تحريم الموسيقى

الخميس 2015/02/26

أستغرب من الشخص الذي يُحرم على نفسه سماع الموسيقى، كيف يكبح جماح نزوع فطري في الإنسان؟ كيف يحاول أن يَحرم نفسه وأهله وعشيرته الأقربين والناس أجمعين من نعمة روحية تسحر القلوب وتأسر الألباب؟ ثم تتناسل الأسئلة حول مكنونات هذا الإنسان، كيف هي نبضات قلبه؟ كيف تتحرك مشاعره؟ كيف يقوم ذوقه؟ كيف حال حسه الإنساني؟، فلا الأصوات العذبة يستعذبها، ولا النّغَم الرّنان يجذبه، ولا الإيقاع الطروب يطربه!

وأما في الطبيعة -إن كان للطبيعة من معنى عنده- فلا معنى لخرير المياه وهديل الحمام وشدو العصافير ووقع الحوافر. الحياة عنده صماء بكماء، بلا أصوات ناعمة، ولا إيقاعات غناء. وإن كان هناك صدى للصوت الإلهي فهو صدى الرّعود المروعة والعواصف المرعبة، وكل ما من شأنه أن يبعث المخاوف البدائية في الإنسان.

جمعتنا صدفة طريفة مع أحدهم في مخيم صيفي. أحضر الأصدقاء آلة العود وطلبوا مني أن أعزف ما تيسّر من تقاسيم. لكن صاحبنا احتج علينا بدعوى أنه لا يسمع الموسيقى لأنها حرام وإذا أصرّينا فسيكون إصرارنا بمثابة إعلان لطرده من جمعنا في ليلة شتوية باردة. قلت: عجبا، وهل حرم الإسلام الموسيقى دون علمنا؟ قال: الموسيقى حرام شرعا، وهذا معلوم بالضرورة. قلت: طيب، وما دليلك؟ قال: دليلي أنها تشغل الإنسان عن طاعة الله. قلت: هل يشغل الآذان الناس عن ذكر الله؟ قال: لكن الآذان ليس موسيقى. قلت: بل هو موسيقى بكل قواعدها وأوزانها العلمية والفنية، والآذان يتردد في الغالب على مقام موسيقي يسمّى بمقام الحجاز، نسبة إلى أرض الحجاز. ولا بأس أن لكل أرض روحها الخاصة التي تتجلى في الموسيقى. وإن شئت سأقلد أمامك بالعود صوت الآذان لتأخذ فكرة عن مقامه الموسيقي.

بعد العزف سألني: هل بهذا المقام الموسيقي ردّدها بلال أوّل الأمر؟ قلت: هذا احتمال كبير، لكن ربما هناك احتمال ثان. قال: ما هو؟ قلت: نظرا إلى أصوله الحبشية -إذ كان ينعت ببلال الحبشي- فربما أداها بمقام معروف عند أهل الحبشة والسودان اسمه العجم الخماسي، وشخصيا لا أستبعد هذه الفرضية. هل تريدني أن أحاول تقليد الآذان وفق هذا المقام؟ قال: نعم. قلت: قبل ذلك أريدك أن تأخذ فكرة عن هذا المقام، سأعزف لك بعض التقاسيم الأفريقية لترى عذوبته.

ثم استوقفني وطلب مني أن أسمعه فقط صوت الآذان. وهكذا كان. بعد سماعه قال: وهل جائز الآذان بهذا المقام؟ قلت: الأصل ألا نغيّر عبارات الآذان، أما المقام الموسيقي فليس مقدسا بأي حال، ومن ثم يمكن الخروج عنه نحو مقام آخر. فمثلا يمكن أداء الآذان على أحد المقامات الفارسية أو أحد المقامات الكردية، وأظنّ أنه بمقام الأكراد، سيكون أجمل. هل تريدني أن أحاول؟ هنا انتفض من مكانه قائلا: هذا يكفي، أنا مضطرّ للانصراف قبل أن تورّطني في المزيد مما حرّم الله.

24