك أبدا”.

يؤكد كيليطو غياب فن التصوير عن المشهد التراثي العربي وهو يطرح أسئلته عن أهمية الصورة في التواصل والمعرفة دون أن يشير إلى ريادة الرسام الواسطي وتجربته ويطرح أسئلته التالية: ما هو المكسب الذي حققه العرب بامتناعهم عن التمثيل بالصورة؟ وإذا كان غياب الصورة نقصا فكيف عوضوه؟

الثقافة التي تحظر الصورة أو تهملها ألا توظف ذاتها في مكان آخر، في الكلمات والنصوص وفي أدب فريد؟ ربما كانت هذه هي الوجهة التي ينبغي منها مساءلة ظواهر مثل السجع والألعاب اللفظية وتقنيات تجويد الخط التي تحاول تصوير النص وتشخيصه. ولعل هذه الظواهر التي أوردها كيليطو كانت تعويضا فعليا عن غياب الصورة في بعض الحقب.

يتجاهل كيليطو وهو ينتقد تحريم رسم الإنسان والكائنات الحية، أعمال الرسام العراقي المتمرد يحيى بن محمد الواسطي الذي ولد في بلدة واسط وسط العراق في بداية القرن الثالث عشر الميلادي، وعاش في فترة برز فيها جيل من مفكري العراق وعلمائه ومؤرخيه ومنهم ابن الأثير وابن الرزاز الجزري وياقوت الحموي وغيرهم، حيث اخترق الواسطي التحريمات المشددة وتجاوز الحظر الفقهي على رسم الإنسان والكائنات الحية في رسوماته فأغنى فن الرسم الإسلامي بأعمال بهيجة الألوان تشخص وتصور الحياة اليومية في عصره وانتقلت لوحاته بجمالها وإتقانها عبر البلدان كما تنتقل تجارة المجوهرات والتوابل والأنسجة وغيرها من الأشياء الثمينة.

يعزو بعض دارسي الفن الإسلامي نجاح الواسطي إلى تأثره بالفنون الهندية والإيرانية والمسيحية الشرقية التي جمع بينها وأنتج فنا إسلاميا فريدا يتميز بدقة الألوان وبراعة الإضاءة والتناسق الهارموني بين عناصر اللوحة الواحدة مما عده الدارسون خصيصة مدرسة بغداد في الرسم التي أطلقها الواسطي.

رسم الواسطي بأسلوبه المميز وموهبته في التخييل وقائع 50 مقامة من مقامات الحريري وصوّرها بـ100 منمنة ونقلت لنا لوحاته معلومات ثرية عن نمط العيش وأزياء الناس وعاداتهم وتقاليدهم ورحلاتهم وسلوكهم.

وما كان لأحدنا أن يعرفها دون رسوماته التي تمتاز ببناء هارموني وإيقاعات حية حتى لتبدو الرسومات وكأنها مقطوعات موسيقية بإيقاعاتها الخاصة وتنويعاتها اللحنية. ومثالنا على هذا لوحة الجارية مع قافلة الجِمال التي ترِد الماء إذ تشكل حركة رؤوس الجمال المتماوجة تناسقا موسيقيا مدهشا يوحي بقدرة الواسطي وتمكنه من تذوق الموسيقى وفن السماع.

ويمكن أن نعد تمرد الواسطي حدثا مفصليا في موضوعة الحظر الإسلامي للصور، فهو الفنان الأول الذي انعتق من أغلال القمع التحريمي ونال شهرة واسعة في عصره، حتى تسابق المقتنون على شراء أعماله لتصل إلى الأندلس والمغرب العربي ويقتنيها بعض ملوك الموحدين في مراكش، وعرف عنه أنه أول رسام يدوّن اسمه على الصور فحقق بذلك ذاته وأخرجها من عتمة الإنكار إلى حقيقة الجهر والعلن، وإليه يُنسب تأسيس مدرسة بغداد لفن التصوير ذي البعدين، كما عرفت بمدرسة بغداد للمنمنمات.

كاتبة من العراق

11