تحسين الخطيب: الترجمة خيانة تستحق المديح

الاثنين 2015/02/02
تحسين الخطيب: بترجمة الشعر أحيا، وبها أقضي على سأمي وقرفي من العالم

الترجمة فن كتابة صعب، إنه نقل نص بكامل روحه من ثقافة ومنظومة لغوية إلى أخرى، وقلة هم الذين فعلوا ذلك، لكن ماذا نقول إن مزج كاتب بين فن الشعر والكتابة والترجمة، دون أن تتداخل الأجناس والسياقات الكتابية، ودون أن تنخفض إحداها للأخرى. الشاعر تحسين الخطيب الذي ولد في مدينة الزرقاء الأردنيّة لعائلة فلسطينيّة مهجّرة سنة 1968، يعتبر من القلائل الذين نجحوا في الانتقال بسلاسة وبذات الروح بين الترجمة والكتابة والشعر. ويعتبر الخطيب، اليوم، واحدا من ألمع مترجمي الشعر.

نشرت ترجمات تحسين الخطيب للشعر العالمي في دوريات عربية مختلفة، منها: مجلة الكرمل، صحيفة القدس العربي، صحيفة العرب، مجلة بيت الشعر. كما نشرت ترجماته للشعر العربي، في دوريات بريطانية وأميركية مختلفة. صدر له ضمن مشروع كلمة للترجمة في أبوظبي: “العالم لا ينتهي” للشاعر الأميركي تشارلز سيميك، و”الجذور الثقافية للإسلامويّة الأميركية” للناقد الأميركي تيموثي مار، وكتاب “المدرسة” لكاثرين بيرك وإيان غروس فينور.

كما سيصدر له، قريبا، وعن المشروع القومي للترجمة في جمهورية مصر العربية: “المسخ يعشق متاهته” للشاعر الأميركي تشارلز سيميك. “العرب” كان لها هذا الحوار مع الشاعر والمترجم تحسين الخطيب.


الغرام باللغة


عن تجربته في الترجمة، وما الذي جذبه إلى ترجمة الأدب عموما، والشعر على وجه الخصوص، يقول تحسين الخطيب: «لا أذكر بالضبط تاريخا محدّدا لبداية علاقتي بالترجمة. لكنها في البدء ومنذ ما يزيد عن عشرين سنة كانت مجرّد تمارين ذهنية؛ لعب بالكلام في لغة أخرى، وتقليب أحواله ومقاماته: لم هذه الكلمة وليست تلك؟ ولم هذه الصياغة دون غيرها؟ كنت أترنم بالمقاطع التي تعجبني في محاولة مني لتخيّل صورها: إعمال المخيّلة في الكلام».

المؤسسة العربية غائبة تماما عن المشهد الثقافي العالمي، فهي بنت النظام العربي، المشغول بـ"نزعاته" الداخلية

ويتابع: «ظلت تلك التمارين تصاحبني لفترة طويلة، ظلّت مجرّد تمارين ليس إلّا، لم أحاول تدوينها. كنت أميل في ذلك الوقت إلى أن النص الشعري الباهر هو نص عصيّ على الترجمة. وكنت بعد تلك التمارين العقلية أبتعد عمّا يعجبني، ألقيه بعيدا، ثم أعود إليه بعد فترة طويلة مرة أخرى، داخلا بعد كل عودة جديدة في تمارين ذهنية تختلف عن الأولى: تبعا لزمن العودة، زمن القراءة التالية، ووفقا للمزاج أوّلا وأخيرا. فلا قراءة واحدة للنص الشعري مهما ظنّ المرء أنه قد أنجز تلك القراءة؛ النص الشعري المكهرب، بالنسبة إلى قارئ الشعر الحميم، هو نص متجدّد دوما. ما زلت إلى غاية هذه اللحظة أعود إلى بعض تلك القصائد المذهلة التي ما زالت ترنّ في عقلي، وما زلت أقف حائرا أمام لغتها، مندهشا، عاجزا عن وضع تصوّر نهائي لترجمتها، فادّعاء تحقيق ترجمة نهائيّة لنص ما هو في حدّ ذاته بمثابة إعلان موت فاضح وفاجع على حدّ سواء لذلك النص».

يضيف الخطيب: «إن الشيء الذي جذبني إلى ترجمة الأدب، والشعر خصوصا، هو عشقي للغة، أنا متيّم باللغة، وباللغة العربية تحديدا. فاللغة العربية بالنسبة إليّ هي أجمل النساء. فلا ترجمة “جيّدة” دون عشق، ولكنّ هذا العشق وذاك الوله ليس عشقا منزّها عن الشهوة. لا بدّ للمترجم الذي يرغب في “اللذة” أن يطارح القصيدة الغرام، أن يعصرها بين ذراعيه، وأن يضمّها ضمّة لا يقوم منها إلّا مغميّا عليه. في الحقيقة لم أنشر كتابا في الترجمة إلّا مؤخرا، مع أنّ أدراجي طافحة بشعر مترجم يملأ عشرات الكتب. النشر في عالمنا العربي -على اختلاف صوره- عالم تحكمه العلاقات الشخصية في المقام الأول، مع استثناءات قليلة بالغة النّدرة. وبما أنني أنجز ترجماتي في الظلّ، وعلى الهامش؛ هامش السائد والطاغي والمنتشر في كل مكان، ولا أشتغل في الصحافة الثقافية، ولست في موقع يؤهلّني لتقديم “خدمات” ثقافيّة لأحد، فلا أبواب تفتح بسهولة. وإن فتحت فلا تقدير كافيا للمترجم. لا ينظر لدينا إلى الترجمة بوصفها إبداعا، فليس المترجم عند كثيرين سوى ساعي بريد، مجرّد ناقل لـ”المعاني”، ليس إلّا».

لنشر في عالمنا العربي، على اختلاف صوره، عالم تحكمه العلاقات الشخصية في المقام الأول مع استثناءات قليلة بالغة الندرة

إن ترجمة الشعر موضوع أثار الجدل قديما وحديثا، لماذا نترجم الشعر؟ ألا تعدّ عملية الترجمة هنا نوعا من الانتهاك لقداسة النص الأصلي؟ يوضح الخطيب: «لا تقوم الترجمة بانتهاك “قداسة” النص الأصليّ أبدا، فلا قداسة لأيّ نصً أصلا. الترجمة المثلى -في الغالب الأعمّ- هي إعادة خلق للنص من جديد؛ كتابة مَحْو، أوّلا وأخيرا. ولا بدّ لمن يترجم الشعر أن يكون شاعرا، فالشاعر في الترجمة هو شاعر مرّتين، على حدّ قول بسام حجّار، الشاعر الكبير والمترجم الفذّ».


غياب العرب


الترجمة إحدى عمليات التبادل الهامة لخلق حالة حوار بين ثقافتين وبين بيئتين وربما بين عالمين، فإلى أيّ حدّ يعتقد تحسين الخطيب أن الترجمة ساهمت في خلق علاقة حقيقية بين الشرق والغرب على المستوى الثقافي والحضاري، يقول محدثنا: “لا أعتقد أن الترجمة الثقافيّة، في الوقت الراهن، قد ساهمت في أيّ فعل “يقرّب” الشرقَ إلى الغرب. لأنّ ما ترجم من الأدب العربيّ -شعره ونثره- إلى لغات الغرب يكاد يكون محدودا، إن قورن بما ينقَل من آداب الشعوب الأخرى، ومقتصرا على جهود فرديّة يقوم بها شعراء أو أدباء يقيمون في تلك البلدان. فأفضل الترجمات في الشعر، مثلا والتي حظيت باهتمام الأوساط الثقافية الغربية، ونالت جوائز مرموقة على ذلك، أنجزت من طرف أفراد بدافع الحبّ. فالمؤسسة العربيّة غائبة تماما عن المشهد الثقافيّ العالمي؛ فهي بنت النظام العربيّ السائد، والمشغول بـ”نزعاته” الداخليّة وصراعاته التي لا تنتهي على السلطة. وآخر ما يعنيه هو الفعل الثقافي “العميق”».

المال السياسيّ متحكّم في كل شيء، وحال المثقف العربيّ يرثى لها

ويضيف مبيّنا: «المال السياسيّ متحكّم في كل شيء، وحال المثقف العربيّ يرثى لها. فهو إمّا عبد لهذا المال السياسيّ بكل كيانه، وخاضع له بكل جوارحه، متلذّذ بعبوديّته تلك. وإمّا عاجز حتّى عن الصراخ، بسبب لهثه المتواصل وراء لقمه العيش. لا شيء في عالمنا العربيّ خارج منطق صيرورته الراهنة. ولا شيء فيه يخضع لأيّ شيء سوى المال والمصالح المشتركة. وحركة الترجمة كأيّ فعل ثقافيّ آخر لا تشذّ عن ذلك».

بالعودة إلى الشعر، وتحسين الخطيب شاعر، إن كان يشعر بالخيانة وهو ينقل نصا شعريا إلى لغة أخرى، وإن كان لا بدّ من أن تكون شاعرا حتى تترجم قصيدة شعرية، يجيب: «إن صحّ الاستشهاد بالمثل الإيطالي الشهير القائل إنّ الترجمة خيانة، فترجمة الشعر خيانة تستحقّ المديح.

كل ترجمة تستحقّ المديح، حتّى تلك الرديئة: فهي على الأقلّ تجعلك تعود إلى النص الأصلي لتقرأه. نعم، لا أحد غير الشاعر يكون قادرا على ترجمة القصيدة. أذكر أن أكتافيو باث ومارك ستراند عندما وضعا أنطولوجيا شعريّة لبعض قصائد مختارة لشعراء من المكسيك، لم يستعينوا بأناس ضالعين في اللغتين فحسب لنقل هذه القصائد، وإنما لجؤوا إلى تقديم ترجمات حرفيّة للنصوص المنتقاة، قام بها أناس ضالعون في اللغة الإسبانية واللغة الأنكليزية، ومن ثمّ طلبوا من شعراء مرموقين، وبعضهم لا يعرف الإسبانيّة البتّة، أن يعيدوا كتابة هذه الترجمات شعرا.

وكانت النتيجة ترجمات رائعة وفي غاية الجمال، صفق لها أكتافيو باث نفسه. نعم، الشاعر هو المترجم الأمثل. ثم من جهة أخرى أنا لا أترجم إلّا ما أحبّ، فبترجمة الشعر أحيا، وأقضي بها على سأمي وقرفي من العالم».

15