تحسين أوضاع رجال الأمن في مصر يفقد الحكومة المتقشفة مصداقيتها

معارضون يرون أن سياسة الانتقائية التي تنتهجها الحكومة لن تجني سوى المزيد من الانقسام وتباعد المسافات بين الشارع والنظام.
الثلاثاء 2018/11/13
رهان النظام

القاهرة - أثار تحرك مجلس النواب نحو زيادة معاشات وتحسين أوضاع عناصر جهاز الشرطة، جدلا واسعا في الأوساط المصرية المختلفة.

وتأتي خطوة البرلمان، بعد أيام من إعلان الرئيس عبدالفتاح السيسي، خلال منتدى شباب العالم في مدينة شرم الشيخ (انتهى الخميس) ضرورة تخفيف ميزانيات الوزارات وإمكانية إلغاء الزيادة السنوية لهذا العام التي يستفيد منها نحو 6 ملايين موظف حكومي، وتوجيه المتوفرات المالية لصالح بناء 250 ألف فصل دراسي بتكلفة 130 مليار جنيه (قرابة 7.5 مليار دولار).

ويرى مراقبون أن الازدواجية، بين موقف البرلمان من سياسة التقشف وسعيه نحو إبعاد أعضاء الشرطة عن التأثر بسياسة الإصلاح الاقتصادي، وبين نبرة السيسي في حديثه الموجه للمصريين عن حتمية تحمّل الصعاب، تفقد الحكومة ما تبقى من مصداقيتها في الشارع، وتزيد المخاطر الناجمة عن التأخر في اتخاذ المزيد من الإجراءات الصعبة والقاسية.

وقال علي عبدالعال، خلال جلسة المجلس السبت، إن معاشات رجال الشرطة متدنية للغاية، ودعا أعضاء النواب إلى “الموافقة على مشروع القانون المقدم من الحكومة لزيادتها، كأقل مكافأة للضباط والجنود على تحملهم الصعاب في تثبيت أركان الدولة، ومواجهة الإرهاب مع رجال الجيش، وهذا أقل ما يمكن تقديمه لهم في ظل ظروفهم المعيشية والاقتصادية الصعبة”.

وصادق البرلمان على إنشاء صندوق لتحسين الرعاية الصحية والاجتماعية لعناصر الشرطة، مما يوحي بأن النظام يكيل بمكيالين، فهو يريد أن يتحمل الشارع وحده تكلفة الاستقرار وتحسين الأوضاع الاقتصادية، والصمت على الإجراءات القاسية، من زيادة في أسعار السلع والخدمات لأرقام فلكية، ويعتبر أن ذلك “فرض عين”، وفي نفس الوقت يريد رفع المعاناة عن قوات الشرطة وعزلها عن التأثر بأبعاد هذه القرارات.

ويعيش حوالي نصف المصريين تحت خط الفقر، وهؤلاء يمثلون قاعدة شعبية هامة شاركت في الانتخابات على أمل الخروج من دائرة الجوع الذي حاصرها لسنوات طويلة، واحتواء غضب هذه الطبقة يشكل تهديدا حقيقيا للحكومة.

ويرى معارضون، أن سياسة الانتقائية التي تنتهجها الحكومة بين من يتحمل فاتورة الإصلاح ومن يسلم منها، لن تجني سوى المزيد من الانقسام وتباعد المسافات بين الشارع والنظام، فإذا كانت قوات الشرطة شاركت في تثبيت أركان الدولة بالمشاركة مع الجيش خلال فترة التقلبات السياسية التي أعقبت ثورتي 25 يناير 2011 و30 يونيو 2013، فإن المواطن الذي صمت على الغلاء والتقشف يظل الركيزة الأساسية للاستقرار.

ويؤكد هؤلاء، أن تمييز فئة عن أخرى يفقد الشارع ثقته في إجراءات الحكومة التي تتذرع بأنها “ضرورة حتمية لا تحتمل التأخير، ويجب على الجميع تحملها”، وقد ينذر ذلك بحالة من التمرد المستقبلي على المزيد منها، في ظل الإصرار على اتخاذ إجراءات “أشد قسوة من الماضي”، تتضمن زيادة الضرائب وأسعار الكهرباء ورفع الدعم عن المحروقات.

ويتمسك الرئيس السيسي، في خطاباته، بإظهار الامتنان للشارع على تحمّل الصعاب خلال سنوات حكمه الأولى، ويقول دائما إن “الشعب هو البطل الحقيقي للأمن والاستقرار”، لكن على الأرض، تشي حالات التمييز والانتقائية في دعم أطراف شريكة في السلطة، على غرار الجيش والشرطة والقضاء، ماديا وصحيا واجتماعيا، أكثر من مرة في عام واحد، آخرها زيادة المعاشات العسكرية 15 بالمئة في يونيو الماضي، بازدواجية في تطبيق الإصلاح الاقتصادي.

خالد داوود: أزمة الحكومة في مصر أنها اعتبرت صمت الشارع شيكا على بياض
خالد داوود: أزمة الحكومة في مصر أنها اعتبرت صمت الشارع شيكا على بياض

ويبرّر مؤيدون لخطوة تحسين الأوضاع المعيشية للشرطة، وجهة نظرهم بأن “التأخر في هذه الخطوة قد ينتج عنه تحول بعض رجال الأمن المحالين على المعاش إلى معارضين جراء عدم استطاعتهم توفير متطلبات حياتهم اليومية، وتكمن الخطورة في امتلاكهم معلومات ولديهم وثائق مهمة، بحكم عملهم لسنوات في قطاعات أمنية مختلفة، ويمكن إغراء بعضهم مقابل تسريب أجزاء منها”.

ويؤكد اللواء فاروق المقرحي، مساعد وزير الداخلية الأسبق، أنه “لا يمكن لرجل الشرطة أن يصل به الحال إلى التسوّل حتى يعيش حياة طبيعية”، ومن الصعب على عناصر الأمن أن تبقى في السلطة نحو 40 عاما، وتخرج على المعاش ولا تستطيع توفير متطلبات المعيشة جراء حالة الغلاء وارتفاع الأسعار، وهذا من صميم حقوقها لأنها خدمت الوطن لسنوات. ويضيف لـ”العرب”، أن أصحاب الأصوات المعارضة لتحسين الأوضاع الصحية والمالية للشرطة، من المعارضين بالفطرة للجهاز الأمني، وبالتالي فإن التحدث بنغمة التمييز، وعدم مشاركتهم في تحمل التقشف وسياسات الإصلاح غير حقيقي، لأنهم يدفعون فاتورة باهظة من أجل الاستقرار، “ولا يمكن أن يعيش لواء على المعاش بألف جنيه فقط، وفي نفس الوقت يمنعه القانون من العمل بعد انتهاء خدمته في وظائف دونية لتحسين دخله”.

ويتعامل النظام مع الأمن بخصوصية، ويعتبر الإساءة للجيش والشرطة بمثابة “خيانة عظمى”، وقال السيسي في مارس، إن “الحط منهما إساءة لكل المصريين، وهذا الأمر ليس حرية رأي”، وتعهد بمحاسبة كل من يسيء لأجهزة الأمن في عهده، لأنها تحملت ما لا يعرفه أحد من الشعب.

ويشير محمد عباس، وهو معلم بإحدى المدارس الحكومية في القاهرة، إلى أنه “لا يتذكر كم مرة قررت الحكومة رفع مرتبات أعضاء الجيش والشرطة والقضاء.. لا أنسى عندما طالبنا الرئيس بزيادة رواتبنا، ورد علينا بغضب، بأننا لا ندرك حجم المخاطر التي تحاك ضد مصر، وأن الميزانية لا تسمح بأي زيادة جديدة، ثم من ناحية ثانية نرى الحكومة لا تمانع في تحسين دخول بعض الجهات، وفي نفس الوقت تطالبنا بالمزيد من الصبر”. ويستبعد عباس في حديثه مع “العرب”، إمكانية خروج الشارع للاحتجاج، لأنه بلا قائد حقيقي يوجهه، أو لديه أنياب في المعارضة تستطيع الوقوف في وجه الحكومة للكف عن الإجراءات الصعبة، بعدما أصبح كل من يعارض يصنف على أنه تابع للإخوان، أو يسعى للتخريب وإثارة الرأي العام.

ويرى سياسيون، أن مشكلة الحكومة في مصر، أنها تبدو مطمئنة للشارع لأقصى درجة، فهي تتحدث عن زيادة أسعار تذاكر المترو وتحريك أسعار الكهرباء والمحروقات قريبا، بالتزامن مع تحسين دخول رجال الشرطة، في تركيبة معقدة تظهر مدى سيطرتها على زمام الأمور.

وتحمل مساعي الحكومة لانتشال عناصر الشرطة من أزمة التقشف والغلاء، تفسيرات عدة، بعضها يذهب إلى بحث دوائر الحكم عن المزيد من ولاء المؤسسات الأمنية للسلطة، بمنحها مزايا مالية تبعدها عن مشاركة باقي الفئات الاجتماعية في السخط على سياسات الحكومة، فضلا عن شعورها بالتميز المادي والمعنوي، خشية أن يتسرب لديها الشعور بأن النظام يدعم رجال الجيش فقط، ما قد يثير انقساما بين الجهات الأمنية.

وأكد خالد داوود، عضو ائتلاف أحزاب المعارضة المدنية، أن أزمة الحكومة أنها اعتبرت صمت الشارع “شيكا على بياض” للاستمرار في سياسة التقشف واقتحام الملفات التي لم يجرؤ أي نظام سابق على النبش فيها، مثل وقف الزيادة السنوية لمرتبات الموظفين، والحديث عن مراجعة مجانية التعليم، وهو توجه قد لا يتحمله محدودو الدخل.

2