تحرّش تخييلي

الأربعاء 2014/12/31

في رواية “العار” لكويتزي، يعاني بطل الرواية الجنوب أفريقي، من فضيحة أطاحت بمساره المهني كأستاذ جامعي مرموق إثر تحرشه بإحدى تلميذاته، واستغلالها جنسيا؛ هكذا سيجد نفسه بغتة في مواجهة الوسط الأكاديمي كخائن للأمانة، وفي مواجهة المجتمع كشخص مريض، وفي مواجهة ذاكرته الأدبية والأخلاقية كشخص مهزوم، تحكمت فيه غريزته على نحو مخجل.

لكن ما يلفت الانتباه أن هذا التحرش العنيف المولد للعقدة الموضوعية، سرعان ما يبهت في نسيج النص، ويغدو شيئا “عاميا” إن لم نقل سطحيا، في مقابل تحرش من درجة أشف، حيث تؤثَث المقاطع والصور الروائية، بإحالات مستمرة على نصوص الشاعر الأنكليزي الماجن “اللورد بيرون”، وفي الوقت الذي تبدو لنا المواجهات مع المحيط متوقعة، وذات كنه درامي مألوف، فإنها لن تأخذ مداها، إلا في ظلال الخلفية النصية التي تلوح من بين السطور، كـ”عري” مجازي مضاعف، يسهم في تكريس اختار البطل الهروب من ماضيه الأكاديمي، واللجوء إلى قرية نائية حيث يعيش على نمط بدائي رفقة ابنته المزارعة.

التحرش في النهاية وليد نهم جنسي غير سويّ، لكنه أيضا رغبة تندلق بشكل فطري -لم تهذبه الحضارة-، تمثيله في الأدب قد يجسد مأساوية “العار” كما هو في رواية “كويتزي”، لكن تداوله الشعبي قد يحوّله إلى فضيحة سوقية في الوسط القرائي الذي قد لا يرى في “رواية “العار” و”أشعار اللورد بيرون” إلا تحرشا بقيمه الهشة، لقد اخترت -بالطبع- مثال كويتزي لأنقل للقارئ مستوى مبتذلا من التمثل القرائي العربي للرواية، بدأ من نص “زينب” لمحمد حسين هيكل إلى آخر روايات حيدر حيدر ومحمد شكري وما بعدها، إذ بات “العري” الكاشف والصوري الذي تجتبيه الرواية لحما أبيض يسيل اللعاب.

توضح رواية العار عبر استدعائها لبيرون ما أسمته “جانيت باتيرسون” مسألة “الآخر النصي الخفي”؛ الذي بقدر ما تبهت صورته، يظل ممسكا بخيوط التفاعل الدرامي في النص، لكن هذا تفصيل المعقد المفيد في تمثل “تحرشات الرواية” لا يعنينا، ما أرمي إليه هو فكرة التحرش حين ينتقل من الصوري إلى القيمي والمجتمعي، أي حين ينتقل على نحو معكوس من الرواية والقصيدة إلى الفهم التداولي السقيم؛ أستدعي هنا تدوينة كانت الأساس في هذا العمود وردت في جدار القاصة المغربية “لطيفة باقا” تقول فيها: “لا زلت أتذكر كيف أخبرني أحد طلاب المدرسة العليا للأساتذة برغبته في إنجاز أطروحة تخرجه حول أحد كتبي، فيما نصحه الأستاذ المشرف بصرف النظر عن هذه النوعية من الكتابات البالغة الجرأة…

يسليني أن أزرع الحرج من حين لآخر تحت سراويل بعض الأكاديميين القابعين خلف ربطات أعناقهم الضيقة”.

كاتب من المغرب

15